
ما لهم لا ينفرون للجهاد؟
نوفمبر 24, 2025
شهيد في خان يونس وكارثة نزوح تتفاقم يوميًّا
نوفمبر 25, 2025عبد الله عزام
هزيمة 67 نكبة ما أظن أنها مرت في حياة البشر، على ثلاث دول، ثلاث دول تسقط خلال ثلاث ساعات، أمام دويلة صغيرة لا تساوي عشر، لا بل واحد على خمسة عشر من سكان الدول التي حولها وجيشها لا يساوي نصف الجيوش التي حولها هذه ما مرت أبدا، نكبة بل وصمة عار ستبقى في جبين العرب إلى يوم القيامة.
الجولان لا يمكن أن تسقط أبداً إلا بالتسليم، إلا إذا سلمت يداً بيد، جبال شاهقة وفيها خنادق لو بقيت الطائرات تضرب فوقها ستة أشهر لا تهدم واحداً منها، ما قُتل أظن من اليهود في احتلال هذه الدول خمسمائة، معركة جاجي التي حضرناها في رمضان قُتل من الروس أضعاف أضعاف، ما قُتل من اليهود على الحدود على الجبهات الثلاثة، صدقوا، لماذا؟ لأنه لم يحدث مقاومة.
تحرك الجيش المصري أعلنوا: “أننا سنحارب إسرائيل ومن وراء إسرائيل -في مؤتمر صحفي- وتجوع يا سمك، في البحر سنقذفهم، أم كلثوم ستغني لك في تل أبيب، الجيش تحرك، مكث في سيناء شهراً كاملاً والأغاني توجه للجيش، أم كلثوم معك في المعركة، عبد الحليم معك في المعركة…” إلى آخره.
للأسف ما سمعنا مرة واحدة: الله معك في المعركة!
قُدمت التقارير للرئيس عبد الناصر أن الهجوم يوم الاثنين، لم يحرك ساكناً ولم يغير شيئاً، الجيش في الصحراء ما اتخذ خنادق دفاعية، حتى خنادق! الجندي المفروض أن يحفر خندقاً، ما حفروا خنادق!
واحد سأل الرئيس قال له: أنتم ستحاربون إسرائيل؟ قال له: “أنت فاكر أنا سنحارب؟ دي كلها مظاهرة سياسية”.
في الجولان أُمرت الدبابات بالانسحاب، يقول تشرشل: “في الوقت الذي كانت آلاف الأطنان تُقذف من المدفعية السورية على القش اليابس والأعشاش الفارغة في المنطقة المحتلة في إسرائيل، كانت جرافات البلدوزر الإسرائيلية تشق طريقها صاعدة للجولان أمام الدبابات الإسرائيلية”. قال: “وحصل أثناء انسحاب الدبابات أن تعطل جنزير إحدى الدبابات، فوجّه قائد الدبابة فوهة المدفع نحو الدبابات الصاعدة للجولان وأصابت ستة منها، وأعاق تقدم إسرائيل في ذلك المحور ثمان ساعات”.
دبابة خربة أوقفت تحرك الدبابات الإسرائيلية ثمان ساعات!
يقول رئيس وزراء الأردن سعد جمعة الذي كان رئيس الوزراء أثناء المصيبة الكبرى التي سميت فيما بعد “نكسة” يعني شوية رشح، يقول: “اتفقنا نحن وسوريا على أن تغطينا جواً” هذا رئيس وزراء الأردن، هذا رجل تاب وتكفيراً عن سيئاته التي تحملها تاب إلى الله بفضح كل الذين كانوا معه، العمالة الخيانة على كل الجبهات، فكتب عدة كُتب أبرأ إلى الله ذمته قبل أن يموت، كتب (الله أو الدمار) وكتب (أبناء الأفاعي) وكتب (المؤامرة ومعركة المصير) وكتب… كلها تنفيساً عن الآلام التي رأها في المعركة ولذلك الرجل مات، أصابه تصلب في الشرايين، ما صدّق الذي يراه.. ما صدّق، فكفّر عن سيئاته بأن أعلن ما رأى. يقول: “كان المفروض سوريا أن تغطينا جواً، فاتصلنا بهم الساعة الحادية عشر صباحاً”، قال: اتصلنا بالرئيس عبد الناصر: إيش الوضع؟ أولاً الرئيس عبد الناصر قال: أسقطنا ثلثي طائرات العدو، طائراتنا فوق تل أبيب شد حيلك يا جلالة الملك، التوقيع: سلمى، حتى كان اسم عبد الناصر في الشيفرة سلمى ليس سلمان، وهذه البرقية للأسف قد التقطتها إسرائيل. وأنا كنت أثناء المعركة في الضفة الغربية والطائرات تضربنا وكل ساعة تعيدها المحطة الإسرائيلية، أسقطنا ثلثي طائرات العدو، طائراتنا فوق تل أبيب، شد حيلك يا جلالة الملك، التوقيع: سلمى، الساعة إحدى عشر كان الطيران المصري قد دُمر، ولا طائرة وصلت الحدود الإسرائيلية! ولذلك الأردن دخلت المعركة الساعة الحادية عشر على أساس أن طائراتهم فوق تل أبيب. يقول: اتصلنا بالقيادة السورية قال: امهلونا ساعة، الساعة إحدى عشر، الساعة الثانية عشر، قال: امهلونا ساعة، قال: ولا زلنا ننتظر الجواب حتى الآن.
