
لماذا نصوم؟
مارس 8, 2026
ليلة العمر
مارس 10, 2026كتبه: المستعين بالله
حدثنا دلُّوع بن فسْدان، عن جربوع بن خربان، قال:
هو شهر واحد في السنة، نتخذ له ترتيبات معينة، لا نهتم بمثلها في سائر الشهور، ونخترع به تساليَ لم تحدُث عبر الدهور، فهو فعلًا جديرٌ بالاحتفال، وتشمير السواعد وترتيب الحال، وإظهار الجد والعزم، وإبداء الجلَد والحزم؛ وإن السهر فيه ليحلو، والمزاج فيه يعلو، وكثيرًا ما نجتمع على فعاليات كبيرة، وأحوال ونشاطات خطيرة، تضفي على الشهر الكريم أهمية احتفالية، وتجعلنا نموت شوقًا للأنشطة الرمضانية..
فترى كلًّا منا قد انشغل، واستغرق وقته في الإعداد والعمل، ولو تأملتَنا لشبهْتَنا بالفعل، بخلية من النحل أو النمل، فلكل واحد منا ما يلهيه، وما يملأ ليله بل هو لا يكفيه. فأيام رمضان في ظني أمتع أيام السنة، وأرقى ما يروِّح عن النفوس المؤمنة، أليس هو شهر البر والتقوى؟ أليس الإيمان فيه يربو ويقوى؟ ألا ترى الناس فيه مستأنسين؟ فرحانين سهرانين مبسوطين؟ ألم تدرك أنه شهر مفترج؟ يأتي لكل الشرائح بالخير والفرج؟ ألا تسخو فيه النفوس، وتزيد فيه الفلوس، وتعم المتعة، وتنتشر الفرحة؟
ألا تسمع إلى المغنين يهزجون، والمطربين ينشدون: رمضان جانا وِفْرحْنا بَه.. بعد غيابُه؟
ألم ترَ إلى الأطفال بالفوانيس، بعد أن تصفَّد الأباليس، يخرجون في الغسق دون أن يملوا،
فرحين ينشدون: حاللو يا حاللو؟
وإن من الوعي الجمعي لهذه الأمة العظيمة، أنها تستقبله بالأنشطة الفخيمة، وإحياء العادات التراثية القديمة، وتضيف عليه من البهارات والمسليات العصرية، والحاجات المضحكات الفنية، ما يجعلنا نكره انتهاءه، فندعو الله ليبلِّغنا مِن قابلٍ ابتداءه، لما نجد فيه من المرح والإيناس، ونسيان كل أشكال الغم والقهر.
يا نفسُ هِيصي صَهْلِلي **** خَلِّي الليالي فُلَّلِي
ودعي فتاوَى جامداتٍ **** من كل جِلفٍ حنبلي
وتبحبحي وتوسّعي **** وعلى اللذائذ أقبلي
وَتلَعْلَطي، وتزَغْرَطي **** وترقصي وتحَنْجلي
وقبل أن تحس معي بحلاوة استقبالنا رمضان، ويقيننا أنه شهر برٍّ وجودٍ وإحسان، أرجو أن تفهم لماذا يضيق صدري، ويزيد غمي و(قهري) من بعض الآدميين المتزمتين، والأشخاص الأقفال المنغلقين، الذين لا يرونه غير صوم وصلاة، وقيام وطاعة لله، وتركيز على الذكر والعبادة، والالتصاق الدائم بالسجادة، والتصدق والجود والزهادة، وكأن الدين جاء ليضيِّق على الناس، ويبلِّد في نفوسهم الإحساس، ويحرمهم من الوناسة والراحة، وإطلاق النفس بصراحة، ويجعلهم ينسون أشكال الفرح، ويضيقون باللعب والمرح، وينسون أن ديننا حلوٌ خالص، وليس منه تكشير الوجه وتغضُّن الفرائص:
فما أثقل من يريدون أن يقوموا الليل بالقرآن، والدعاء والتوبة طلب الغفران، وما أغبى من يمنع تسلية الصيام، ويشغل أدمغتنا بالحلال والحرام، فما كان الدين أبدًا هكذا، وليس هو بالجالب الضيِّق والأذى؛ بل هو الدين السمح اليسير، وموقظ الروح والنفس والضمير، فلن يضيق أبدًا ربُّنا بنا، إن تسلَّينا ونسينا همومنا، فتعالوا أسليكم، والفعاليات الرمضانية أورِّيكم:
فأما الفضائيات الذائعة فقالت لرمضان هيت لك، الجهد لك، والبذل لك، بإرسالي وأبطالي، وميزانياتي وأموالي، وتمكيجت وتكحلت، وطوّلت في إرسالها واسترسلت، ونوعت المواد والبرامج، من كل عتيق عندها وطازج، فجهزت بدائع المسلسلات، وروائع الفوازير والمسابقات، وبدأت ترش الفلوس على المتنافسين رشّا، وتطشُّ نفوس المشاهدين طَشّا، واستأجرت آنق المذيعات، وأحلى الممثلات والراقصات، وأجْرَت المقابلات وخبّأت المفاجآت، وأبدعت في الكاميرا الخفية، والمواد المضحكة الكوميدية، مع بهارات من الدراما المبكية، والإفيهات المحزنة المؤسية..
