
من مقال: تدخل الجيوش العربية في 1948 كان بهدف تثبيت إنشاء إسرائيل
يوليو 14, 2026بقلم: ستيفن رنيسمان .. المؤرخ الإنجليزي الشهير
في يوم الجمعة، ٢٦ يونيه سنة ١١٨٧، استعرض صلاح الدين عساكره في عشترا بحوران، فتولى بنفسه قيادة قلب الجيش، وجعل ابن أخيه تقي الدين على المجنبة اليمنى، بينما كان كوكبوري على المجنبة اليسرى. وخرج الجيش في تعبئة القتال إلى خسفين، ومنها توجه إلى الطرف الجنوبي لبحر الجليل، وظل صلاح الدين منتظراً بهذا الموضع مدة خمسة أيام، بينما قامت كشافته بجمع كل ما يتعلق بالقوات المسيحية من أخبار.
وفي أول يوليه سنة ١١٨٧، اجتاز صلاح الدين نهر الأردن عند سن النبرة، وفي اليوم الثاني من شهر يوليه عسكر بنصف جيشه في كفر سبت، في التلال الواقعة على مسافة خمسة أميال، إلى الغرب من بحيرة طبرية، بينما هاجمت قواته الأخرى طبرية ذاتها، فسقطت المدينة في أيديهم بعد ساعة اشتبك فيها الفريقان في القتال، وكان ريموند وأبناء زوجته مع جيش الملك، غير أن زوجته الكونتيسة ايشيفا (صاحبة طبرية) ظلت مع الحامية قليلة العدد بالقلعة (طبرية) تقاوم الهجوم، بعد أن أنفذت رسولاً إلى زوجها ريموند تخطره بما حدث.
ولما وردت الأنباء بأن صلاح الدين اجتاز نهر الأردن، عقد الملك جاي مجلساً مع باروناته في عكا، وكان الكونت ريموند أول من تحدث في الاجتماع، فأشار إلى أن الجيش الذي يهاجم في حرارة الصيف اللافحة، لن تكون الأحوال في صالحه. فينبغي أن تقوم خطتهم الحربية على التزام الدفاع المطلق. فإذا لم يتعرض الجيش المسيحي للهزيمة، فلن يكون بوسع صلاح الدين أن يبقي على قواته الضخمة فترة طويلة في هذه البلاد الجافة، اللافحة الحرارة، وسوف ينسحب بعد فترة وجيزة. وفي الوقت نفسه يصل الإمداد من أنطاكية، وكان معظم الفرسان يميلون إلى اتباع هذه النصيحة، غير أن كلاً من رينالد شاتيون ومقدم الداوية جيرار اتهم ريموند بالجبن، وأنه باع نفسه إلى المسلمين. والمعروف أن الملك جاي كان يعتقد فيما يقوله جيرار، ولذا أصدر الأوامر إلى الجيش بأن يتحرك نحو طبرية.
وعسكر المسيحيون، بعد ظهر يوم ٢ يوليه سنة ١١٨٧ في صفورية. والواقع أن صفورية تعتبر من أحسن المواضع الملائمة لأن يقوم بها معسكر، لما توافر بها من الماء والمراعي لخيولهم. ولو أنهم بقوا بهذا الموضع، مثلما أقاموا بعين جالوت، منذ أربع سنوات، لما خاطر صلاح الدين مطلقاً بمهاجمتهم؛ إذ كان جيشهم يضارع في الضخامة جيش صلاح الدين، بل امتازوا بما اتخذوه من موضع ملائم لمعسكرهم.
على أنه قدم في ذلك المساء رسول من قبل كونتيسة طرابلس؛ فعقد جاي للمرة الثانية مجلساً في خيمته، واشتد تأثر الفرسان لما أدركوه من استماتة هذه السيدة الباسلة في الدفاع عن قلعتها عند بحيرة طبرية، وتوسل أبناؤها وقد اغرورقت عيونهم بالدموع بأنه لا بد من إنقاذ أمهم، وأعقبهم فرسان آخرون يؤيدون ملتمسهم، ثم نهض ريموند فكرر الخطبة التي سبق أن ألقاها في عكا، إنما أكدها في يأس وقنوط. إذ أظهر وجه الحماقة في التخلي عن هذا الموقع الحالي القوي، والمخاطرة بالسير على جانب التل الأجرد في قيظ شهر يوليه، ثم قال إن طبرية مدينته وإن زوجته هي التي تتولى الدفاع عنها، غير أنه يؤثر أن تضيع طبرية بكل ما تحويه، على أن تضيع المملكة، وحملت كلماته في ثناياها الإقناع، وانفض المجلس في منتصف الليل بعد أن تقرر البقاء في صفورية.
