
مقتل مستوطن وإصابة آخرين بعملية في غوش عتصيون
نوفمبر 18, 2025
ضعف المسلمين وقوة العدو
نوفمبر 19, 2025مأساة الأسرى الفلسطينيين في سجون الصهاينة
القائد حسن سلامة
فك الله أسره*
أكتب لكم، أو لمن يهمه الأمر، ولمن يهتم ويتألم لآهات المعذبين وآهاتهم، أو أنني أكتب لنفسي عن نفسي، عن حياتي، عن واقع عشت فيه وعايشته، وما زلت حتى وأنا أكتب لكم أعيش فيه، لذلك أجد نفسي لا أرسو على بر: كيف أبدأ، ومن أين أبدأ! لذلك سأترك الكتابة في هذا الموضوع، أو عن هذا العزل لمشاعري كي تقودني وتكتب ما تشعر به، وما يحلو لها، مشاعر تحدثكم عن الحرمان بمفهومه الحقيقي..
عندما يُحرم الأسير من أن يكون إنساناً له حق حتى في سجنه من أشياء قد يكون عليها إجماع عالمي، أو قل: إجماع ديني، أو قل: إنساني، يُحرم من الشمس، من الهواء، من التواصل مع العالم الذي ينتمي له تحت حجج ومبررات أصلها الحقيقي عنصري، ودافعها الكره الأعمى..
إنه الظلم الذي فاق كل حدّ، وتجاوز كل خط، هذا الذي سيكون سبباً أساسياً بإذن الله في زوال هذا الكيان الظالم القائم على الظلم، وهل هناك ظلم أشد من أن يحرم الإنسان من إنسانيته ككيان متكامل خلقه رب العالمين بمشاعر وأحاسيس، ميّزه بعقل يفكر، وقلب ينبض بنبض الحياة؟!
كثيراً ما أفكر، وأقول: هل يستطيع أن يتفوق الإنسان بشره وإجرامه على الشيطان صاحب الاختصاص؟! فإذا بهؤلاء القوم يتفننون بكل شيء لا أخلاقي لا إنساني، بل يبدعون في مجال الشر والخبث، وابتكاراتهم لا تتوقف في هذا المجال والعالم خير شاهد، وبصمتهم في هذا المجال معروفة وموجودة في كل أنحاء العالم.وما على المتشكك إلا أن يدقق في أغلب المصائب التي تعرض لها هذا الكون، وكانت من صنع البشر، وسيجد بصمتهم واضحة وضوح الشمس، أو فلينظر إلى فلسطين وشعبها، وما حلّ به حتى هذه اللحظة، فهو الشاهد الحق، والمثل القديم الجديد، والجرح النازف الذي سيكون داء الكي لقطع دابر هؤلاء القوم، والقضاء على شرهم وتخليص أرضنا وشعبنا من احتلالهم بإذن الله.
الشمس، القمر، النجوم، السماء، الأرض، الهواء النقي الطبيعي، الليل والنهار، كل هذه الأمور التي خلقها الله لكي نستمتع بها، لا فرق في ذلك بين غني وفقير، مسلم أو مسيحي أو يهودي، أشياء سخرها خالق هذا الكون لكي تقوم بوظائفها التي خُلقت من أجلها، يستطيع كل مخلوق على هذه البسيطة الاستمتاع بها في أي وقت، دون أن يدفع مقابل ذلك..
الشمس التي تشرق فيشرق بنورها الكون مُعلنة افتتاح اليوم فتدب الحياة، ويبدأ النشاط، وتباشر الخلائق أعمالها، وهي تلهج بالحمد، هذه الشمس وأشعتها التي تبثها في هذا الكون متلألئة، وكأنها انعكاسات الضوء المنبعثة من حبات الماس، بكل هذه الروعة والجمال التي لا يستطيع جسد الإنسان وخلاياه الاستغناء عنها، أما جمالها عند الغروب، ذلك المنظر الجميل الرائع! إذا نظرت له من على شاطئ البحر أدهشك ذلك الجمال، وللحظة ظننت أن البحر قد ابتلعها عندما تختفي داخله، ويسود الظلام، وتبدأ النجوم تزيين جمال هذه المناظر: الأرض الرملية أو الطينية الطاهرة ذات العبق الجميل الممزوج بعرق الفلاحين والمزارعين، الهواء العليل بروائح الزهور.
