
تحويل القبلة دلالات وعبر
فبراير 5, 2026
رؤوف رحيم
فبراير 6, 2026الشيخ حسن الخطيب
عضو رابطة علماء فلسطين
نعيش هذه الأيام المباركة ذكرى الإسراء والمعراج، هذه الرحلة العظيمة التي جبر الله بها قلب نبيه وحبيبه محمد ﷺ، وما زال أهل غزة يعيشون الضنك الشديد والخذلان المَقِيت وكسر الخاطر، رغم دخول الشهر الثامن والعشرين على حرب يمارسها العدو بشتى أنواع الإجرام، ووسائل الإبادة الجماعية بمساعدة دول الطغيان والنفاق العالمي، بكافة أنواع أسلحة الدمار الشامل. وأهل غزة ما زالوا ينتظرون فرج الله تعالى وجبر خاطرهم، كما جبر الله خاطر نبيه ﷺ.
العلامة الفارقة في التاريخ الحديث
لقد أَحْدَثَ الطوفان في سويعات قليلة، ما لم تُحْدِثُه أعظم الجيوش العسكرية، وتَغَيَّرَاتٍ واضحة المعالم على جميع المستويات المحلية والإقليمية والدولية؛ فقد كان للطوفان فضل عظيم بعد الله تعالى، في أن يكون السد المنيع للأمة الإسلامية، رغم ما تعرضت له غزة من فقد وألم وتجويع وقلة وفاقة وحرمان وما زالت، وإن لم ير الناس ذلك الفضل فإننا نراه في المعطيات التالية:
أولاً: وقف قطار التطبيع الجريمة الكبرى للمتخاذلين.
ثانياً: انهيار فكرة الردع الصهيونية في يوم السابع من أكتوبر، وما تبعه من حركة الشعوب الأوروبية والأمريكيتين.
ثالثاً: انقسام العالم إلى قسمين: مؤيد مساند لقضيتنا، وعدو أثيم ومتخاذل لئيم ضدنا، ثم وقوف كثير من دول أمتنا للأسف الشديد في صف العدو، ليكونوا خصوماً ألداء متخاذلين للطائفة المنصورة، بتحالفهم مع دول كبرى رغم ضعف دولهم وصغر حجمها، اغتراراً بهم “وقد نُهوا عنه”، قال الله تعالى: ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [آل عمران: ١٩٦-١٩٧].
رابعاً: سقوط فكرة حرمة المساس بإسرائيل ومعاداة السامية.
خامساً: أصبحت معظم الدول العربية والإسلامية جهاراً نهاراً تدور في فلك الهيمنة الأمريكية، لتفقد بذلك استقلاليتها.
سادساً: مع أن الطوفان كان فرصة عظيمة لنجاة الدول العربية والإسلامية من الهيمنة الأمريكية لو تحركت جيوشها نصرة لغزة، ﴿وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾ [الأنفال: ٤٢]، فكره الله انبعاثهم فثبطهم بخذلانهم وتقاعسهم، قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَٰكِن كَرِهَ اللَّهُ انبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِين﴾ [التوبة: ٤٦].
سادساً: بفقدان استقلاليتهم اقترب سقوط حكمهم الجبري، واقتراب الخلافة الراشدة، التي أخبر عنها النبي ﷺ بقوله: “تكونُ النُّبُوَّةُ فيكم ما شاء اللهُ أن تكونَ، ثم يَرْفَعُها اللهُ تعالى، ثم تكونُ خلافةٌ على مِنهاجِ النُّبُوَّةِ ما شاء اللهُ أن تكونَ، ثم يَرْفَعُها اللهُ تعالى، ثم تكونُ مُلْكًا عاضًّا، فتكونُ ما شاء اللهُ أن تكونَ، ثم يَرْفَعُها اللهُ تعالى، ثم تكونُ مُلْكًا جَبْرِيَّةً فيكونُ ما شاء اللهُ أن يكونَ، ثم يَرْفَعُها اللهُ تعالى، ثم تكونُ خلافةً على مِنهاجِ نُبُوَّةٍ”. ثم سكت.
سابعاً: دوران الدول العربية والإسلامية في الفلك الأمريكي، واصطفافها إلى جانب العدو الصهيوني، وضعت نفسها خصماً لدوداً لأهل غزة المحاصرين المجوعين.
