
الاحتلال يقصف غزة وخان يونس رغم اتفاق وقف النار
أكتوبر 9, 2025
حشود من النازحين تبدأ العودة غزة
أكتوبر 10, 2025ثابو نكوبا
جوهانسبرج- جنوب أفريقيا
وُلدت عام 1992 في حيّ فقير يغلب عليه الطابع المختلط: بعض السكان مسيحيون، وبعضهم يتبعون معتقدات تقليدية إفريقية قائمة على تقديس الأرواح والجدود، والبعض لا يؤمنون بشيء على الإطلاق. كنتُ أنتمي إلى الفئة الأخيرة تقريبًا، إذ لم أكن أجد معنى حقيقيًا لما يقال لنا في الكنيسة من وعود غامضة، ولا لما يردّده كبار السن عن الأرواح واللعنات.
نشأت في بيت بسيط، أبي كان يعمل سائق حافلة صغيرة لنقل الركاب، وأمي تبيع الخضار والفواكه في السوق الشعبي. لم يكن دخلنا كافيًا، فكنت أساعد أمي أحيانًا في حمل الصناديق، وأرافق أبي في بعض الرحلات. في المدرسة، كنت أحب كرة القدم والقراءة أكثر من أي شيء آخر. لكن داخلي كان يمتلئ بالأسئلة منذ صغري:
• لماذا يولد بعضنا في القصور، وآخرون في العشوائيات؟
• لماذا يموت الأطفال صغارًا بينما يعيش القساة أعمارًا طويلة؟
• ماذا بعد الموت؟ هل هناك شيء حقيقي ينتظرنا؟
لم أجد إجابة مقنعة من أحد، فتركت الأمر جانبًا لسنوات.
عندما بلغت العشرين، التحقت بالجامعة لدراسة الإعلام. كنت أطمح أن أصبح صحفيًا أو مذيعًا يومًا ما. هناك، انفتحت على عوالم جديدة: زملاء من خلفيات متعددة، نقاشات طويلة حول السياسة والهُوية والدين. لكن أكثر ما كان يثيرني هو النقاش عن المعنى. بعض زملائي كانوا مسلمين من أصول هندية، لكني لم أقترب منهم كثيرًا في البداية، كنت أظن أن الإسلام دين معقد مليء بالطقوس الغريبة.
مع مرور الوقت، تعرضت لصدمات شخصية. والدي توفي فجأة بأزمة قلبية وأنا في سنتي الثانية بالجامعة. شعرت أن الأرض اهتزت تحت قدمي، لم أكن مستعدًا لفقده. كنت أسأل القس في كنيستنا: “أين ذهب أبي الآن؟ هل هو بخير؟” فيجيبني بجمل عامة: “إنه في حضن المسيح”. لكني لم أشعر باليقين.
بدأت أبحث على الإنترنت عن معنى الموت، وعن فلسفة الحياة. قرأت عن البوذية والهندوسية والمسيحية، لكني لم أجد ما يُسكّن قلبي.
في إحدى الليالي كنت أتصفح هاتفي على “فيسبوك”، وإذا بي أرى منشورًا لافتًا مكتوب فيه: “هل تريد أن تتعرف على الإسلام؟ هل تبحث عن الحقيقة؟ نحن هنا لنحاورك بكل احترام.. مشروع بصيرة الدعوي”.
توقفت عنده. لم يكن إعلانًا عاديًا، بل صورة بسيطة مكتوب عليها: “الحياة قصيرة.. ابحث عن طريقك قبل فوات الأوان”.
ترددت قليلاً.. ثم قلت في نفسي: “لن أخسر شيئًا.” وضغطت على الرابط بدافع الفضول،
فتحت نافذة المحادثة، وكتبت بخجل:
“مرحبًا، أنا ثابو من جنوب أفريقيا. لست مسلمًا.. لكني أبحث عن إجابات. هل يمكن أن تساعدني؟”
لم يمر سوى ثوانٍ حتى جاءني الرد من شخص يعرّف نفسه بأنه داعية في مشروع بصيرة:
“مرحبًا بك يا ثابو ، يسعدني أن أسمعك. أخبرني، ما الذي يشغل قلبك أكثر؟”
أجبته بصدق: “أريد أن أعرف من هو الله حقًا.. ولماذا نعيش ثم نموت؟”
ابتسم في كلماته وقال: “أسئلتك صادقة جدًا، وهي بداية الطريق.. في الإسلام، نؤمن أن الله واحد، خالق الكون، ليس كمثله شيء، لا يحتاج إلى شريك ولا ابن. خلقنا ليكرمنا ويشرفنا بعبادته، وليبتلينا أيضاً: أيُنا أحسن عملًا”.
