
آن أوان استبدالكم
يناير 5, 2026
الاحتلال يقصف غزة ويُغلق رفح بقرار أمريكي
يناير 6, 2026أهوال ومصائب تفتك بالبلد الطيب
د. حسين عبد العال
عضو الأمانة العامة للهيئة العالمية لأنصار النبي ﷺ
يمرّ السودان الحبيب منذ إبريل عام 2023م بأسوأ أزمة في تاريخه الحديث، حيث تنشب معركة كبيرة طالت نيرانها كل بقعة على أرض السودان، بل وامتدت لخارج السودان عبر المشردين والمهجرين من بلادهم وديارهم، هذا فضلًا عن المآسي التي طالت كل السودانيين، فلقد قتل الآلاف بلا عدد محدد، واغتصبت كثير من النساء -وما أقسى هذا على شعب السودان الحر الأبي- وشرد الملايين من أبناء السودان داخل السودان وخارجه، ومات الأطفال جوعًا وبردًا، كما مات الرجال عجزًا وقهرًا، ودمرت حياة الملايين بعد ما فقدوا كل شيء.
أهمية السودان
يعد السودان ذا أهمية استراتيجية بالنسبة للدول الإسلامية عامة، وللدول العربية خاصة، فضلًا عن دول الجوار مثل مصر والسعودية وليبيا وتشاد وإريتريا وأثيوبيا.
ولها في أهميتها أبعاد خطيرة، فمثلا بُعدها الجغرافي لكونها مترامية الأطراف، فيؤثر هذا البعد على دول كثيرة من حولها، ولا نبالغ لو قلنا يؤثر على القارة الإفريقية بأكملها، كما أنها تلعب دورًا خطيرًا في البعد الاقتصادي، حيث إنها دولة كبيرة ذات أرض سهلة مبسوطة خصبة من الدرجة الأولى، كما أن المياه متوفرة لها من كل ناحية، فمع كون الأمطار تهطل عليها فترة طويلة طوال العام، وتقوم عليها الزراعات المطرية في أنحاء واسعة من البلاد، ويصلح ذلك للعديد من المحاصيل الزراعية، فهي كذلك يقطعها من الجنوب للشمال نهر النيل العظيم، وتعجب عندما تراه رافدين عظيمين وهما النيل الأزرق والنيل الأبيض ويلتقيان في الخرطوم ليجريا ناحية الشمال، فضلًا عن العديد من الروافد الصغيرة.
هذا فضلًا عن البعد الأمني والسياسي، فهي تجاور أهم وأكبر دولتين في العالم العربي، فهي البعد الاستراتيجي والأمني لمصر، وامتدادها الطبيعي، بل وهي الأمن الاقتصادي والغذائي والحدودي لمصر، كما أنها كذلك بالنسبة للملكة العربية السعودية، والتي لا يفصلها عنها سوى البحر الأحمر، ناهيك عن كونها بوابة الأمن والسياسة والتعليم لأفريقيا بأكملها.
الدعم السريع (قوات التمرد)
أما عن قوات التمرد فيكفي القول فيها: إذا أنت أكرمت اللئيم تمردا!
وهذا أصدق مثال لها، فهؤلاء قوم أكرمتهم حكومة السودان السابقة ورفعت من شأنهم وأدخلتهم المدن، وجعلت منهم قوات ذات شأن، فانقلبوا على ذلك وتمردوا وطمعوا في حكم السودان بأكمله، وكانت معهم الأموال الطائلة والذهب وغير ذلك، فسولت لهم شياطين الإنس والجان أن يقصوا غيرهم، وأن يستولوا على الخيرات كلها بمفردهم.
السودان قبيل الحرب
كان السودان ينعم بالأمن والأمان، وكانت مواقفه الإسلامية والعربية غاية في الجمال مقارنة بغيره من البلدان الأخرى، لذلك حنق الغرب والشرق عليه، ودُبرت له المؤامرات وكِيد له بليل، وقام بعض المغرضين والحاقدين على الإسلام والمسلمين، مستغلين سذاجة البعض من الناس، ومستغلين الظروف الاقتصادية للبلاد، بأن ثاروا لقلب نظام الحكم السائد، وبالمؤامرات الخارجية والداخلية نجحت محاولتهم وقاموا بإقصاء الرئيس عمر البشير ونظامه، وكان للدعم السريع (قوات التمرد) يدًا كبرى في ذلك.
