
هلال رمضان في قبضة السلطة!
أبريل 7, 2026
عائلة د. حسام أبو صفية تخشى تصفيته بموجب قانون إعدام الأسرى
أبريل 7, 2026بقلم: د. محمد الناهي – سفير هيئة أنصار النبي ﷺ في اليمن
حين يرحل رمضان لا يرحل معه الخير، ولا تُطوى معه صفحات القرب من الله، بل يترك في القلوب بذورًا من الإيمان تنتظر من يسقيها لتبقى حيّة. رمضان ليس محطةً عابرة في طريق العمر، بل هو مدرسة كبرى يعيد فيها الإنسان ترتيب نفسه، ويستعيد فيها قلبه وصلته بربه، ويجدد فيها المجتمع المسلم معاني الأخوّة والتكافل والرحمة.
لقد خرج المسلم من رمضان وقد تعلّم درسًا عظيمًا: أنه قادر على الانتصار على نفسه. صام عن الحلال ساعات طويلة طاعةً لله، فكيف يعجز بعد ذلك عن الصبر عن الحرام؟! وقام الليل وهو مرهق، وتصدّق وهو محتاج، وضبط لسانه وهو قادر على الكلام. وهذه الدروس ليست مؤقتة بزمان، بل هي طاقة إيمانية ينبغي أن تتحول إلى أسلوب حياة.
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: 200]. وقال سبحانه: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر: 99].
فالمؤمن لا يعرف للطاعة موسمًا ينتهي، بل يعبد الله حتى يلقاه عز وجل. وقد سُئلت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها عن أحب الأعمال إلى النبي ﷺ فقالت: “كان أحبُّ العمل إليه أدومه وإن قلّ”.
وفي هذا المعنى قال أحد الشعراء:
إذا هبَّتْ رياحُكَ فاغتنمها ** فعُقبى كل خافقة سكونُ
ولا تغفلْ عن الإحسانِ فيها ** فما تدري السكونُ متى يكونُ
إن رمضان ريح إيمانية عظيمة، ومن الحكمة أن نستثمر أثرها قبل أن تخبو حرارة القلب.
أولًا: تحويل العبادات الموسمية إلى عادات ثابتة
الثبات بعد رمضان يبدأ بتحويل ما تعلّمناه في الشهر إلى برنامج مستمر. ليس المطلوب أن يعيش الإنسان بنفس الكثافة التعبدية التي عاشها في رمضان، ولكن المطلوب أن يحافظ على أصل الطاعة. فركعتان من قيام الليل كل ليلة خير من انقطاع طويل، وورد يسير من القرآن يوميًا خير من هجر المصحف بعد رمضان.
قال تعالى:﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ [هود: 112]. وقال النبي ﷺ: “سَدِّدُوا وَقَارِبُوا، وَاعْلَمُوا أَنَّهُ لَنْ يُدْخِلَ أَحَدًا عَمَلُهُ الْجَنَّةَ” “وَأَحَبُّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ”.
قليلٌ دائمٌ خيرٌ من كثيرٍ منقطع؛ كقطراتِ الندى تحيي الحقولَ وإن قلّت؛ فالدوام سرّ الثبات.
ثانيًا: المحافظة على صحبة الخير
من أعظم ما أعان الناس على الطاعة في رمضان روح الجماعة؛ المساجد عامرة، والقلوب متقاربة، والألسنة رطبة بالذكر. وبعد رمضان يحتاج الإنسان إلى أن يحافظ على هذه البيئة الإيمانية بصحبة صالحة تذكره إذا غفل وتشجعه إذا فتر.
قال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الكهف: 28].
وقال النبي ﷺ: “المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل”.
وقال الشاعر:
عن المرءِ لا تسأل وسَلْ عن قرينه ** فكلُّ قرينٍ بالمقارن يقتدي
فالبيئة الصالحة حارسة للطاعة.
ثالثًا: مجاهدة المعاصي بعد إطلاق الشياطين
في رمضان صُفِّدت الشياطين، أما بعده فإن المعركة تعود من جديد. وهنا تظهر ثمرة الصيام الحقيقية: هل تعلّم الإنسان ضبط نفسه أم لا؟ قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: 69].
وقال النبي ﷺ: “المجاهد مَن جاهد نفسه في طاعة الله”.
وقال الشاعر:
والنفسُ كالطفلِ إن تهمله شبَّ على ** حبِّ الرضاعِ وإن تفطمه ينفطمُ
فرمضان علّمنا كيف نفطم النفس عن الشهوات.
رابعًا: استحضار المعنى الجماعي للأمة
رمضان ليس عبادة فردية فحسب، بل تجربة جماعية للأمة. ملايين المسلمين صاموا في وقت واحد وأفطروا في وقت واحد واجتمعوا في المساجد في وقت واحد. هذا المشهد يذكّرنا بحقيقة عظيمة: أننا أمة واحدة مهما فرقتنا الحدود. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: 92]. وقال النبي ﷺ: “مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد”.
وقال الشاعر:
تأبى العِصيُّ إذا اجتمعنَ تكسُّرًا ** وإذا افترقنَ تكسَّرت آحادا
فرمضان يذكّر الأمة بقوة اجتماعها.
خامسًا: خطة عملية للحفاظ على روح رمضان
حتى تبقى آثار رمضان حيّة في حياتنا يمكن تحويل الدروس الرمضانية إلى خطة عملية:
- القرآن: قراءة جزء أو نصف جزء يوميًا. قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾[الإسراء: 9].
- الصلاة: المحافظة على الصلوات في أوقاتها مع السنن الرواتب. قال النبي ﷺ: “أول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة الصلاة”.
- قيام الليل: ركعتان أو أربع ركعات عدة مرات أسبوعيًا. قال تعالى: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾[الذاريات: 17].
- الصيام: صيام ست من شوال. قال النبي ﷺ: “من صام رمضان ثم أتبعه ستًا من شوال كان كصيام الدهر”.
- الصدقة: جعل صدقة أسبوعية ثابتة. قال تعالى: ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ﴾ [البقرة: 110].
- الذكر والاستغفار: دقائق يومية لإحياء القلب. قال تعالى: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: 18].
خاتمة
إن رمضان لم يأتِ ليغيّر شهرًا من حياتنا، بل ليغيّر حياتنا كلها. فإذا خرجنا منه بقلوب أقرب إلى الله، ونفوس أكثر انضباطًا، وعلاقات أكثر رحمة، فقد حققنا مقصوده الحقيقي. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ [فصلت: 30].
تزودْ من التقوى فإنك لا تدري ** إذا جنَّ ليلٌ هل تعيشُ إلى الفجرِ
فالسعيد من جعل رمضان بداية طريقه إلى الله، لا نهاية موسمه مع الطاعة.