شعرت أن الكلام بسيط، لكن عميق. لم يكن معقدًا مثل فلسفات قرأتها.
استمر الحوار بيننا أكثر من ساعة. سألته:
• “لماذا يقول المسلمون إن محمدًا آخر الأنبياء؟”
• “لماذا نولد فقراء وأغنياء، وهل الفقر يُعد عقاباً؟!”
• “ماذا يحدث بعد الموت؟”
كان يجيبني بهدوء، ويرسل لي آيات مترجمة للإنجليزية:
﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ۗ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً ۖ وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾[ الأنبياء: 35]
حين قرأتها، أحسست أنها تخاطبني أنا شخصيًا.
سألته في النهاية: “كيف أصبح مسلماً؟ هل يجب أن أتعلم كل شيء قبل أن أصبح مسلماً؟”
فقال: “الإسلام ليس امتحانًا معقدًا، بل بداية طريق. الخطوة الأولى أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله. بعدها تبدأ بالتعلّم خطوة خطوة”.
سكتُّ لحظة.. ثم قلت: “أريد أن أنطقها الآن. هذه الليلة”.
فرح الداعية، وكتب لي: “ردد معي بصدق: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله، وأن عيسى عبد الله ورسوله”.
نطقتها ببطء، بدموع حقيقية، كأني وُلدت من جديد. أحسست أن حملاً ثقيلاً أُزيح عن صدري.
كانت تلك الليلة نقطة التحول الكبرى في حياتي.
بعد إسلامي مباشرة، أرسل لي الداعية روابط لتعلّم الوضوء والصلاة، ونسخة مترجمة من القرآن. بدأت بخطوات بسيطة: أتوضأ، أصلي ركعتين، أقرأ صفحة من الترجمة. لم أكن أفهم كل شيء، لكن قلبي كان مطمئنًا. وأضافني لمجموعة تعليمية بها مهتدون جدد ضمن قسم التعليم المجاني لمشروع بصيرة.
في اليوم التالي، شعرت أن وجهي مختلف. أمي سألتني: “ماذا جرى لك؟ تبدو مرتاحًا”. لم أجبها مباشرة، فقط ابتسمت.
مع مرور الأيام، لاحظ أصدقائي أنني لم أعد أخرج للحفلات الليلية، ولا أستخدم الألفاظ البذيئة كما في السابق. كانوا يستهزئون أحيانًا: “هل أصبحت مسلماً؟” لكني لم أغضب، فقط كنت أقول: “وجدت ما كنت أبحث عنه”.
كنت أستيقظ فجراً لأصلي. أسمع صوت الأذان من مسجد بعيد، فأشعر أنه يناديني أنا شخصيًا.
بدأت أحكي لزميل مقرب لي في الجامعة عن إسلامي. في البداية تعجب، ثم صار يسألني أسئلة. فأرسلت له رابط مشروع بصيرة كما فعل معي الداعية. بعد أسابيع، أخبرني أنه بدأ يحاورهم بدوره.
أكثر اللحظات تأثيرًا في حياتي بعد الإسلام كانت عندما قرأت لأول مرة سورة “الضحى”. بكيت طويلًا عند قوله تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالاً فَهَدَى﴾، شعرتُ أنها كُتبت عني أنا ثابو: الشاب الضائع الذي وجد طريقه أخيرًا.
اليوم، وبعد سنوات من تلك الليلة، ما زلت أتعلم وأصلّي وأقرأ القرآن. لم أصبح عالمًا ولا شيخًا، لكنني أصبحت إنسانًا يعرف وجهته.
أمي بدأت تلحظ التغيير في أخلاقي وصدقي معها، فصارت تسألني عن الإسلام، وأعطيتها رابط مشروع بصيرة. أسأل الله لها الهداية والثبات والقبول.
وأختم قصتي بهذه الكلمات:
في ليلة واحدة، عبر رسالة قصيرة على الإنترنت، تغيّر مصير حياتي. كنت غارقًا في أسئلة لا تنتهي، حتى وجدت يدًا تمتد لي من مشروع بصيرة، تقول: “نحن هنا لنستمع لك”. فاستمعت، وتعلمت، واهتديت. فجزاهم الله عني خير الجزاء.
والحمد لله الذي هداني للإسلام، وأسأله الثبات حتى ألقاه.