ثامناً: كشف الطوفان حقيقة الولاءات والانتماءات وكل ادعاءات البشر، فمنهم من تعجب وانبهر وآمن بالأثر، ومنهم من انقهر وخُبْثَ نفسه قد ظهر.
دين واحد وأمة واحدة
كمسلمين أبناء أمة واحدة ودين واحد، جميعنا نشأ وتربى على قول الله تعالى: ﴿إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُون﴾ [الأنبياء: ٩٢]، ومعظمنا تعلم قول النبي ﷺ: “لا تَحاسَدُوا، ولا تَناجَشُوا، ولا تَباغَضُوا، ولا تَدابَرُوا، ولا يَبِعْ بَعْضُكُمْ علَى بَيْعِ بَعْضٍ، وكُونُوا عِبادَ اللهِ إخْوانًا. المُسْلِمُ أخُو المُسْلِمِ، لا يَظْلِمُهُ، ولا يَخْذُلُهُ”.
وكذلك قوله ﷺ: “المُسْلِمُ أخُو المُسْلِمِ لا يَظْلِمُهُ ولَا يُسْلِمُهُ، ومَن كانَ في حَاجَةِ أخِيهِ كانَ اللَّهُ في حَاجَتِهِ، ومَن فَرَّجَ عن مُسْلِمٍ كُرْبَةً، فَرَّجَ اللَّهُ عنْه كُرْبَةً مِن كُرُبَاتِ يَومِ القِيَامَةِ، ومَن سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ يَومَ القِيَامَةِ”.
فكان لزاماً، وبما أننا أبناء أمة واحدة وإخوة في الدين، أن يَهُبَّ الجميعُ لنصرة بعضنا بعضاً وقت المحن والملمات، وبما أن فلسطين ضمن المنظومة العربية والإسلامية إلا أنهم تركوها للاحتلال يعبث بمقدساتها ومقدراتها وبشعبها ظلماً وعدواناً، خذلوها ولم ينصروها، أسلموها لم يساندوها، منعوها ولم يعطوها، طعنوها ولم يستروها، ولم يعملوا على تَفْرِيج كُرْبَتَها، ضَيَّقُوا عليها، ولم يلبُوا احتياجاتها، حاصروها وجَوَّعُوها، بلا معين لها بعد الله ولا سند، كلهم حاقد ولئيم بل خَصْمٌ ألد، إلا ما رحم ربي ومن ربنا المدد.
إخوة في الدنيا، وخصومٌ أمام رب العالمين
لقد تُرِكَتْ فلسطين تحت الاحتلال، دون أي استعداد لتحريرها أو مواجهة لمحتليها، مع أن أهلها تعرضوا لأبشع جرائم التطهير العرقي، وخاصة غزة في السنوات الأخيرة للإبادة الجماعية، ومع ذلك لم يتحركوا لنصرة أهلها، ولو بكلمة إسناد واحدة تُطَيّبُ خاطرهم، وهم تحت القصف والغدر الصهيوني الذي لم يتوقف وما زال.
رغم أن معظم شعوب العالم تظاهرت إسناداً لقضيتنا، إلا العرب والمسلمين، إلا من رحم الله، ولم يكتفوا بالخذلان، بل قاموا بموالاة ﴿أشدَّ الناسِ عَداوةً للذينَ آمنوا﴾، [المائدة: ٨٢]، ومعاداةِ أهل غزة، طعناً وتجريحاً في جُهْدِهِم وجهادهم، ليكونوا أول الخصوم لأهل غزة يوم القيامة، الذين لم يقوموا بمساندة المحتل فقط، بل مارسوا بالكذب والافتراء بأسخف التهم لأهل غزة ورجالها، بأفعال هم يمارسونها، كما يقول المثل العربي: “رمتني بدائها وانسلّت”.
يلقون بالتهم جزافاً، يسبون، يشمتون، يطعنون، وهم يستظلون بنعال العدو، بل سَخَّرُوا كل إعلامهم لخدمة العدو الإمبريالي وربيبته الصهيونية، اتهموا من بدينهم عُرِفُوا، وعن لؤم الأنذال صُرِفُوا، وبحسن أخلاقهم وطُهْرِهِم ظَهَرُوا، ثم شهداء إلى الله مضوا، وأبناؤهم وعائلاتهم في سبيل الله قَضُوا، من رئيس المكتب السياسي ونائبه، حتى الناطق الإعلامي لكتائب القسام: حذيفة سمير الكحلوت (أبو عبيدة)، الذي استشهد هو وزوجته وأطفاله الثلاثة، وأكثر من ثلاثين شهيداً من أفراد عائلته، ليخرج علينا الأفاكون باتهام أبي عبيدة مثلاً أنه يتحدث من قطر، وهو الذي خرج على الأمة من تحت الركام في غزة، ليقول لهم: “أنتم خصومنا أمام الله تعالى”.
