
أركان الإسلام من أسباب قوته وانتشاره
فبراير 13, 2026
حين فُتح لي الباب
فبراير 23, 2026إليسا لافونتين
مدينة كاي – جنوب هايتي
وُلدتُ عام 1994 لعائلة بسيطة، يعمل والدي صيادًا ويبيع ما يصطاده في سوق صغير قرب الميناء، بينما تعمل أمي في تنظيف البيوت. نشأتُ مثل معظم البنات هنا بين الخوف من الغد ومحاولة التشبث بأي مصدر للطمأنينة. كان الفقر جزءًا من الهواء الذي نتنفسه، والزلزال الكبير الذي ضرب البلاد قبل سنوات بقي جرحًا مفتوحًا في الذاكرة الجماعية، جرحًا لا يندمل مهما مرّ الوقت.
كنتُ الابنة الوسطى بين ثلاث أخوات، وكنت الأكثر ميلًا للعزلة. أحببت الكتب منذ صغري، وأتقنت الفرنسية والإنجليزية بمجهود شخصي من خلال مقاطع تعليمية قديمة كنت أحملها على هاتف مُتهالك. ومع مرور الأيام توسع شغفي باللغات حتى أصبحتُ أعمل مترجمة مستقلة على منصات على الإنترنت. كنت أترجم مقالات بسيطة وتقارير صغيرة وأستلم أجري عبر تحويلات مالية تستغرق أيامًا لتصل. لم يكن دخلي كبيرًا، لكنه كان يمنحني شعورًا بالاستقلال.
حياتي كانت مزيجًا من العمل، التعامل مع زبائن من دول مختلفة، ومحاولة مساعدة عائلتي قدر ما أستطيع. لم أكن مهتمة بالدين كثيرًا، رغم أن مجتمعنا هنا في هايتي يميل إلى خليط من المسيحية وبعض المعتقدات الشعبية المتوارثة. كنت أبحث عن المعنى، نعم.. لكنني لم أكن أعرف أي طريق أسلكه للوصول إليه.
في إحدى الليالي، بينما كنت أراجع ترجمة لمقال عن التعايش بين الأديان، صادفتُ مصطلحات إسلامية لم أفهمها جيدًا. حاولت البحث عنها، فوجدت موقعًا يشرحها بطريقة بسيطة، ومن بين روابط الموقع ظهر رابط إلى مشروع بصيرة الدعوي. لم أكن أعرف ما هو، ولا كيف ظهر أمامي، لكنني فتحت الرابط دون تردد، ربما بدافع المعرفة، وربما بدافع التعب الداخلي الذي لم أكن أعترف به حتى لنفسي.
دخلت صفحة تحتوي على خيار “التحدث مع محاور”. توقفت لثوانٍ. كنت أعرف أن فتح باب كهذا قد يغيّر شيئًا في حياتي، ولكنني لم أتوقع أن يغير كل شيء. كتبت رسالة قصيرة: “مرحبًا، أريد أن أفهم ما هو الإسلام دون تحيّز، هل يمكنني السؤال؟”
بعد دقيقة وصلني الرد من المحاور، كانت طريقة الحديث مهذبة جدًا، هادئة، ومركزة. بدأ يسألني عمّا أعرفه عن الإسلام. أخبرته بأن معرفتي تكاد تكون معدومة، وأنّ كل ما أتلقاه من الإعلام يجعل الإسلام يبدو دين عنف أو تشدد أو تخلف! فردّ بهدوء: “دعينا نبدأ من الأساس.. الإسلام ليس ما يُقال عنه، بل ما يقوله عن نفسه”.
كان هذه الكلمات مختلفة، ظلت تدور في ذهني كأنها ضوء صغير في غرفة مغلقة.
سألته: “هل يمكنني أن أسألك بصراحة؟ لماذا يتحدث الجميع عن الإسلام وكأنه شيء يجب الخوف منه؟”.. أرسل لي حينها مقطعًا نصيًا قصيرًا من القرآن، دون تفسير، فقط الآية: ﴿وَمَاۤ أَرۡسَلۡنَـٰكَ إِلَّا رَحۡمَةࣰ لِّلۡعَـٰلَمِینَ﴾ [الأنبياء: 107].
قرأت الآية مرارًا. كلمة “رحمة” كانت غريبة في سياق الدين الذي كنت أظنه صارمًا أو مخيفًا. فسألته: “هل هذا يعني أن الإسلام ليس دين عقاب؟!”
قال: “بل هو دين رحمة، ودين عدل، ودين مسؤولية. فيه محاسبة، نعم، لكنها محاسبة رشيدة، تضبط العلاقات بين الناس”.
ومن تلك اللحظة وعقلي بدأ يتفاعل بطريقة مختلفة عن أي مرة سابقة. شعرت بشيء يتحرك داخلي، شيء يشبه الطمأنينة، أو بداية الطمأنينة.
استمر الحوار بيني وبينه لمدة ساعة كاملة. لم أشعر بالوقت. لم تكن الأسئلة محض أسئلة دينية، بل كانت أسئلة عن حياتي أنا: لماذا أعيش بهذا القلق؟ لماذا أخاف من المستقبل؟ لماذا لا أشعر أن هناك معنى واضحًا لما أفعله كل يوم؟ كنت أضع رأسي على وسادتي كل ليلة، وأقول بيني وبين نفسي: “إنني أعيش، نعم.. لكنني لستُ حيّة”.
بعد أسبوع تقريبًا عدت إلى الحديث معه في وقت متأخر من الليل. كنت قد انتهيت من ترجمة مشروع طويل، وكنت مرهقة، وأخبرته بذلك. فقال لي: “في الإسلام، الراحة ليست في الهروب من التعب.. بل في أن يكون للتعب معنى وهدف”. أعجبتني الجملة جدًا، رغم بساطتها. شعرت أنها تخاطب شيئًا دفينًا داخلي.