ولما انصرف البارونات إلى مواطنهم انسحب مقدم الداوية فرجع إلى خيمة الملك فقال: “سيدي، هل أنت مقدم على أن تثق في خائن؟” فمن العار أن تترك للضياع مدينة لا تبعد عن المعسكر سوى ستة فراسخ. وأعلن جيرار أن الداوية يؤثرون أن يكونوا أكثر مبادرة إلى التخلي عن طائفتهم، على أن يغفلوا الفرصة التي تهيأت لهم للانتقام من المسلمين.
أما جاي الذي كان صادقاً قبل فترة وجيزة في اقتناعه بحديث ريموند، فإنه أظهر التردد وهيأ الفرصة لجيرار للإمعان في تحريضه، فأرسل المنادين يطوفون بالخيام ويعلنون أن الجيش سوف يتحرك عند طلوع الفجر إلى طبرية. والمعروف أن خير طريق يؤدي من صفورية إلى طبرية يتجه قليلاً نحو الشمال والشرق، عبر تلال الجليل، ثم يهبط إلى بحيرة طبرية، على مسافة ميل شمالي المدينة (طبرية)، أما الطريق الآخر، فإنه يسير إلى الجسر المقام عند سن النبرة (الصنبرة)، حيث يتفرع منه طريق يتجه صوب الشمال في محاذاة البحيرة. ويقع معسكر صلاح الدين بكفر سبت، على الجانب الآخر من طريق سن النبرة، الذي سلكه صلاح الدين بعد عبور النهر.
والراجح أن الخونة تسللوا من المعسكر المسيحي، وتوجهوا إلى صلاح الدين، فأخطروه أن الملك جاي أخذ يتحرك من صفورية، على امتداد الطريق الشمالي، وعندئذ قاد صلاح الدين جيشه نحو خمسة أميال عبر التلال، حتى بلغ حطين، حيث أخذ الطريق يهبط نحو البحيرة. وكانت حطين قرية، غزرت بها المراعي، وتوافرت فيها المياه، ولحق بصلاح الدين معظم العساكر من طبرية، فلم يبقَ بها من العسكر إلا من دعت الحاجة إليهم لحصار القلعة.
واشتدت الحرارة، وركد الهواء في صبيحة يوم الجمعة ٣ يوليه سنة ١١٨٧، حينما غادر الجيش المسيحي الحدائق الخضراء بصفورية، وشق طريقه فوق التلال الجرداء. ولما لريموند كونت طرابلس من حق وفقاً للعرف الإقطاعي باعتباره سيد إقطاع طبرية، تولى قيادة مقدمة الجيش المسيحي بينما كان الملك جاي يقود قلب الجيش، أما رينالد شاتيون ومن معه من الفرسان الرهبان، وباليان ابلين، فكان موكولاً لهم مؤخرة الجيش.
لم يتوافر الماء على امتداد الطريق، فلم يلبث الرجال والخيول أن اشتدت معاناتها للظمأ، وترتب على شدة عنائها وعذابها، أن أبطأت الخطى في سيرها.
ودأب رماة المسلمين على مهاجمة مقدمة الجيش المسيحي ومؤخرته معاً، وأمطروا قلب الجيش بالسهام، وأسرعوا إلى الابتعاد، قبل أن يبادر الفرنج إلى رد الهجوم.
ووصل الفرنج بعد الظهر إلى الهضبة التي تشرف على حطين مباشرة، وكان يقع أمامهم تل صخري، تعلوه قمتان على ارتفاع نحو مائة قدم، ومن خلفه هبطت الأرض في انحدار شديد إلى القرية، وإلى البحيرة. واشتهر هذا الموضع باسم قرون (قرني) حطين. وأرسل الداوية إلى الملك جاي، يخطرونه بأنهم سوف لا يمضون في سيرهم في ذلك اليوم إلى أبعد من ذلك، غير أن بعض البارونات التمسوا من الملك أن يصدر الأمر إلى الجيش بأن يسرع السير، وأن يشق طريقه إلى البحيرة. على أن الملك جاي، قرر التوقف تلك الليلة، بعد أن اشتد تأثره لما حلّ برجاله من التعب والإرهاق.
ولم يكد ريموند يعلم بهذه الأنباء حتى ركب من المقدمة، وأخذ يصيح: “يا لله، انتهت الحرب، لقد هلكنا، وزالت المملكة”. وبناء على نصيحة ريموند، أقام جاي معسكره خلف لوبية مباشرة، تجاه منحدر قرون حطين، حيث تقع بئر، والتفّ كل الجيش حول ريموند، غير أن اختيار الموضع كان سيئاً، نظراً لجفاف البئر. أما صلاح الدين الذي عسكر بجنده في الوادي المعشب من تحتهم، فإنه لم يستطع أن يكتم فرحه وسروره، إذ حانت له آخر الأمر الفرصة التي ينشدها.
