
حكم بإعدام حميدتي وقيادات مليشيات الدعم السريع غيابياً
يوليو 13, 2026
من مقال: معركة حطين
يوليو 14, 2026بقلم: أمين الحسيني .. المفتي العام للقدس ورئيس الهيئة العربية العليا*
ولا شك أن كل منصف يعترف بأن مجاهدي فلسطين لم يُغلبوا على أمرهم ولم يُقهروا في ميدان الكفاح حينما كانوا يحاربون اليهود والإنجليز معاً حرب العصابات التي حذقوها، والتي هي أجدى وأنجع في مكافحة الجيوش النظامية، وأعظم أثراً، وأقل نفقة. وبحرب العصابات القائمة على أسس التضحية والاستماتة والبسالة استطاع الفلسطينيون أن يقضّوا مضاجع أعدائهم أمداً طويلاً، وأن يُنزلوا بهم الخسائر الفادحة.
واستطاعت حركة الجهاد الفلسطيني في أعوام ٣٦ و٣٧ و٣٨ و١٩٣٩ أن تسيطر على معظم الأراضي الفلسطينية؛ بل عليها كلها إذا استثنينا قليلاً من المدن التي انحصر الجنود الإنجليز داخلها وقتاً غير قليل في انتظار النجدات.
الإنجليز يسلمون اليهود ويدربونهم
وفي الحوادث الأخيرة ظن الإنجليز الذين جردوا أهل فلسطين خلال الحرب العالمية الثانية من أسلحتهم، وشردوا قادتهم وسجنوا الألوف من مجاهديهم وأرهقوهم ظلماً وعدواناً، كما يفعلون اليوم في المكافحين من رجال (ماو ماو)، في الوقت الذي كانوا يسلحون فيه اليهود ويدربونهم وينظمونهم ويساعدونهم بواسطة هيئة عسكرية إنجليزية كان يرأسها القائد (وينجت) المعروف.. ظن الإنجليز أن كفة اليهود الحربية أصبحت راجحة، وأن في استطاعتهم أن يتسلموا فلسطين حسب وعد بريطانيا القديم لهم، فأعلنت بريطانيا أنها ستنسحب من فلسطين.
ولكن أهل فلسطين رغم ضعف وسائلهم عامي ١٩٤٧-١٩٤٨ قاموا بكفاح شديد أرغموا به يهود القدس، وعددهم نحو (١١٥) ألفاً، على رفع رايات التسليم، بعد أن أرهقوهم وحصروهم وقطعوا عنهم الماء والزاد والعتاد. وقد توسطت الهيئة الدبلوماسية في القدس حينئذ وجاءت بعثة من بعض أعضائها إلى دمشق في مارس سنة ١٩٤٨ لمفاوضة الجامعة العربية والهيئة العربية العليا في هذا الأمر.
تفوق العرب في المعارك على اليهود
وفي غضون ذلك كانت المعارك الكبيرة ناشبة بين العرب واليهود؛ ففي مكان يعرف بالدهيشة، بين القدس والخليل، نشبت معركة كبيرة في ١٧ مارس سنة ١٩٤٨ قُتل فيها بضع مئات من اليهود ووقع منهم (٣٥٠) أسيراً، وغنم المجاهدون أسلحتهم وذخائرهم ونحو مائة وخمسين سيارة كان قسم كبير منها من المصفحات والمدرعات. ووقعت معارك صوريف وبيت فوريك وسلمة ويافا، ومعارك أخرى في المنطقة الشمالية، قَهرت فيها العصابات الفلسطينية اليهود وهزمتهم.
ولما شرع اليهود في استعمال المتفجرات وعمدوا إلى النسف، قابلهم المجاهدون بما هو أدهى وأمر، فنسفوا عمارة (بالستين بوست)، والوكالة اليهودية، وشارع بن يهودا برُمته، ومحطة المنتفيوري، وغيرها، ما قصم ظهر اليهود وجعلهم يطالبون بالعدول عن حرب المتفجرات.
