
بُعثت روحي بين الأموات!
أبريل 27, 2026
دعوة عاجلة لكسر الصمت حول معاناة مسلمي الأويغور
أبريل 28, 2026تياغو نوبالو
أنجولا
اسمي “تياغو”، ومنذ أن تخرجتُ من جامعة “أغوستينو نيتو”، وأنا أعيش مهووساً بالخطوط المستقيمة، والزوايا القائمة، والكتل الخرسانية. مهنتي كمهندس معماري جعلتني أرى العالم كمجموعة من المساحات التي يجب استغلالها. كنتُ أصمم الأبراج الزجاجية اللامعة التي تطل على المحيط الأطلسي، بينما يعيش آلاف الناس خلفها في أحياء “الموسيكس” المكتظة. كان عملي هو خلق “النظام” من وسط “الفوضى”، لكنني كنتُ أجهل تماماً أن روحي هي العشوائية الأكبر التي فشلتُ في رسم مخطط واحد لإنقاذها.
حياتي في أنجولا كانت صراعاً طبقياً صامتاً. أستيقظ في شقتي الكبيرة بحي “ميرامار”، أتناول قهوتي وأنا أنظر إلى الرافعات التي تشق السماء، ثم أنطلق بسيارتي الرباعية الدفع مخترقاً شوارع لواندا المختنقة بالزحام والبارود المتبقي من ذكريات الحرب الأهلية القديمة. كنتُ أؤمن بشيء واحد: “المادة”. بالنسبة لي، الإنسان هو كائن يحتاج إلى حيز مكاني للعيش، والجمال هو مجرد تناسق هندسي. لم أكن ملحداً بالمعنى الصريح، لكنني كنتُ أرى الأديان مجرد تراث شعبي يعيق التطور العمراني والعقلي.
بيئتي الاجتماعية كانت تتسم بالنفاق؛ سهرات عشاء مع المستثمرين الأجانب، نقاشات حول العقارات، وضحكات زائفة تخفي خلفها خواءً مرعباً. كنتُ أعود في المساء، أجلس أمام طاولتي الكبيرة، أرسم خطوطاً لا تنتهي، وأتساءل: “لماذا أشعر أن هذه الأبراج التي أبنيها خاوية؟ ولماذا أشعر أنني، رغم كل هذه المساحات، أعيش في زنزانة ضيقة داخل صدري؟”. كانت عاداتي قبل الإسلام تتمحور حول العمل ثم الهروب نحو الموسيقى والترفيه والقراءة في فلسفات الوجودية التي لم تكن تزيدني إلا حيرة.
في ليلة من ليالي شهر مايو من العام الماضي، وبينما كنتُ أعيد مراجعة مخطط لمشروع ضخم في منطقة “تاليتونا”، شعرتُ بضيق تنفس مفاجئ. لم يكن مرضاً جسدياً، بل كان “انفجاراً” نفسياً. نظرتُ إلى المخططات الورقية أمامي وشعرتُ بقرف شديد. “نحن نبني حوائط لتفصل بين الناس، لكن مَن يبني الجسور بين القلوب؟”. بدأتُ أتساءل عن “المهندس الأعظم” لهذا الكون. إذا كان تصميم بناية واحدة يتطلب كل هذا الجهد والمنطق، فكيف يُدار هذا الكون الهائل؟ هل من المعقول أن يكون “الصدفة” هي المعماري الذي صمم هذا الكون الفسيح؟
في تلك الليلة، قررتُ التوقف عن القراءة للمهندسين، وبدأتُ أبحث عن “فلسفة الخلق” في عالم الانترنت ومنصات السوشيال ميديا؛ كـ”الفيسبوك” وغيره من المنصات، ومن هنا، قادتني كلمة “التصميم الإلهي” إلى منشور من صفحة “مشروع بصيرة لدعوة غير المسلمين”.
المنشور كان ملفتاً جداً لمهندس مثلي؛ كان تصميماً معبراً كُتب عليه بالبرتغالية: “عبادة التفكر في إبداع الخالق تُعمق الإيمان ” أو شيئاً من هذا القبيل.. هل تظن أن هذا الإبداع الفريد محض صدفة؟! تأمل!
دخلتُ إلى صفحة “بصيرة” وقرأتُ بعض المنشورات عن “الإعجاز في الخلق”. شعرتُ لأول مرة أنني أقرأ كلاماً يحترم عقلي ويخاطب منطقي كمهندس. ضغطتُ على أيقونة المراسلة والحوار، وكتبتُ: “هل في الإسلام منطق يقبله عقلي ويجيب على تساؤلاتي، أم هي مجرد غيبيات”؟
جاءني الرد من “المحاور”، وكان حواراً استمر لعدة ساعات، ثم امتد لليالٍ تالية. كان المحاور ذكياً جداً؛ لم يبدأ بالحديث عن الجنة والنار، بل بدأ من “نقطة الارتكاز”.
قال لي: “يا تياغو، أنت تعلم أن أي بناية لا تملك أساساً متيناً ستنهار مهما كان زجاجها لامعاً وفاخراً. التوحيد في الإسلام هو (الأساس). عندما توحّد الخالق، فأنت تضع مركز ثقل حياتك في المكان الصحيح، والباقي كله تفاصيل تتبع هذا المركز”.