الخذلان وسبب العداوة للمقاومة؟
بداية لا بد أن نكون مؤمنين بقوله تعالى: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بنصر الله﴾ [الروم: 4-5]، وبفضله أننا أمة واحدة، نشأنا على الوفاق والاتحاد والتآلف، فما يُجَمِّعُنا أكثر مما يفرقنا، ولا يخرج من صفنا إلا من آثر غيرنا علينا.
وإن اختلفنا، فالاختلاف في الناس سنة ماضية، قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود: ١١٨- ١١٩].
فمتى يحدث الخلاف المفرق لأبناء الأمة الواحدة، وكيف تنشأ الخصومة؟
وللإجابة على هذه التساؤلات لا بد من بعض المعطيات:
أولاً: أن الطوفان نغّص على دول التخاذل معيشتهم، وأيقظهم من غفلتهم وأوهامهم.
ثانياً: لا بد أن نعلم أن التوافق والوفاق لا يمكن أن ينشأ بين الأفراد والأمم دون محبة وتآلف ومصالح مشتركة، وهذا منشأه ديننا الحنيف، الذي يدعو إلى التوادد والتآلف.
ثالثاً: لا يمكن أن يدوم هذا التوافق إذا تعارضت المصالح، وتقطعت العلاقات بتباعد الأفكار المتصلة بالدين، واختلفت المبادئ والقيم، وتباينت الأخلاق، ولا يكون ذلك إلا بضعف الوازع الديني.
رابعاً: مع ضعف الوازع الديني، ستختلف الرغبات وتتباين الأهداف والمصالح وسينشأ التباغض وتنتفي المحبة ويختفى التآلف، ويحل النزاع، فما عاد من علاقة تربط أهل الملة بعضهم بعضاً.
خامساً: قد تدخل بعض مساوئ الأخلاق كالْكِبْرِ والأَنَا سبباً مباشراً، لقطع العلاقات مع الأشقاء، وهذا أيضاً سببه ضعف الوازع الديني، وطغيان المصالح الدنيوية، والارتباط بالمصالح الخاصة بعيداً عن مصلحة الأمة.
خامساً: تعزيز الانتماء للمنظمات الدولية التي قد تكون معادية للأمة أساساً، فيجعل الخلاف والخصومة حاضراً لا مفر منه.
سادساً: ضعف الوازع الديني جَرَّأَ بعض الدول ورَغَّبَهَا بالتطبيع مع العدو، الذي قَيَّدها فتشابكت المصالح الآنية والدنيوية مع الدولية والإقليمية، بعيداً عن الدين ومصالح الأمة.
سابعاً: تَغَيُّر المفاهيم والمسميات، أدى إلى معاداة كل من يحاول تحرير وطنه وأرضه، مثال على ذلك تحول المقاتل من أجل الحرية والمجاهد في سبيل الله إلى إرهابي تسعى كل الدول إلى محاربته.
من هنا ندرك أن من يحاول اللعب على الحبال لا يلومن إلا نفسه عندما يسقط وتنكسر رقبته، وعندما يتخلى عن قدوته ليقتدي بأعداء أمته، ويخالف مبادئها وقيمها وأخلاق الصالحين من رجالها، لا بد أن ينشأ فيه الخذلان، ليصبح خصماً لأمته.
الْكِبْرَ والأنا أهم ما يربط أهل الخذلان بأئمة الكفر والشيطان
عندما نتمعن ونتدبر في قصة قارون، قد ندرك من هم المتخاذلون، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَىٰ فَبَغَىٰ عَلَيْهِمْ ۖ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ [القصص: ٧٦]..
أولاً: ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَىٰ﴾ أي: من بني إسرائيل. كما أن العرب والمسلمين وأهل غزة أبناء أمة واحدة.