قال: وإذا بالقضية أن إسرائيل أرسلت برقية للسفير الأمريكي في دمشق قالت له: قل للقيادة القُطرية- لأن البعث عنده القيادة القطرية (ن ق ط2) ونصف قطريه وما إلى ذلك، فاتصل بقيادة النصف قطرية حتى يطلع محيط الدائرة- قل لهم: أن في سوريا تجربة علوية اشتراكية نحن نعطف عليها ولا نريد ضربها، فإذا وقفت سوريا موقف الحياد لن نمس حدودها، قالوا للسفير الأمريكي: نحن مستعدون، قل لإسرائيل لا يضربونا ولا نضربهم. ولذلك أعلن مندوب سوريا سقوط القنيطرة في الأمم المتحدة، والمندوب الإسرائيلي قال: لا لم نصل القنيطرة بعد، قالوا: ما وصلتوها؟ قال: لا ما وصلناها بعد. والقنيطرة كان محافظها عبد الحليم خدام وزير الخارجية السوري الآن وسحب منها، أمر بالانسحاب وبالخروج، ثم كوفئ أن يكون وزيراً للخارجية بعدها، لأنه اشترك في المؤامرة.
الأردن أرسلت كم دبابة على أعين الناس وجنودهم انسحبوا من المسجد الأقصى وما إلى ذلك، دخلوا يوم الاثنين الساعة إحدى عشر في المعركة، ثاني يوم العصر أعلنوا: أنا نحن اضطررنا أن ننسحب إلى خط الدفاع الثاني. أنا ظننت خط الدفاع الثاني انسحاباً من القدس إلى شعفاط، بيت حنينا أو حي الشيخ جراح، وإذا بخط الدفاع الثاني جبال السلط! سقط المسجد الأقصى سنة 1967م ودخل اليهود فيه وكنت أنا هناك، يعني حصل الاحتلال وأنا في الضفة الغربية، ودخلوا وصاروا يصيحون فيه وأنا أسمع: “محمد مات، مات وخلف بنات”. وأعلن ديان (من أورشليم إلى يثرب).
نرجع إلى الجيش المصري: الدبابات الإسرائيلية مشت حتى احتلت القناة، بقي الجيش المصري كله في الصحراء، ومات قسم كبير جوعاً وعطشاً، وسمحت للصليب الأحمر أن ينقذ الجيش المصري، وسمح اليهود للجنود الذين يريدون أن يرجعوا إلى القاهرة بالرجوع، وأُخذ آلاف الأسرى وعندما أرسلوهم إلى تل أبيب سألوهم: أين أنتم؟ طبعاً كانت أعينهم ملفوفة، قالوا: لا ندري، قالوا لهم: أنتم في تل أبيب الآن وأم كلثوم ستغني لكم في تل أبيب، وغنت أم كلثوم في تل أبيب!
انتهت معركة 1967م بهذه الهزيمة الشنيعة التي لم يشهد التاريخ لها نظيراً، وكانت هنالك حفنة من الفدائيين اسمها “فتح”، وأمام هزيمة الدول العربية جميعاً أعلنت “فتح” أنها تريد أن تقاتل اليهود، فمن أراد أن يتقدم فليتقدم، يا مسلمون تقدموا.. يا عرب تقدموا، مَن أراد أن ينقذ فلسطين فليتقدم! ما تقدم أحد إلا الشباب الصغار الساقطين في الثالث الإعدادي معظمهم هاربون من التجنيد الإجباري، جاءوا.. والحقيقة توسعت هي أمام هذا الظرف وأمام الحاجة وسعت كوادرها: يا مسلمون تقدموا، ما تقدم المسلمون! يا عقلاء تقدموا، ما تقدم العقلاء!
بعد سنة من 1967م حاول المسلمون، طبعاً المسلمون نائمون، الحركة الإسلامية مضروبة في مصر.. كان سيد قطب قد أُعدم قبلها، قبل النكبة بتسعة أشهر أُعدم، 17 ألف في السجن أشغال شاقة مؤبدة وصدر القرار: ممنوع خروج أي واحد من الحركة الإسلامية من السجن، مَن أنهى مدته يجب أن يُنقل إلى الاعتقال الاحتياطي.
في سوريا قلنا: حزب البعث مستولٍ فيها ويذيع:
آمنت بالبعث رباً لا شريك له وبالعروبة ديناً ما له ثاني!
