
معجزة علمية للقرآن الكريم
فبراير 11, 2026
رمضان شهر الانتصارات
فبراير 12, 2026وليد دقة
فك الله أسره*
في الطريق إلى السجن، يجرَّد الأسرى من ملابسهم وأشيائهم وهُوياتهم وروابطهم الاجتماعية التي اكتسبوها في إطار علاقتهم وغزلهم الاجتماعي. والتفتيش الذي يمرون به، بدءاً من دخولهم قسم التحقيق إلى غاية دخولهم السجون المركزية، يستهدف تشييئهم وتحويلهم إلى موضوعات لسجّانهم عبر مجموعة من الإجراءات، أو ما يمكن أن نطلق عليه “אובייקטיביזציה – أوبيكتفيزتسيا” [التشييىء]، وهي عملية لمسح معالم الذات وتفرُّدها.
ولتسهيل تشييىء الأسير، فإن نظام السجن يفرض ارتداء زي الأسرى الموحد شكلاً ولوناً الذي كُتب عليه (“بيت سوهر” – سجن)، تماماً كما كُتب على فَرشات السجن والكراسي والطاولات وسائر الممتلكات؛ ليصبح الأسير في نظر السجّان ممتلَكاً من ممتلكات المؤسسة – إدارة السجن التي يعمل بها، بعد أن يتم محو الفارق الأساسي بين البشر، وهي أسماؤهم، ويطلق عليهم، بدل الأسماء، رقم الأسير الذي لا يهدف إلى تسهيل الحوسبة، فهذا الإجراء قائم في نظام السجون قبل اختراع الحاسوب، ولهذا الغرض كان يمكن الاكتفاء برقم الهوية.
إن التفتيش الذي قد يبدو في الظاهر لدواعٍ أمنية، لمنع تهريب الممنوعات إلى داخل عنابر السجن، يتم من خلاله مصادرة أنَّات/ [أناوات] الأسرى عبر مصادرة الأشياء الحاملة معاني تخصّ الأسير ذاته. كأن يتم، مثلاً، مصادرة كتاب، أو مجرّد فانيلا [لباس داخلي علوي] كانت آخر ما ارتداه قبل اعتقاله، أو مسبحة أهدته إياها والدته.. فالأشياء طواطم تُذكِّرنا بالحياة قبل الاعتقال، وتعرِّفنا أحياناً، على الأقل في نظر أنفسنا، مَن نحن كذوات، كما تحمل قيمة عاطفية تشحننا في زمن القحط الإنساني والعاطفي في السجن، فهي قيمة أكثر بكثير من قيمتها المادية، يُقبَض عليها كما لو كانت تعويذة تحول، أو هكذا يعتقد الأسرى، دون ذوبانهم كذوات في الكتلة البشرية التي هي موضوع استهداف المؤسسة المغلقة كالسجن.
لا يصادر التفتيش الأشياء المشحونة بالمعاني العاطفية والذكريات الإنسانية فحسب، وإنما يصادر [كذلك] الأشياء التي تحمل مؤشرات المكانة الاجتماعية، فنظام السجن يسعى دوماً إلى الاستحواذ على كل شيء، بما فيه المكانة الاجتماعية. فهو الذي يحجب أو يمنع هذه المكانة وفقاً لمصالحه، أو على الأقل يحاول السيطرة على آليات الفرز والتراتبية الاجتماعية والتنظيمية داخل السجن من خلال روافع يملكها، وطوَّر العديد منها خلال السنوات العشر الأخيرة، إن كان داخل الفصائل أو فيما بينها؛ فالجميع خاضع لنظام السجن، والأفراد يقفون عراة لا حول لهم ولا قوة يعتمدون على سجّانهم أو ما يستطيعون انتزاعه منه في أكلهم وشربهم وعلاجهم وروابطهم الاجتماعية، وحتى في تسليتهم.
في الماضي، كان الأسير يصل [إلى] سجنه بعد مرحلة التحقيق والتفتيش في مداخل السجون وأقسام محطات الفرز الـ “معبار” (في سجن الرملة ومجدّو والسبع) منهك الجسد والنفس، فيستقبله فصيله والمنظومة الاعتقالية التي شكّلتها الحركة الوطنية الأسيرة على مدار عقود من النضال، والتي مثَّلت مقاومة لنظام السجن الدائري، كما وصفه [ميشيل] فوكوMichel Foucault. فيستعيد من خلال نظام الجماعة الاعتقالية توازنه النفسي الذي نالت منه صدمة الاعتقال، كما يستعيد أشياءه المصادرة أو ما يشبهها، فاستعادتها شرط ضروري لاستعادة التوازن النفسي، لا سيما تلك الأشياء التي تشير إلى مكانة الأسير الاجتماعية خارج الأسوار.