ثانياً: ﴿فَبَغَىٰ عَلَيْهِمْ﴾ أي: خذلهم وخاصمهم ولم يعُد منهم. كما فعل العرب والمسلمون بأهل غزة.
ثالثا: ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ﴾ أي كان غنياً جداً، كحال العرب والمسلمين اليوم، أغنياء جداً جداً.
رابعاً: ﴿الْكُنُوزِ﴾ أي: أموال مخفية، لا تُستخدم في خدمة الأمة.
خامساً: ﴿مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ﴾ أي أنها كثيرة جداً، ولو استخدمت في خدمة الإسلام والمسلمين وبناء قوتهم، ما طمع بها الغرب الكافر.
سادساً: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ﴾، كثرة الأموال التي تُنفق في الفساد والإفساد مدعاة للفرح المذموم، فمعظم هذه الأموال تُستخدم للرفاهية، وبها تُجلَب الغواني لديار المسلمين، بل ويُستجلب بها كل أنواع الفسق والفجور، ليعم الفساد في البلاد على رؤوس الأشهاد.
سابعاً: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾، وفي ذلك إشارة ودلالة على أن كل قول أو عمل أو مال، أنانيته واستكباره وفرحه بعيداً عن طاعة الله، يكون وبالاً على صاحبه، ويستحضر العاصي به مقت الله وغضبه.
وبالتالي كان الْكِبْرَ والأنا السببين المباشرين في هلاك قارون، قال الله تعالى: ﴿وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ﴾ [العنكبوت:٣٩]، فالكِبْر هو الذي جمع قارون الذي خذل قومه مع فرعون وهامان.
كما أنه جمع هؤلاء المستكبرين بالشيطان، الذي هو أول المستكبرين في الأرض، قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٣٤]، كما أن الشيطان أول المتخاذلين، قال الله تعالى: ﴿وكَانَ الشَيْطَانُ للإنسَانِ خَذُولَا﴾ [الفرقان: ٢٩].
والأنا كذلك أهلكت الشيطان، وكل المستكبرين في الأرض، وستهلكهم، قال الله تعالى: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ [الأعراف: ١٢]، كذلك أهلكت قارون كبير المتخاذلين، قال تعالى: ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِي﴾ [لقمان: ٧٨].
فالكبر والأنا والمخالفة والكذب أساس الخذلان والخصومة، قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلَّا أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنفُسَكُم مَّا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُم بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [إبراهيم: ٢٢].
إن المتتبع للقصص القرآني يجد أن المتخاذلين تخلوا عن دينهم وأخلاقهم بتحالفهم مع ﴿أشدَّ الناسِ عداوةً للذينَ آمنوا﴾ [المائدة: ٨٢]، وتركوا أهل ملتهم ودينهم، بعد أن وعدوهم سابقاً من خلال مؤتمراتهم وإعلامهم على النصرة والتأييد، خالفوهم وكذبوهم وتركوهم يتضورون جوعاً في العراء، دون مدد ولا تأييد أو نصرة تحت القصف المتواصل، والقتل والدمار، وشاركوا في حصار غزة، لسنوات طويلة، بِشُحِّ نفوسهم قبل أيديهم..
وبهذا سيكونون خصوماً لأهل الإيمان في كل الأرض، وليس لأهل غزة فحسب أمام الله يوم القيامة، خاصة أبا عبيدة الذي خاطبهم جهاراً وأقام عليهم الحجة، وذكرهم بالنصرة الواجبة، قال الله تعالى: ﴿وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ في الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ﴾ [الأنفال: ٧٢]، فلم يجيبوه!
أولئك الذين في صَفِّ العدو كانوا وما زالوا بقلوبهم الحاقدة على المؤمنين، قبل ألسنتهم الحداد، خاصة على المجاهدين الذين أحيوا في الأمة عقيدة الولاء والبراء وعقيدة الجهاد، قال الله تعالى: ﴿أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ ۖ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَىٰ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ ۖ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُم بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ ۚ أُولَٰئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ ۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [الأحزاب: ١٩].
لقد توعد الله أصحاب الألسنة الحادة بخذلانهم وخصومتهم للمجاهدين لأراجيفهم وأكاذيبهم وافتراءاتهم باللعنات والتقتيل، قال الله تعالى: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا * مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا * سُنَّةَ اللهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب:٦٠ ـ ٦٢].
وإن غداً لناظره قريب..