وسرعان ما وجد قائد قوات التمرد بغيته ليتدخل بصورة أكبر من حجمه في قيادة البلاد، وزاد نفوذه في السلطة مما أطمعه في إقصاء الآخرين والاستيلاء على حكم البلاد، ولعلمه أنه غير مرغوب شعبيًا سارع ليستولي على الحكم بالقوة، ساعده في ذلك ما وصلت له السودان من ضعف وفقر وتمزق، فجنّد عشرات الآلاف من المرتزقة من خارج السودان ودفع بهم للسيطرة على البلاد، ورفض كل المحاولات للحفاظ على البلاد، واستعد بإدخال قواته لقلب العاصمة.
من يكيد للسودان؟
لم يكن حميدتي (قائد التمرد) وقواته معه سوى أداة استغلتها جهات أخرى خارجية، وأخرى داخلية مما تُسمى بـ”قوى الحرية والتغيير” وهم ثلة من الشيوعيين واليساريين يجمعهم كره الإسلام، وهذه القوى الداخلية ليست بأقل سوءًا من القوى الخارجية، وكانت دويلة الإمارات العربية هي أداة الشر والفساد التي استخدمها الغرب لتمزيق دولة السودان، فكانت هي المحرك والداعم الأكبر لقوات التمرد، سواء بالمال أو السلاح أو التخطيط والتجنيد، وكانت كعادتها مع الدول الإسلامية هي أكبر مَن يكيد للسودان وأهل السودان، نيابة عن الكيان الصهيوني صاحب المؤامرة الحقيقية مع شركائه من الأمريكيين والأوربيين.
ماذا فعلت الحرب بالسودان؟
يظن البعض أن الحرب في السودان حرب بين فصيلين متنازعين على الحكم، أو بينهما خلافات سياسية من الممكن أن تُحل بالحوار عبر الموائد والوسطاء، أو أن فئات الشعب مختلفة على الفصيلين وكل يؤيد واحدًا منهما.
والحق أن الحرب في السودان بين السودانيين جميعًا خلف القوات المسلحة السودانية، وبين المتمردين أصحاب الأجندات الخارجية التي جاءت بالخراب على السودان، وهم مدعومون من جهات عدة أهمها إسرائيل والإمارات العربية -إن صح الفصل بينهما- مؤيدون من الأمريكان والاتحاد الأوربي، ولذلك تجد أن أماكن القوات المسلحة يرجع النازحون إليها، في حين أنهم يفرون هربًا من المناطق التي بها قوات التمرد، والقوات المسلحة تخدم الأهالي السودانيين، في حين أن قوات التمرد تقتلهم وتشردهم وتغتصب نساءهم وتسلب أموالهم.
ومن هنا نفهم ماذا فعلت الحرب بالسودان..
فالحرب بالسودان حرب بين قوات معادية للشعب، خارجة عليه وعلى حكومته، جاءت للخراب والتدمير والسلب والنهب وتشريد المدنيين العزل، أو قل جاءت لتغيير جغرافيا السودان، وإحلال قبائل غازية معادية لا حق لها في شيء بدلًا من أصحاب الأرض الحقيقيين بعد قتلهم وتشريدهم في البلاد، كما جاءت لهدم البنية التحتية وخرابها، ولنهب خيرات البلاد من ذهب وغيره لصالح القوى الخارجية.
ولذلك فعلت الحرب ذلك كله بالمناطق التي استطاعت قوات التمرد السيطرة عليها، قبل تنظيفها من قبل الجيش السوداني وتطهيرها من المتمردين، وظلت المناطق التي يسيطر عليها التمرد وهي دارفور وغرب كردفان تعاني من هذا الوباء والبلاء حتى يأذن الله تعالى لها بالفرج وعسى أن يكون قريبًا.
الحالة الإنسانية في السودان
أما عن الحالة الإنسانية فحدث ولا حرج، لقد شُرد أكثر من اثني عشر مليونًا من السودانيين داخل وخارج السودان، ومراكز الإيواء والتي بها اللاجئون لا تصلح للمعيشة مطلقًا، هذا فضلًا عن مقتل أكثر من مائة وعشرين ألفًا حسب المتوسط من الروايات، وربما العدد يفوق ذلك بكثير، ناهيك عن الجوع الذي يضرب شرق البلاد وغربها، حتى أن الأمم المتحدة تحذر من أسوأ مجاعة في العالم وربما في التاريخ هي المجاعة في السودان اليوم، والأمراض بشتى أنواعها تفتك بأهل السودان في حين أن البنية الصحية هناك مدمرة بصورة شبه كاملة.