كل هذا الكون بكل ما فيه من جمال وهبة من الله لنا لكي نستمتع به ونتذوقه.. يُحرم المعزولون في زنازين العزل من كل هذا الجمال، من كل هذه الحقوق، من كل هذه الهبات الربانية، بفعل سياسة العزل القائمة على حرمان السجين المعزول من حقه بالاستمتاع بجمال الكون الذي خلقه الله للجميع، السجناء يعيشون داخل السجون التي قد تكون وسط المدينة أو قريبة من العمران ومن الناس، يفصلهم عن حياة الناس وحركتهم جدران وأسلاك وأبراج عالية.
أما نحن المعزولين فنعيش في سجون صغيرة جداً مُغلقة داخل هذه السجون نفسها في زاوية من زواياه، جرى انتقاؤها واختيارها من قبل خبراء متخصصين في تعذيب البشر، تقام على هذه المناطق المنزوية أقسام العزل الانفرادي بحيث تكون بعيدة عن السجناء، فإن كان يفصلهم عن العالم جدار فنحن تفصلنا جدران عديدة، وأسلاك عديدة، ومسافات، لا تعرف أين أنت كائن! ولا تستطيع تحديد موقع لك سوى عنوان السجن الكبير. فأنا الآن، وأنا أكتب موجود في عزل أيالون، عنواني: سجن أيالون- العزل الانفرادي؛ وسجن أيالون المعروف أنه في مدينة الرملة، لكن أين هو في هذا السجن! لا أحد يعرف! فقط في العزل الانفرادي التابع للسجن..
كل شيء في حياتنا غير طبيعي: المكان، التعامل، القوانين والظروف، الأكل، وحتى ما تحدثنا عنه من الكون وجماله وما فيه من أشياء كالشمس لكن شمسنا تختلف، قمرنا يختلف، الهواء الذي يصلنا هواء مختلف، يُمرض أبداً ولا يُنعش، هي المسميات نفسها لكن أبعد ما تكون عن أن تكون بالمضمون نفسه، لذلك هي عندنا أبعد ما تكون من أن نستطيع الاستمتاع بها، والاستفادة منها، صدقوني! إنه الحرمان الذي يمتد ليصل إلى كل شيء، ويبقى الشوق والحنين لهذه الأشياء.
نُحرم من أبسط حقوقنا في الحياة، إنسانيتنا في التواصل مع محيطنا الإنساني أو مع أي شيء قد يمت للإنسانية بأي علاقة، حتى نحن المعزولون داخل زنازين العزل نُحرم من أن نرى بعضنا، أو أن يسلّم أحدنا على الآخر، نكون بجانب بعض، كل في زنزانته أو داخل قبره، نشترك بجدار واحد. ومرات نستطيع التحدث، ونتناقش ونتحاور، ويتعرف كل منا على الآخر، لكن لا نرى بعضنا، وهذا من الأشياء المُبكية المضحكة! فأنت قد تتحدث مع جارك في الزنزانة، وقد تصبحون أصدقاء، لكن لا يرى أحدنا الآخر، وقد يحدث خطأ مثلاً من قبل السجان، بأن تخرج للعيادة أو المحامي أو لأي أمر آخر، فيراك من يحدثك، وإذا به يسألك وبشكل سريع: من الأخ؟! اسمك لو سمحت؟ وتُفاجأ بأن الذي يسأل ويُجيب هما الجاران في الزنزانة اللذان يتحدثان وأصبحا أصدقاء!