وبدأت تعرض سيرة حياة الفنانة سوسو المناضلة، ورحلة عمرها الشاملة، بإرادتها العظيمة الباسلة، ورؤيتها الدقيقة الكاملة، حين تحدّت كل العقبات، وواجهت ألوف الصعوبات، ثم اختارت الرقص طريقاً، واتخذت من عزيمتها رفيقاً، فكتب الله لها النصر في النهاية، حتى بلغت في إتقان هز الوسط الغاية. وكانت القصة جدًّا مؤثرة، إذ جعلت أعصابنا دائمًا متوترة، فتعاطفنا مع كفاحها، وشاركناها في أتراحها وأفراحها، وذلك من فن الأستاذ سمير هَبَلُّو المخرج الكبير، وخليل كاللو النجم الخطير، وسيدة الشاشة الفضية، الست عطيات التحفجية.
وبديهي أن هذا لم يكن هذا المسلسل الوحيد، بل ثَم سبعون من المسلسلات أو يزيد، وكل فضائية نافست على الجديد، وقدمت من هذا العطاء المزيد والمزيد، حتى يسلوا صيامنا، ويزيلوا أُوَامَنا، فجزاهم الله ألف خِير، وحاشاهم من العجز والتقصير.
وأما الفنادق فأبدعت وطورت، واستحدثت فأحسنت وما قصرت، إذ أقامت الخيام الرمضانية، والأسواق الشعبية التقليدية، ونقلت إلى بيوتنا الموسكي وسوق الحميدية، واستنسخت دكاكين قصر الشوق وبين القصرين والغورية، وأتوا بنساء بالملايات اللف، الواحدة من نسائنا بألف، فإحداهن صدقوني لهطةُ قشطة، أو كأنها في اكتنازها بطة، يمشين متدلعات متقصعات، مائلات مميلات مثيرات، وعلى الجنبين يجلس الذين يسلون صيامهم، ويقضُّون في اللهو البريء وقتهم، فيصفرون للنساء ويبصبصون، ويتمحكون فيهن ويغازلون، ويسحبون من الشيشة ما يشاؤون، ليجعلونا نعيش في أجواء شعبية، وممارسات طريفة ترفيهية.
فأما من أراد أن يعدِل مزاجاً، ويقطع الوقت متعة وابتهاجاً، فعنده نسخة من كازينو ليل يا عين، حيث الزجاجات على الجنبين، وفيها السحور الراقص، والطرب الشجيُّ الهائص، لكن إن أردت تحريكا لأعضائك، وتنشيطًا لمزاجك وأرجائك، فانزل إلى البِسْت وارقص، وصفق مع الطرب وهيِّص، فإذا كنت طولَ النهار في صيام، فاسهر الليل ودع عنك المنام، أفلا تروِّح عن نفسك، وتتخلص من تعبك وهمك؟
أما إن أردت أن ترى سخاءً، وغنىً ووفرة ورخاءً، فانزل إلى موائد الرحمان، فهي منثورة في كل مكان، من حُر مال المعلم حكشة تاجر الصنف، والفنانة الراقصة كوكي البَلْف، والمعلم حنفي سنجة، والريس حنفي ملك السردين والرنجة، كلهم فيها يخرج زكاة ماله، ويعمي العيون عن عياله، ويغسلون أموالهم من الحرام، ويسلون الناس في الصيام، وينشرون عن تقواهم في الجرائد، وعن فعل الخير ومدهم الموائد!
فأما الخيام الرمضانية، المهتمة بالسَّقافة الشعبية، فتجد فيه المصاطب والبسطات والمسارح، والأفندية مع لابسي الجلاليب والملافح، والبهوات الجامْدين، والبشوات الواصْلين، كما تجد فيه الشيشة والجوزة، والحواة والقرادين والأراجوزة، والجلابية بارتي، وأوبريت بحبك يا جارْتي، وترى فيها الحفلات التنكرية، وتسمع فيها الحكايات الشعبية، كأدهم وأبي زيد وياسين وبهية، ومع حنين الأرغول والربابة، تصل إلى أذنيك حكايات الهلالية والزغابة، فهي ليالي سمر ولا كالليالي، وساعات بهيجاتٌ مُرضياتٌ حوالي.