سألته: ” لكنني خائفة. أشعر أنني أقترب من شيء كبير، وأخشى ألا أكون مستعدة!”.
أجاب: ” لا أحد مستعدًا بالكامل. الله لا يريدك أن تغيّري حياتك في يوم واحد. يريد صدقك فقط”.
تلك الليلة بكيت دون أن أعرف السبب. لم يكن بكاء حزن، بل بكاء شخص وجد بابًا كان يبحث عنه دون أن يعرف أنه يبحث.
الليلة التالية والتحوّل الأكبر
كنت وحيدة في غرفتي، أفتح النافذة لأتنفس هواء البحر. كان الليل هادئًا، وأصوات الأمواج تتردد كأنها موسيقى حزينة. أمسكت هاتفي، وبدأت أكتب له: “أريد أن أفهم معنى الشهادتين.. لكنني لا أعرف كيف أقولها”.
فأرسل لي النص الصحيح، وشرح لي المعنى كلمة كلمة. لم يطلب مني قولها، ولم يضغط عليّ، فقط شرح، ثم صمت!
قلت له: “هل يعني قولها أنني أصبح مسلمة فورًا؟”
قال: “نعم.. ولكن لا تقوليها إلا إذا شعرتِ بها بقلبك قبل لسانك”.
كأن شيئًا في قلبي كان ينتظر تلك الكلمات. شعرت أنني أمام مفترق طرق، وأنّ حياتي بكل ما فيها من خوف وضياع وفقدان يقف على كفّة، بينما في الكفة الأخرى يوجد نور.. لا أعرف شكله، لكنني أراه بوضوح داخلي.. ثم سألته: “هل يمكنني قولها الآن؟”
قال: “إن كان قلبك صادقًا.. فقوليها الآن”.
أغمضت عيني. شعرت بنبض قلبي يتسارع، كأن العالم كله توقف، وكأنني لست في هايتي.. لست في غرفتي.. بل في فضاء مفتوح، وأنا بين يدي شيء أعظم من كل ما عرفتُه.
وبهدوء قلتها بصوت مرتجف، لكن ثابت: “أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله”.
لم أسمع صوتًا من السماء، ولم يحدث شيء خارق.. لكنّ قلبي تغيّر. كنت أشعر وكأن جبلاً كان فوق صدري وابتعد. وكأن قلبي لأول مرة ينبض بلا خوف.
كتب لي المحاور فورًا: “أنتِ الآن أصبحتي مسلمة والحمد لله”. لم أستطع الرد، كنت أبكي بشدة.. ربما بكاء الفرح.
بعد إسلامي تغيّرت أمور كثيرة في يومياتي. لم أصبح فجأة إنسانة مثالية، ولم تختفِ مشاكلي. لكن شيئًا واحدًا تغيّر: كنت أعرف أخيرًا لماذا أعيش. هذا وحده كان يكفي.
بدأت أبحث عن مسجد في المدينة لأتعلم الصلاة، ولكن المساجد هنا قليلة والطريق إليها ليس دائمًا آمنًا. ولهذا اعتمدت أكثر على دروس المعلمين في مشروع بصيرة الدعوي. تعلمت الوضوء والصلاة، وأهمية وصيغ الدعاء، والكثير من تعاليم الإسلام. وكانوا يجيبون على أسئلتي البسيطة؛ التي قد تبدو مضحكة للآخرين، لكنها كانت بالنسبة لي كل شيء.
كنت أتعلم خطوة بخطوة. أخطئ مرة، وأتعلم مرة. وفي كل مرة أشعر أن الإسلام لا يحمّلني أكثر مما أستطيع. وبعد شهر تقريبًا بدأت أرتدي ملابس أكثر حشمة. لم أخبر عائلتي في البداية، ليس خوفًا من الرفض، بل خوفًا من عدم القدرة على شرح ما أشعر به. أمي كانت تلاحظ بعضاً من هذا التغيير، لكن دون أن تتحدث معي. كانت تراقب في صمت!
بعد أسبوعين جمعت شجاعتي أخبرت عائلتي. فوجئوا، نعم.. لكنهم لم يغضبوا. ربما لأنهم رأوا التغيير الحقيقي في سلوكي. أصبحت أكثر رحمة، أقل غضبًا، أكثر وعيًا بما أقول. كنت أساعد أمي أكثر، أعامل أخواتي بحنان أكبر، وأتوقف عن النقاشات الحادة التي كانت تحدث في المنزل.
كنت أتساءل: هل تغيّرتُ أم أنني فقط عدتُ إلى نفسي الحقيقية التي كنت أبحث عنها طوال حياتي؟
اليوم، وبعد شهور من إسلامي، ما زلت أعمل مترجمة، لكنني أترجم الآن أمورًا مختلفة. صرت أتطوع لترجمة مقالات تعريفية عن الإسلام إلى الفرنسية والإنجليزية، وأرسلها لمن يحتاجها. أشعر أنني جزء صغير من مجتمع كبير، اسمه الإسلام! نور الإسلام الذي وصل إليّ قدراً من بعيد، عبر شاشة الهاتف، من مشروع لم أكن أعرفه، وداعية لم أرَ وجهه ولا أعرف حتى اسمه، لكنه كان سبب هدايتي، أرسله الله لي.
وفي كل مرة أسمع صوت الأمواج في الليل، أتذكر تلك الليلة.. الليلة التي تغيّر فيها كل شيء.
لقد وجدت الطريق.. وجدت معنى للحياة.. وجدت نفسي.. وجدت ربي.
اللهم تقبلني في عبادك الصالحين، وثبتني قلبي على دينك.