ومن أجمل ما حدث معي أنني كنت في عزل عسقلان في سنة 2009، وجاء إلى العزل الرفيق أحمد سعدات (أبو غسان) الأمين العام للجبهة الشعبية، وكنا نتحدث، وكان لا يراني، ولا أراه، وكل منا سمع بالآخر، وتحدثنا كثيراً، وبعد مدة نقلوه إلى عزل رامون، وبعده بمدة نقلوني إلى العزل نفسه، وكان القرار أن أكون معه في الزنزانة نفسها، وهذا نوع آخر من أنواع العزل، المهم وصلت الزنزانة، وفتحوها، ودخلت عنده، وكان على بابها، وسلمت عليه، وعانقته، لأنني أعرفه عبر صوره التي كانت تنزل بالتلفزيون، ولأنهم أخبروني أنني ذاهب عند أحمد سعدات، وعندما سلمت عليه شعرت بأنه لا يعرفني، ولكنه خجلاً لم يسألني! خصوصاً أنني كنت أسلم عليه بطريقة الصديق الحميم، وبعدما أدخلت ملابسي، فإذا به يسألني: عذراً، من الأخ؟! وبكل الاستغراب قلت له: أنا حسن سلامة، فإذا به يعيد التسليم من جديد معتذراً أنه لم يعرفني على الرغم من أننا تحدثنا كثيراً. وهذه قصة من قصص العزل ونوادره، وهذه قصة من قصص كثيرة، وذلك يعود للقوانين المفروضة علينا في أقسام العزل وأيضاً لقسم العزل نفسه المبني بطريقة كل ما فيها ضد الإنسان، سواء الزنزانة أم بابها أم الدخول والخروج للقسم..
ولا تستغربوا أننا في أحاديثنا مع بعضنا في زنازين العزل على حسب المسموح إن تذكرنا نبدأ نعطي لبعضنا وصفاً لأجسامنا طويل، قصير، رفيع، أبيض، أسمر، الشعر، وهكذا، ولكن هناك حتى الأحاديث ممنوعة، ففي بعض أقسام العزل يمنع الحديث، ومن يتحدث مع جاره يعاقب، وكثيراً ما عوقبنا لأننا نتحدث، نوضع في أقسام عزل أغلبها أسرى جنائيون ويكونون بجانبنا، ونُمنع في الوقت نفسه من الحديث معهم أو مع غيرهم، وإن كان مسموحاً فقد لا تستطيع سماع جارك بسبب عدم وجود هدوء نهائياً في هذه الأقسام.
أبداً لا ترى أي شيء خارج القسم الذي تعيش فيه، وإن أمكن رؤية شيء فهو عبر مربعات صغيرة، سواء من فتحة صغيرة في الباب مغلقة تماماً، أم عبر شبك مربع مسقوف به المكان الذي تخرج إليه ساعة في اليوم، كما يقولون لشم الهواء، وأنا أقول لزيادة المعاناة، والألم لدى المعزول.
أشتاق لرؤية السماء
أكتب هذه الكلمات، أو أتحدث عن تجربتي في العزل، وما زلت في كتابة المقدمة وأنا شديد الشوق لأن أرى السماء دون حاجب أو حاجز، أو أستمتع بأشعة الشمس أو أن أرى النجوم أو القمر، أو حتى يصلني الهواء بسيرانه الطبيعي دون أن يصطدم بجدران وأسلاك، ويعبر مساحات حتى يصل إلى باب زنزانة أحدنا، فلا يجد له مكاناً ليدخل إلا من أسفل باب الزنزانة، أو من فتحة صغيرة مُغلقة دائماً ينتظر الهواء أن تفتح على يد الشرطي، لكي ينظر كل فترة داخل الزنزانة نظرة أمنية يطمئن على سلامة الزنزانة من تخريب أو تكسير قد نُحدثه فيها، أو ليكون أول من يزف الخبر للمسؤولين عنده بأن الأسير الأمني الذي اسمه كذا في زنزانة رقم كذا وجدته معلقاً في وسط الزنزانة شائقاً نفسه.
وقد تستغربون إن قلت لكم: توجد أقسام عزل مُغلقة تماماً كصندوق مُغلق نكون بداخلها كعلبة السردين، زنازين بجانب بعض، لا يوجد بها شباك، ولا تدخلها الشمس، وإن كان فيها فتحة صغيرة للحمام لا تعرف داخلها الشتاء من الصيف، وهي سبب رئيسي لأمراض كثير من المعزولين.
نُحرم في العزل حتى من حرية أعضاء جسدنا داخل هذه القبور الصغيرة، التي لا تُفتح إلا بعد تقييد اليدين من الخلف من فتحة خاصة بالباب لا تُفتح إلا لذلك، أو لتدخيل الأكل، وتُقيّد أقدامنا من فتحة أخرى خاصة أيضاً موجودة أسفل باب القبر، وبعد الاطمئنان أنك مُقيّد يُفتح باب الزنزانة، وحولك يكون ضابط وعدة شرطة وكلهم متأهبون للانقضاض عليك إن صدرت منك حركة، وكثيراً ما حدثت هذه الأمور بفتح غاز على سجين مُقيّد توقع الشرطي أنه أراد أن يعتدي عليه، يعتدي عليه وهو مقيّد من الخلف!