وقد أبدى المجاهدون الفلسطينيون من البسالة والتصميم والتضحية ما ضمن لهم التفوق ورجوح الكفة على اليهود، حتى أن الولايات المتحدة الأمريكية أعلنت بواسطة مندوبها في الأمم المتحدة في ٢٣ مارس سنة ١٩٤٨ عدولها عن تأييد قرار تقسيم فلسطين (وقد وقعتْ جميع هذه الحوادث قبل أن تدخل الجيوش العربية فلسطين).
١٢ ألف شهيد فلسطيني
وقد بلغ عدد الذين استُشهدوا من أهل فلسطين في ميادين الجهاد نحو ١٢ ألف شهيد، وبلغ عدد من أُصيب منهم بجراحات وعاهات دائمة ضعفَي هذا العدد، وهذا بالإضافة إلى ألوف من السكان المدنيين ولا سيما من الشيوخ والنساء والأطفال الذين قتلهم اليهود والمستعمِرون، كما أن خسائرهم المادية إلى ما قبل نشوب الحرب العالمية الثانية تُقدر بعشرات الملايين من الجنيهات، فإن السلطات البريطانية نسفت أقساماً برمتها من مدن يافا واللد وجنين وعشرات من القرى العربية، وأتلفت مزروعات أهلها ومواشيهم وممتلكاتهم.
المؤامرة الإنجليزية لإبعاد الفلسطينيين عن ميدان القتال
ولما رأى الإنجليز واليهود هذا الجد والتصميم والاستماتة من عرب فلسطين، وأن حرب العصابات تزداد توسعاً واندلاعاً، وأن أمدها سيطول، وستكون لها نتائج خطيرة في إثارة الشرق العربي والعالم الإسلامي، لجأوا إلى الحيلة لوقف حرب العصابات وإبعاد المجاهدين الفلسطينيين عن ميدان المعركة، لأنهم بطبيعة الحال أشد العناصر العربية تصميماً على القتال واستماتةً في الذود عن وطنهم وأنفسهم وممتلكاتهم.
فعمد الإنجليز إلى تعديل خطة الدول العربية التي كانت قررت في اجتماع (عالية-لبنان) في السابع من أكتوبر عام ١٩٤٨ أن يكون المعول في حرب فلسطين على أبنائها، وأن تمدهم الدول العربية بالأسلحة والأموال وما إلى ذلك من وسائل المساعدة، وأن لا تدخل الجيوش العربية النظامية فلسطين. ولكني عندما شعرت في ذلك الحين برغبة بعض الشخصيات العربية الرسمية في إدخال الجيوش العربية فلسطين، وباندفاعها في هذه السبيل، أوجست في نفسي خيفة وأبديت ارتيابي وخشيتي من أن تكون وراء ذلك دسيسة أجنبية، وعارضتُ في هذا معارضة شديدة.
ولم تكن جميع الدول العربية موافقة على إدخال جيوشها إلى فلسطين، ولكن تيار الضغط الأجنبي على بعض الشخصيات المسؤولة في الدول العربية في ذلك الحين كان بدرجة من الشدة اجتاح معها كل معارضة.
ودخلت الجيوش العربية وكانت مصر من أشد الدول معارضة لدخول جيشها في الحرب، ثم دخلت بتأثير دوافع متعددة، كما ظهر في المحاكمات الأخيرة أمام محكمة الثورة؛ فقد قيل في صدد دخول الجيش المصري حرب فلسطين: “إن المرحوم النقراشي أسرّ إلى أحد كبار المصريين وقتئذ -ليهدئ من روعه ومعارضته- أن الإنكليز متحمسون لدخولنا الحرب، وأنهم وعدوه بمدّ الجيش المصري بالأسلحة والذخيرة التي يحتاج إليها”.
الجيوش العربية تحت قيادة جنرال إنجليزي
فلما دخلت الجيوش العربية فلسطين سلمت قيادتها العملية إلى الجنرال (كلوب) الإنجليزى، وصدر أمر الملك عبد الله بإلغاء منظمة (الجهاد المقدس) الفلسطينية وجميع القوى والعصابات التابعة لها، وإلغاء (جيش الإنقاذ) المؤلَّف من المتطوعين، وطلب إلغاء (الهيئة العربية العليا لفلسطين)، ووُضعت خطة محكمة لإبعاد الفلسطينيين عن ميدانَي الجهاد والسياسة، وعن كل ما يتعلق ببلادهم ومستقبلهم وحياتهم.