فإذا كانت سماعة فاحص دقات القلب تعني بأن صاحبها طبيب، والكتاب يشير أنه مثقف، والصورة مع الخيل أو السيارة هي أنه صاحب مواهب واهتمامات في هذه المجالات، فإن نظام السجن عندما يصادرها، فإنه لا يصادر هذه الممتلكات بعينها فحسب، وإنما يصادر من الأسير معانيها الاجتماعية، فهي تعني المكانة والسيادة على الذات والجسد نفسياً وأرضياً1.
وإذا كان التاج يحدد بصرياً مَن هو الملك، فإن مصادرة هذه المؤشرات البصرية تفتح مجتمع الأسرى على مصراعيه، وربما حد الفوضى الاجتماعية لإعادة إنتاج نظامه وتراتبيته الاجتماعية من جديد. ولكن نظام السجن الشمولي لا يهدف، على الإطلاق، إلى فتح مجتمع الأسرى ليعيد تراتبيته بقواه الذاتية، وعبر دينامياته الاجتماعية الداخلية، وإنما تشييئه، ليقوم هو بتشكيله وفقاً لمصالحه.
إن جعل السجين رقماً يرتدي نفس الملابس التي يرتديها جميع الأسرى، استدعت فيه قيم الذات أو الذات كقيمة، أن تكون أو لا تكون لمقاومة هذا النظام. وبالتالي، [فقد] كانت هي الدافع والمحرّك الأساسي للمقاومة وليست القيم الوطنية (قيم التحرر)، فيعيد الأسير في مواجهة التشييىء لملمة أشيائه، كما العصفور الذي يبني عشه قشةً قشةً، ليستعيد ذاته ومكانته وصورته في النظام الاجتماعي للسجن.
هذا إلى جانب المنظومة الوطنية والفصائلية التي بنتها الحركة الأسيرة وشكّلت حاضنة لهذا النضال الذي أفشل نظام التشييىء، وأوجدت سبلاً للتراتبية وإعادة إنتاج الذات. وقد وضعت لهذا الغرض نظماً داخلية ومنظومة تنافسية قوامها القيم الوطنية والآليات الديمقراطية والقدرات التنظيمية والثقافية التي أتاحت حراكاً داخلها، وجددت دماء الحركة [الأسيرة] وقيادة فصائلها.
لا توجد إرادة دون ذات حاملة للإرادة، والإرادة الوطنية المتمثلة في الحركة الوطنية الأسيرة هي إرادات أفراد، أولاً وقبل كل شيء، والتشييىء الذي أجرته إدارة السجون، وفقاً لنظام السجن الدائري (البانوبتيكون)، استهدف سلب الإرادة الذاتية وتفريغ الإرادة الجماعية من محتواها. وعندما تُستَحضر الذات والإرادة فإنها تستدعي معها الكائن الأخلاقي والسياسي القادر أن يقول “لا” لسجانه، وأن لا يبقى، رغم الهوة الشاسعة بين إمكاناته وقدرات منظومة السجن، مادة طيّعة يشكّلها الأخير كما يريد.
لقد استطاعت الحركة الوطنية الأسيرة أن تقاوم التشييىء وأن تمثّل تحدياً لنظام السجن عبر برامجها الثقافية (التعبوية) والتنظيمية، وبالنضال الجماعي للأسرى. وقد حدث هذا، بل وكان ممكناً، في ظل مناخات الخطاب التحرري العالمي الذي امتد من جنوب أفريقيا إلى كوبا وفيتنام والجزائر، ومناخات المدّ الوطني الذي مثّلته الحركة الوطنية الفلسطينية بقيادة فصائل منظمة التحرير الفلسطينية، والذي استمر لغاية بدء تطبيق اتفاقية أوسلو، والتي حوَّلت واقعية حركة التحرر الوطني الفلسطيني إلى سلطة، وبرنامج الحرية والاستقلال إلى مشروع دولة دون سيادة.
لكن إثر هذا الواقع الجديد، استغرقنا وقتاً طويلاً نسبياً حتى استطعنا إدراكه داخل وخارج السجون، لا من حيث طبيعته السياسية، وإنما من جهة آليات الرقابة والسيطرة الإسرائيلية التي تمت ملاءمتها وابتكار الجديد منها بما يتناسب وواقع وجود سلطة فلسطينية.
وقد تطورت هذه الآليات تدريجياً وصولاً إلى نظام سيطرة مُحكَم على المعازل والجغرافيات الفلسطينية المختلفة بما فيها السجون، مستفيدة من التطور التكنولوجي ومن آثاره النفسية والاجتماعية والثقافية، ومن نظم الإدارة ما بعد الفيبرية، أو كما يسميها زيجمونت باومان “الثورة الإدارية في ثوبها الجديد”2، حيث انتقل نظام السيطرة والرقابة الإسرائيلية – من “البانوبتيكون” المركزي الإكراهي إلى “السينوبتيكون” الأفقي الإغرائي3، حيث لم يعد الأول هو “النموذج العام ولا الاستراتيجية السائدة التي كان يعتقدها بنتهام وفوكو في أزمانهما، بل لم يعد النموذج والاستراتيجية الأساسية في الممارسة”4.