أُحرم من النوم بشكل طبيعي أو أي وقت أريده وإن حدث ونمت تنام كما قال الشاعر:
ينام بإحدى مقلتيه ويتقي ** بأخرى المنايا فهو يقظان نائم
أسباب عدم النوم
2- أنك في قسم لا يوجد به نظام، حولك أسرى جنائيون مُدمنون على كل أنواع المخدرات، وهؤلاء طوال الوقت يطرقون على الأبواب، ويكسرون في زنازينهم ويتقاذفون المسبات والشتائم التي لا أظن أنها مألوفة عند أحد، أو يرغب أحد في سماعها. وكثيراً ما ينالنا من السب جانب تحت أسباب وذرائع عنصرية، وإن صدر منا احتجاج فبكل بساطة يقولون: هؤلاء مجانين، وباسم أنهم مجانين فمسموح لهم أن يسبونا، ويشتمونا بكل أنواع الشتائم، ويسبون أهلنا وأمهاتنا وأخواتنا ويشتمون ديننا، ولا يتركون لنا أي فرصة هدوء لنصلي.
2- إجراء العدد والإحصاء اليومي، الذي في أقسام العزل ليس له موعد مُحدد، قائم على المزاجية، وخصوصاً عدد الصباح والمساء، ويجب ألا تكون في الحمام، وإن كنت نائماً يجب أن تستيقظ لكي تقف للعدد حتى إنك لا تستطيع تنظيم حياتك أو نومك، لأنه عندنا في العزل لا يوجد نظام، الأمر قائم على المزاجية للضابط أو المسؤول. والعدد على حسب الضابط يكون بشكل استفزازي سواء من يطرق على الباب أم من يفتح “الطاقة” (شباك صغير) بصورة قوية مُزعجة، أم بصوت فيه نوع من العنف.
3- التفتيشات المتكررة والمستمرة التي ليس لها موعد، سواء نهاراً أم ليلاً، وقد تكون كل يوم أو شبه يومي أو أسبوعية، وغالباً ما تكون مُباغتة، تجدهم فجأة داخل الزنزانة، وقد فتحوها دون أن تشعر، واقتحموها، وهجموا عليك لكي يمنعوك من الحركة؛ ويقيّدونك فوراً، ويكونون جاهزين بلبس القمع خوذات، وعصي كهربائية، وعلب غاز مُدمع، وأمور كثيرة تُستخدم لقمع السجين، وإرهابه وتخويفه، ويستمر التفتيش ساعات، تبقى طوال وقت التفتيش مُقيّد اليدين من الخلف واقفاً رغماً عنك، وكأنهم لا يُطبقون القانون إلا في ما يؤذي السجين، فعلى حسب قانونهم يجب أن يكون التفتيش أمام السجين الذي لا يستطيع رؤية شيء، لأن من يقوم بالتفتيش يتجاوز مرات الخمسة من أفراد شرطة في زنزانة صغيرة.