وينطلق الآباء لتكديس الحوائج، وشراء كل شيء رائج وغير رائج، فالشهر فرصة للطعام والشراب، والتسلي في الشوارع بالمُزّات وأسياخ الكباب، ناهيك عما تحضِّر الأمهات العزيزات، وصفوف الطباخات والخادمات، من شهي الأطعمة والمأكولات، حتى إن الوزن ليزيد، والشهية ترمي في مِعَدٍ تهضم الحديد، فترانا ساعة الإفطار فيما يشبه الانتحار، نبلع ونزلُط، ونرمي ونزْغُط، ونلهط ما شئنا من الهريس، ونشفط ما أحببنا من الخبيص، وننوع في البارد والحار، والمشطشَط كأنه النار، ولا ننسى دور الفاكهة، والنقول والمشهيات المشابهة، فالمثلجات والآيس كريم، والجيلي والكراميل كريم، ولا يفوتنا الغبوق إذا غاب الريوق، ونتلهف على السحور في أوانه، والحلو في إبّانه..
كل ذلك ونحن في استرخاء، أمام ما يبث لنا من الفضاء، ويكفينا في الشهر المباركٍ الإل بي سي وأختها الإم بي سي، وحسبُنا مزيكا والإي آر تي، فهي من القنوات الأخرى أخف، إذ يجعلنا الشهر الكريم -ولو مؤقتًا- نعف؛ أليس هو شهر كرم وحياء، وتطهير للنفس وصفاء؟!
وفي رمضان ينطلق المسحرون، والنشالون والمتسولون، وينشط بائعو الفوانيس، وملاعبو القرود والنسانيس، يستجْدون الناس أو ينشلونهم، ويُضحِكونهم ويسلونهم، ناهيك عن بائعي المكسرات، وقمر الدين والكنافة والسحلب والمغات، ما يجعل الليل عندنا نهاراً، والشوارع ملأى عَماراً.
وعلى رغم هذه المزايا، فإن لرمضان بلايا ورزايا، إذ لا نهنأ فيه بالنوم، ونلتزم طوال النهار بالصوم، ونضطر للذهاب للعمل، ونُتهم مع ذلك بالتراخي والكسل!
فليت الحكومات تجعل رمضان عطلة رسمية، أو إجازة للناس مجانية؛ حتى نستمتع بالشهر الفضيل، ونشعر بطعم الصيام الجميل!
وليت الذين يدوشوننا بختم القرآن، والتراويح والتهجد وصوم اللسان، فليكفوا عنا شرهم، وليدعوا زنَّهم وقرَّهم، ماذا تريدون منا يا سادة؟ أما تركنا لكم أنتم العبادة؟!
الله يكفي شركم **** أهلَ التدينِ والعبادة
تتظاهرون تنافقون **** كأنما لكم السيادة
وتُحرِّمون على البرايا **** كل التَّمنْجُهِ والسعادة
إن التبحبحَ والتسلي **** في الصيام ألذ عادة
والله رحمنٌ رحيمٌ **** ويلكم أهلَ البلادة
لماذا تسلبون رمضان جانبه المسلي؟ وطعمَه الحلوَ المحلِّي؟ من شاء منكم أن يصليَ فليصلِّ، ومن رفض هذا فليولِّ! فأمتع ما في رمضان ملامحه اللطيفة، وفعالياته الخفيفة الظريفة، أما هؤلاء الذين يريدون فيه الصلاة، فليوفقهم الإله، وليتعبدوا ما شاؤوا، وليخرجوا من الحياة كما جاؤوا، لم يستمتعوا مثلنا بالدنيا، ولم يعرفوا لها طعمًا ولا معنى، ولم يطربوا لأجواء السمر، ولم يعرفوا حلاوة الكيف والسهر.
لست أدري لماذا يتنافسون إلى المساجد؟ وتراهم فيها خاشعين بين راكع وساجد؟ لماذا يصرون على قراءة القرآن؟ والدمع تهمل به العينان، رغبة فيما عند الله، وانقطاعًا -كما يزعمون- عن كل ما سواه؟!
هل هم الصادقون ونحن فسقة؟ أو هم الناجون ونحن في هلكة؟ ألسنا نفهم سماحة الدين، وعندنا أكثر منهم من اليقين؟ ألسنا نعيش ساعة وساعة؟ فلماذا منهم هذه اللكاعة؟
لا تقولوا إن صيامنا سيبوظ، فقد مللنا كلامكم المحفوظ، وإن قلوبنا بيضاء، ونفوسنا شفافة كالماء، ولا بد أننا مرحومون فالعبرة بالنية، فدعونا من نصائحكم التقية.
ومبارك عليكم الشهر.