سألتُه بفضول: “لماذا الإسلام تحديداً؟ لماذا لا تكون المسيحية التي نشأتُ في ظلالها في أنجولا”؟
أجابني المحاور بهدوء: “لأن الدين عند الله الإسلام، والإسلام لا يطلب منك إلغاء عقلك لتؤمن. هو يدعوك لتتفكر في خلق السموات والأرض. الإسلام ليس فيه (أسرار كنسية) أو وسطاء. أنت والخالق في تواصل مباشر دون وسيط، تماماً كخط مستقيم لا انكسار فيه. أليس هذا هو المنطق الهندسي الأسمى”؟
لحظة صمت.. كانت جملته الأخيرة تخاطب عقلي ومنطقي في الحياة؛ فهي لغة هندسية بحتة!
بعدها انتقلنا للحديث عن “شخصية النبي محمد ﷺ”. سألتُه: “كيف لرجل في بيئة صحراوية أن يأتي بنظام اجتماعي وعمراني وأخلاقي صمد لمئات السنين”؟
بدأ المحاور يشرح لي عن “المدينة المنورة” وكيف وُضع تخطيطها الأول على أسس العدل والمساواة، وكيف كان النبي ﷺ يشرف بنفسه على بناء المسجد بساطةً وعمقاً. شعرتُ أن هذا النبي كان “مهندساً للأرواح” قبل كل شيء، ولديه مفاتيح للقلوب مهما اختلفت طبائع أصحابها!
في الليلة الثالثة، طرحتُ عليه سؤالاً صعباً: “أنا أرى المسلمين في أنجولا فقراء وبسطاء، بينما نحن نبني القصور. هل هذا الدين للفقراء فقط؟”.
ضحك المحاور (عبر الكلمات) وقال: “الإسلام ليس للفقراء ولا للأغنياء، هو للناس أجمعين. الغِنى في الإسلام هو غِنى النفس والخُلق، والفقر هو فقر الخُلق والعمل الصالح. المسلم قد يسكن كوخاً في الدنيا وقصره في الجنة، وقد يسكن قصراً وقلبه في جحيم الشك. نحن هنا في (مشروع بصيرة) لا ندعوك لتغيير مستواك المادي، بل لتغيير نظرتك للمادة”.
كانت الساعة قد تجاوزت الثانية فجراً. لواندا كانت هادئة، وصوت الأمواج يصل إلى شرفتي. شعرتُ أن “الخريطة” أصبحت واضحة تماماً. لم يعد هناك “مناطق رمادية” في عقلي. اليقين كان يتدفق كالإسمنت القوي الذي يربط لبنات أفكاري.
سألتُه: “ماذا لو أردتُ أن أهدم حياتي القديمة وأبنيها على هذا الأساس الآن؟”.
ردَّ المحاور: “لا تهدم حياتك، بل طهّرها. الإسلام هو (ترميم) شامل. قل الآن بقلب مخلص: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله”.
نطقتُها. وفي تلك اللحظة، شعرتُ بشيء غريب.. شعرتُ أن جدران غرفتي تتنفس. أحسستُ أنني لستُ وحيداً، وأن هذا الكون كله مصمم ليحتضن صرختي هذه. لقد أسلمتُ في تلك الليلة، أنا مهندس المعمار الذي وجد أخيراً “المحور” الذي يدور حوله وجوده.
بعد إسلامي، لم أعد أنظر إلى مهنتي على أنها مجرد أرقام وخطوط ومساحات. بدأتُ أشعر بأن تصاميمي الهندسية قد دبت فيها الروح! صرتُ أهتم بـ”الخصوصية”، وبـ”الإضاءة الطبيعية” (نور السماء)، وبأن تكون المباني صديقة للفقراء قبل الأغنياء.
تركتُ عاداتي القديمة؛ استبدلتُها بجلسات تعلم القرآن واللغة العربية ضمن قسم التعليم في مشروع بصيرة. تعلمت الوضوء والصلاة، أستيقظ فجراً، أصلي في شرفتي وأشعر أنني الآن فقط “أرى” المحيط حقاً كآية من آيات الله.
محيطي الاجتماعي في “لواندا” لم يتقبل هذا التغيير بسهولة! زملائي المهندسون قالوا: “تياغو فقد عقله، لقد أصبح يرفض تصنيع الحانات في مشاريعه”! كنتُ أبتسم وأقول لهم: “لقد وجدتُ تصميماً أفضل للحياة”. بدأتُ أستخدم حساباتي على مواقع التواصل الاجتماعي لأنشر منشورات بصيرة، وأحاور زملائي المهندسين بلغتهم عن “عظمة الخالق في هندسة الكون”.
أنا اليوم، “تياغو” المسلم، أشعر أنني بنيتُ أجمل برج في حياتي، وهو برج الإيمان الذي لا تطاله زلازل الشك. شكراً لمشروع بصيرة الذي كان تلك “البوصلة” التي ضبطت اعوجاج روحي، وجعلتني أرى أن الحقيقة هي أبسط وأعمق خط مستقيم في الوجود: “لا إله إلا الله”.