دعايات مضللة وتهم باطلة تُذاع عن فلسطين
ولتبرير إبعاد الفلسطينيين عن ميدان المعركة قامت دوائر المخابرات البريطانية واليهودية، وغيرها من الدوائر الموالية لها، بدعايات واسعة مضللة وإشاعات مبطلة عن الفلسطينيين تكيل لهم فيها جزافاً أفظع التهم، كتجسسهم على الجيوش العربية وبيعهم جنودها وضباطها لليهود، ونحو ذلك من الأكاذيب التي لا ظل لها من الحقيقة، ولا يُعقل أبداً أن يرتكبها الفلسطينيون الذين هم أعظم الناس مصيبة باليهود والاستعمار، وأشدهم حنقاً عليهما.
واستغل الخصوم بعض حوادث التجسس التي كان يقوم بها أفراد من اليهود نشأوا في البلاد العربية وحذقوا لغتها وعاداتها، وقد بثتهم دوائر الاستخبارات اليهودية في كل الجهات وهم يرتدون الثياب العربية حتى ظُن أنهم من عرب فلسطين. وأذكر مثلاً لذلك حادثتين معروفتين في منطقة غزة الأولى:
- أن القوات المصرية المسلحة قبضت على اثنين من اليهود يرتديان ثياب البدو، بينما كانا يقومان بإلقاء ميكروبات الكوليرا وغيرها من الجراثيم الوبائية في آبار تلك المنطقة بقصد إبادة سكانها والقوات المصرية الموجودة فيها.
- والثانية قصة طريفة قصها عليّ كل من الأميرالاي السيد مصطفى الصواف نائب الحاكم الإدارى العام لقطاع غزة سابقاً، والسيد عبد الرحمن الفرا رئيس بلدية خان يونس، وخلاصتها أن دورية مصرية قبضت على رجل يرتدي ثياب بدو فلسطين بينما كان خارجاً من مستعمرة (كفار داروم)، ومتجها إلى خان يونس، وعند سؤاله زعم أنه ينتمي إلى عشيرة عربية مجاورة، فلما سُئل شيوخ العشيرة عنه أنكروه. ولما ضيق المحققون عليه الخناق اعترف أنه جاسوس يهودي، وأنه يتجه إلى خان يونس ليقابل فيها زميلاً له، فلما رافقوه ليدلهم على زميله كانت دهشتهم بالغة عندما دلهم على شيخ معمم مقيم بجامع البلد ويلبس الملابس الفلسطينية، وكان هذا الشيخ يتظاهر بالورع ويصلي في الصف الأول، ويقيم في الجامع. وفي نهاية التحقيق الرسمي اعترف هذا الشيخ المعمم بأنه يهودي ديناً وجنسية، وأنه يقوم بالتجسس على حركات الجيش المصري، وأنه تظاهر بأنه مسلم فيما مضى، وانخرط في الجامع الأزهر في سلك الطلاب أمداً غير قصير درس خلاله دروس الدين الإسلامي واللغة العربية.
ولقد وقع كثير من أمثال هذه الحادثة كان يقوم بها يهود يتزيون بزيّ العرب الفلسطينيين، ولا يتسع المجال لسردها الآن، مما ساعد على ترويج تلك التهم الشنيعة والإشاعات الكاذبة المضللة عن أهل فلسطين وهم منها برآء. على أن أهل فلسطين كغيرهم من الشعوب منهم الصالحون ومنهم دون ذلك، ولا يبعد أن يكون بينهم أفراد قصّروا أو فرّطوا أو اقترفوا الخيانة، ولكن وجود أفراد قلائل من أمثال هؤلاء بين شعب كريم مجاهد كالشعب الفلسطيني لا يدمغ هذا الشعب، ولا يُنقص من كرامته، ولا يمحو صفحة جهاده العظيم.