4- فحص الزنزانة الصباحي، ويجري تقييدك، والدخول للزنزانة وتفقدها مساءً أيضاً مرتين في اليوم بشكل دائم، ولكن أكثر الأشياء مُزعجة هي فتحة الطاقة الموجودة في الباب، وهي فتحة مُربعة 15 سم2 مُغلقة بشكل دائم في أقسام، وفي أقسام مفتوحة لكنها مغلقة، وهي فعلاً نوع من أنواع التعذيب، لأنه إن كانت مفتوحة يغلقونها كل ربع ساعة أو أقل، إن جاء سجين أو إن خرج سجين، أو أي أمر في القسم لا يجري تنفيذه بسرعة، حيث يقوم الشرطي بإغلاق هذه الطاقات الحديدية بإحكام واستفزاز بعد خروج السجين أو دخوله، خمس دقائق أكثر أقل يعود يفتحها بالأسلوب نفسه. وهكذا ما بين الفتح والإغلاق وفتحها وإغلاقها يصدر صوت مُزعج جداً في كل زوايا القسم، وفي الأقسام التي تكون هذه الطاقة مغلقة تشترك مع الأقسام الأخرى في الإزعاج الليلي الذي يبدأ بعد انتهاء العدد المسائي تقريباً بعد الثامنة ليلاً، حيث يبدأ الشرطي كل ربع ساعة بتفقد الزنازين بفتح هذه الطاقة، والنظر إلى الزنزانة وتفقدها وتفقد الأسير وإغلاقها، وهكذا يستمر الأمر طوال الليل ما بين فتح وإغلاق بصوت مُزعج جداً. وقد تكون هذه الطاقة من أكثر الأشياء المُزعجة لنا طول اليوم، خصوصاً ليلاً، ولا يوجد أمامك حل سوى أن تنسجم مع صوتها، وتتعامل معه كلحن أو مقطوعة أو صوت مغن، ويجب أن تقنع نفسك حتى يقتنع دماغك بذلك فيسمح لك بالنوم.
أضف إلى ذلك الحر الشديد أو البرد الشديد أو الحشرات، وخصوصاً كل أنواع البعوض التي تكون سعيدة، وهي تغير على أجسامنا، وتستمتع بلدغنا وامتصاص دمائنا، وما أكثر المعارك الليلية التي خضناها مع هذه الحشرات نلاحقها حتى نتعب، وما تغلبنا عليها، فنعود للنوم، وتعود هي للدغ والقرص.
قصتنا مع الحرمان في هذا العزل هي فعلاً العزل نفسه، ومن خلال شرحنا وتفصيلنا عن كل شيء في العزل سيكون الحرمان الشيء الأساسي والأمر الرئيسي الذي يُفرض على السجين المعزول، هذا السجين الذي ليس له حول ولا قوة، يوضع في أقسام العزل مجرداً من أهم سلاح خارجي كان يتسلح به: محيطه، وأصدقاؤه، وإخوانه الذين كان يشعر معهم بالأنس والقوة والمؤازرة، بمن يسأل عنه، ويدافع عنه، ويحدثهم، ويتحدثون إليه، يجرّدونه من هذا السلاح، ويوضع وحيداً في زنازين العزل بما يملك من أسلحة نفسية تساعده على الصمود، بقدر قوة هذه الأسلحة كالإرادة، وقوة الشخصية، والشكيمة، والجرأة، وقوة الإيمان، وبما يملكه من مخزون ثقافي ومفاهيم ومبادئ وأمور أخرى نفسية تساعده جداً في معركة فُرضت عليه فرضاً، وتم جلبه إليها قسراً.
وللصدق أقول: إن الأمر ليس سهلاً، وليس بسيطاً، لأن هؤلاء الشياطين يملكون الإمكانيات الكبيرة التي يُسخرونها من أجل تحطيم نفسية هذا السجين وهذا المعزول، قد يكون هناك أسرى مستهدفون لأسمائهم أو لأفعالهم أو لمكانتهم القيادية أو لمدى خطورتهم، لكن الاستهداف هو استهداف عام لكل أسير، ولكل سجين، يستطيعون النيل منه أو تحطيمه بصورة عنصرية قائمة على أنهم ينظرون إلينا جميعاً، إلى كل أبناء شعبنا، أن وجودنا مجرد وجودنا في هذه الحياة يُشكل خطراً عليهم، وعلى مشروعهم الاحتلالي، لذلك هم لا يستثنون أحداً حتى من سقط في منتصف الطريق، وخارت قواه، أو رفع الراية؛ هم لا يتركونه أبداً، بل يُجهزون عليه حتى الرمق الأخير، وهذا يعود لطبيعة هؤلاء الناس، وكيف يفكرون، ولقد كشفهم رب العزة في كتابه العزيز، ومن يقرأ القرآن ويتدبر آياته يقف على حقيقة هؤلاء القوم، ويعرف كم هو الشر والحقد المجبولة بها شخصيتهم.
ــــــــــــــــــــــــ
* من مذكرات حسن سلامة: خمسة آلاف يوم في عالم البرزخ، ط1، مركز الزيتونة –بيروت، 2022م، ص16-22.