أمضى المسيحيون ليلتهم في بؤس، يستمعون إلى ما تردد في خيام المسلمين من تحتهم، من الأدعية والأناشيد. وانطلق من المعسكر المسيحي جماعة من العساكر لالتماس الماء، غير أن محاولتهم ضاعت هباء، بل إنهم لقوا مصرعهم على أيدي المسلمين. وكيما يزيد المسلمون في عناء المسيحيين ومتاعبهم، أشعلوا النار في الأعشاب والشجيرات الجافة التي تغطي التل، فغشى المعسكر المسيحي الدخان الساخن.
وفي جنح الظلام، حرّك صلاح الدين رجاله، فما كاد يبزغ فجر يوم السبت ٤ يوليه سنة ١١٨٧، حتى تم تطويق جيش الملك جاي. ويقول أحد المؤرخين: إنه ليس بوسع قطّ أن يفلت من الشبكة المنصوبة.
يوم حطين ٤ يوليو سنة ١١٨٧
لم يلبث المسلمون أن بدأوا الهجوم عقب طلوع النهار، ولم يخطر بخلد الرجالة المسيحيين إلا فكرة واحدة، تدور حول الماء، إذ حاولت جماعة كبيرة منهم أن تشق لها طريقاً على المنحدر المؤدي إلى بحيرة طبرية التي تلمع مياهها تحت التل، غير أنه جرى ردّهم إلى التل، وقد غشاهم من كل جانب لهيب الحرائق، وطوقهم المسلمون من كل جانب، فلقي عدد كبير مصرعهم على الفور، بينما وقع آخرون في الأسر. وكان منظر المسيحيين، وهم يرقدون على الأرض جرحى، وقد تورمت أفواههم، يثير من بالغ الألم ما حمل خمسة فرسان ينتمون لريموند على التوجه إلى قادة المسلمين، يتوسلون إليهم أن يجهزوا عليهم، حتى ينتهي عذابهم.
أما الفرسان الذين اتخذوا أماكنهم على التل، فإنهم استماتوا في القتال، في شجاعة وبسالة نادرة، إذ ردوا حملات المسلمين، الواحدة بعد الأخرى، وكبدوهم خسائر فادحة، غير أن أعدادهم أخذت تتضاءل، وبدأت قواتهم في الانهيار، بعد أن أضعفها الظمأ الشديد.
وبناء على طلب الملك، وقبل فوات الوقت، قاد ريموند فرسانه، محاولاً اقتحام خطوط المسلمين، فحمل بكل رجاله على القوات التي يقودها تقي الدين، ابن أخي صلاح الدين، فأفسح له تقي الدين الصفوف حتى إذا نفذ ريموند منها بفرسانه، سدّ تقي الدين هذه الثغرة، فلم يستطيعوا العودة إلى رفاقهم، فركبوا من ساحة القتال، وقد استبد بهم البؤس، واتخذوا طريقهم إلى طرابلس. ولم يلبث باليان ابلين ورينالد سيد صيدا أن شقا لهما بعد فترة قصيرة طريقاً إلى خارج ارض المعركة، فكانا آخر من هرب.
لم يعد عند المسيحيين بارقة أمل، ومع ذلك ظلوا يقاتلون، أثناء انسحابهم إلى قمتي التل المعروفتين بقرون حطين، وتقرر نقل خيمة الملك الحمراء ونصبها بأعلى القمة والتف الفرسان حوله.
وشهد الأفضل -من أبناء صلاح الدين الصغار- أول معركة في حياته، بينما كان يقف إلى جانب والده. وبعد انقضاء سنوات عديدة، أشاد الأفضل بشجاعة الفرنج إذ قال: “حينما انسحب الملك إلى قمة التل، قام فرسانه بهجوم رائع، وردوا المسلمين على أبيه، وقد شهدت اضطرابه، إذ تغير لونه وصار يمسك بلحيته، ثم انطلق صائحاً: “فلتشدوا على الشيطان الكاذب”، وعندئذ انقضّ رجالنا على العدو، الذي ارتد إلى التل، وحينما رأيت الفرنج يفرون، صرخت فرحاً مسروراً: “لقد هزمناهم”. غير أنهم حملوا مرة أخرى وردوا رجالنا مرة أخرى إلى حيث يقف والدي، وحث والدي الرجال للمرة الثانية على أن ينطلقوا لقتالهم فدفعوا العدو إلى أعلى التل، فصحت مرة أخرى: “لقد هزمناهم”، غير أن والدي التفت إليّ وقال: “فلتلتزم السكون إذ لم نهزمهم طالما ظلت خيمة الملك قائمة بأعلى التل”. وفي تلك اللحظة هوت خيمة الملك، وعندئذ ترجل والدي عن فرسه وسجد على الأرض، وقد امتلأت عيناه بالدموع فرحاً جذلاً، وأخذ يشكر الله ويحمده”.