عناصر قوة التمرد
تكمن عناصر قوة التمرد في الدعم المالي والسلاح اللا محدود الذي ينهال عليهم من الإمارات وغيرها، وبهذا يستطيعون تجنيد عشرات الآلاف من المرتزقة من جميع أنحاء العالم، لكنهم يفتقدون الشرعية كما يفتقدون التأييد الشعبي.
عناصر قوة القوات المسلحة السودانية
أما القوات المسلحة السودانية فتمتلك الشرعية التي لو أحسنت استخدامها لنالت كل الدعم والتأييد، كما أنها تمتلك التأييد المطلق من الشعب السوداني الذي يلتف حولها، وهذا أكبر مصادر قوتها، فالشعوب هي صاحبة الحق الأصيل، وهي التي لها الغلبة في النهاية وإن كثرت التضحيات، ولا ينقص القوات المسلحة إلا الإرادة الصادقة والعزيمة القوية وتغليب الحق والمنطق على المصالح الشخصية، كما أنها عليها طرح الحلول الخارجية أو التعويل على غير الشعب في حل القضية.
ما يُتوقع لنهاية الأزمة
المتوقع لنهاية الأزمة هو عبارة عن الأمنيات لحلولها، لكن ذلك يحتاج لتغييرات جذرية في طريقة التفكير والحل، فالأمر يحتاج لإشراك الشعب بكل فصائله الوطنية إشراكًا حقيقيًا لا شكليًا، مع إرادة صلبة قوية شجاعة لإنهاء المعركة، وطرح كل الحلول الأجنبية جانبًا، وعدم التعويل على أي طرف خارجي في حل الأزمة، واتخاذ خطوات جادة مع الشركاء الحقيقيين للسودان وعمل تحالفات صادقة مع من يهمهم أمر السودان الموحد.
وطالما أن الإرادة الشعبية موجودة بقوة وعزيمة، وأن الشباب يهتم بالدفاع عن وحدة السودان وحريتها، فهذا هو مفتاح الحل الحقيقي، وهذا ما يعطي الأمل في نهاية الأزمة والمعركة على خير ولمصلحة السودان وأهله، وعلى جميع الأطراف أن تتحالف وتساند الشباب مساندة حقيقية إذا أرادوا الخير لهذا البلد العظيم.
السودان وخذلان دول الجوار له
لا يخفى على من يتابع أمر السودان أن دول الجوار له قد خذلته خذلانًا شديدًا رغم ما يمكن أن يلحقها هي من هذا الخذلان مستقبلًا، فمثلًا مصر كان عليها أن تقف بكل ثقلها مع الجيش السوداني من اللحظة الأولى للقضاء على هذا التمرد، ولأن وجود التمرد جنوب مصر معناه الخراب لمصر وتصدير المليشيات لها مستقبلًا، لكن يبدو أن المال الإماراتي يكبل مصر ويمنعها من حماية أمنها القومي.
كما أن السعودية في تقصير شديد وخذلان كبير لأهل السودان، رغم علمهم أن أكبر مصلحة لهم هي مع وحدة السودان ووجود القوات المسلحة السودانية، وأن قوات التمرد في السودان معناه وجود الإمارات تطوق الدولة السعودية، وما يترتب على ذلك من أضرار بالغة السوء لدولة الحرمين الشريفين.
المطرقة والسندان
يقولون في المثل (بين المطرقة والسندان) وهو مَثل يدل على الدخول في أمرين كلاهما شر، وهذا بالفعل ما لا يُحسد عليه السودان الآن.
فالسودان إما أن يتنازل عن أرضه ويرضى بالأمر الواقع من تقسيم السودان وفصل جزء عزيز منه وهو دارفور، رغم أنه لو فعل ذلك فلن يسلم أيضًا، بل ستزداد مشكلاته وتضيع مكانته، بل ربما دولته.
وإما أن يرضخ لشروط الغرب وما يمليه عليه من إجراءات ما أنزل الله بها من سلطان، وفي هذه الحالة أيضًا ستضيع البلاد ويحل عليها الخراب والدمار.
إذن فما الحل الذي يخرج السودان من ورطته، ويجنبه سندان الحرب ويبعده عن مطرقة الغرب والشرق التي تؤذيه؟
في الحقيقة لا حل للسودان سوى أن يعتمد على الله تعالى، ويتخلى عن حلفاء السوء، ويستعين بشباب السودان ويعطيهم صلاحيات واسعة في الحلول الداخلية، ويبحث عن حلفاء يهتمون بمصلحة السودان، فلا يأتي بحل حقيقي إلا أبناء الشعب، وأصحاب الأرض، والله تعالى أعلى وأعلم.