في خيمة صلاح الدين سنة ١١٨٧
لقي أسقف عكا مصرعه، فأضحى بحوزة المسلمين الصليب المقدس الذي كان يحمله أثناء المعركة، ولم يفلت من الهلاك من خيل الفرسان سوى عدد ضئيل. ولما بلغ المنتصرون الظافرون قمة التل ألفوا الفرسان وبينهم الملك قد افترشوا الأرض، وبلغ بهم التعب والإرهاق أشده، فأضحوا عاجزين عن القتال، بل إنهم لم يكن لديهم من القوة ما تجعلهم يسلمون سيوفهم، للدلالة على الإذعان، وجرى حمل قادتهم إلى الخيمة التي تقررت إقامتها للسلطان على ساحة المعركة.
واستقبل صلاح الدين في هذه الخيمة الملك جاي وشقيقه الكندسطبل أماريك، ورينالد شاتيون، وابن زوجته، همفري سيد تبنين، فضلاً عن عدد كبير من صغار بارونات المملكة. فحياهم صلاح الدين في لطف وبشاشة، وأجلس الملك جاي إلى جانبه، وإذ شهد ما حلّ به من الظمأ، ناوله كأساً امتلأ بالجلاب، الذي أثلجه ما وضع به من قطع الثلج الوارد من جبال الثلج (Hermon، فشرب منه جاي، ثم سلمه إلى رينالد الذي كان يجلس إلى جانبه. ووفقاً لقوانين الضيافة العربية، متى جرى بذل الطعام أو الشراب للأسير، فإن ذلك معناه، الإبقاء على حياته.
ولذا بادر صلاح الدين بأن قال للمترجم: “فلتُخطر الملك أنه هو الذي أعطى ذلك الرجل الشراب، ولم أناوله أنا الشراب”. ثم التفت إلى رينالد، الذي لم يغفر له ما ارتكبه من أعمال النهب والسلب المنافية للدين، وأخذ يذكره بجرائمه وخيانته وغدره وعدم التزامه بقواعد الدين، فضلاً عن نهمه وشراهته، ولما ردّ رينالد شاتيون في خشونة وقسوة، سلّ صلاح الدين سيفه وأطاح رأسه، فارتعد جاي، وظن أنه سوف يحل دوره. غير أن صلاح الدين طمأنه، حين قال: “إن الملك لا يقتل ملكاً”، غير أن ما ارتكبه ذلك الرجل من الخيانة تجاوز كل حدّ، ثم أصدر صلاح الدين الأوامر بأن لا يتعرض للأذى البارونات العلمانيون، بل ينبغي أن يلقوا في أمرهم الاحترام والمروءة، غير أنه لم يودّ أن يبقي على حياة أحد من الفرسان الرهبان، باستثناء مقدم الداوية. والمعروف أنه كان يجيش صلاح الدين جماعة من المتصوفة الزهّاد، فعهد إليهم صلاح الدين بالإجهاز على الأسرى من الداوية والاسبتارية، فاغتبطوا للقيام بهذا العمل. فلما تم ذلك، تحرك صلاح الدين بجيشه من حطين، وما تناثر على ساحة القتال من جثث القتلى هرع إليها الضباع وابن آوى.
وجرى حمل الأسرى إلى دمشق، حيث تهيأت للبارونات أسباب الراحة في معتقلهم، بينما تقرر بيع الأسرى الفقراء في سوق الرقيق، وبلغ من كثرة الأسرى بهذه السوق أن هبط سعر الأسير الواحد إلى ثلاثة دنانير، وأضحى بوسع الشخص أن يشتري أسرة سليمة بأكملها، مؤلفة من رجل وزوجته وأبنائه الثلاثة وابنتين، بثمانين ديناراً، بل إن أحد المسلمين اعتبر ما أجراه من مبادلة نعليه بأسير صفقة رابحة.
سبق للمسيحيين في الشرق أن تعرّضوا للكوارث، إذ وقع في الأسر ملوكهم وأمراؤهم، غير أن آسريهم لم يكونوا وقتذاك سوى أمراء صغار لم يستهدفوا إلا إحراز بعض الكسب، على حين جرت في قرون حطين إبادة أضخم جيش لم تحشد المملكة مثله من قبل، وضاع الصليب المقدس، وكان المنتصر سيد العالم الإسلامي بأكمله.