في الأردن؛ حاولت الحركة الإسلامية أن تلم شعثها وتلف جراحها، وطاف المسؤولون فيها وفي العالم الإسلامي، في العالم العربي: يا أيها المسلمون استيقظوا، فلسطين، ولكن المسلمين يغطون في نوم عميق وسبات له غطيط.. راحت تقدمت مجموعات قليلة، هذه المجموعات كانت قد سُبقت بكوادر فتح، بكوادر الجبهة الشعبية الديمقراطية “نايف حواتمة”، أو بكوادر الجبهة القومية لتحرير فلسطين لجورج حبش، وكل واحد يمد من جهة من الجهات، عبد الناصر يتبنى جورج حبش، وكل بلد قدمت مجموعات منها مجموعات لا دينية، تبنت سوريا الصاعقة السورية، وتبنى العراق كذلك الصاعقة العراقية، وكل جاءوا إلى الساحة الأردنية الفلسطينية حتى ينشروا مبادئهم.
المسلمون في هذا الجو ما استطاعوا أن يرفعوا لافتة معلنة باسم الإسلام، نظروا في الساحة، أي اللافتات أقرب لدين الله أو أقل كفراً أو إجراماً أو أقل سوءاً؟ وجدوها “فتح”، فقالوا لفتح: نحن نعمل تحت شعاركم بشرط أن تكون قواعدنا وسلاحنا وكل شيء منفصلاً عنكم، قالوا: طيب. ذهبنا للمعسكر مثل معسكرات التدريب، ومكث التدريب أربعة أشهر، طبعاً الإنسان منّ الله عز وجل عليه بنعمة تذوق الجهاد، أربعة أشهر أنا ما أذكر أني شبعت إلا مرة واحدة أبداً، طيلة الأربعة أشهر: نصف رغيف في الصبح، الظهر، المغرب، من هذا الذي تنفخ عليه يطير عمل الأسواق الخبز الشامي، وتقف أمام تنكة الزيتون يعدلك عشر حبات زيتون وتمشي بدون شاي، فكركم مثلكم يبقى يشرب شاي حتى يطلع من أنفه!
نعم فعلاً كنا نعاني كثيراً من الجوع، ولكنها كانت متعة بل من أمتع أيام الحياة، كان الواحد منا يحس أنه ملك.. أنه فوق الناس أجمعين، أنه قد تحرر من كل شيء، ليس لأحد سلطة عليه، بالإضافة إلى هذا شعوره برضا رب العالمين عليه أضفى على الجو سكينة وطمأنينة ومحبة لا نظير لها، وبأنه لا يوجد في الساحة غيرنا، لا يوجد أحد ينكد عليك من المسلمين، يقول لك إنك كذا واتجاهك كذا وعقيدتك كذا وبدعك كذا، الحمد لله لا يوجد غيرنا من المسلمين فكنا نشعر بالراحة.
الشيء الوحيد الذي كان يعكر علينا هو وجود قواعد العلمانيين الذين حولنا، الديمقراطية والجبهة الشعبية، شعب الضفة الشرقية مثل هذه المنطقة، مناطق قبائل ومثل أهل أفغانستان عندهم نخوة ورجولة، بداوة، احتضنونا.. فتحوا لنا بساتينهم لأن قواعدنا ما كانت بهذا كنا نبحث عن مغاور، نعيش في المغاور كل مجموعة تعيش في مغارة، لكن هذه المغارة عندما دخلناها أذكر أني قلت لهم: ﴿فَأۡوُۥۤا۟ إِلَى ٱلۡكَهۡفِ یَنشُرۡ لَكُمۡ رَبُّكُم مِّن رَّحۡمَتِهِۦ وَیُهَیِّئۡ لَكُم مِّنۡ أَمۡرِكُم مِّرۡفَقࣰا﴾ [الكهف: ١٦].
الجيش الأردني على الحدود مثل الجيش الباكستاني، كانوا يعرفوننا وكانوا يسموننا “الشيوخ”، وكانت قواعدنا تُسمى قواعد الشيوخ، ولا زالت أذكر آمر اللواء، هنالك ثلاث كتائب تحمي الأغوار، آمرها رجل بدوي اسمه خلف رافع، رجل عنده بداوة ورجولة البداوة ونخوة البدوي، فكان إذا لقي واحداً منا يوقف سيارته يقول: في خدمة يا مشايخ. أي شاب صغير منا يقول: جزاك الله خيراً. ويمشي.
كان الجيش يحترمنا على خلاف الناس الآخرين، حقيقة الناس الآخرين أساءوا جداً إلى الجيش، كان الجيش على الحدود في الضفة الشرقية فيأتي واحد منهم، يسألهم القائد، قائد الكتيبة، والله مساعد القائد يعني هو الذي يتألم وهو فلسطيني، فلسطيني يحب الجهاد في فلسطين، يسألهم: أين يا شباب؟ كل واحد لابس المبرقع الصاعقة لباس الصاعقة بكتفه كلاشنكوف وحاملين الدوشكة في السيارة وزيكويك نفس الأسلحة الروسية، أين يا شباب؟ يقولون: عملية. يقول: إن شاء الله في دخول عبر النهر؟ يقولون: ما دخلك! قال: اسمعوا.. تريدون أن تدخلوا عبر النهر أنا أحميكم وأطلق لكم المدفعية قنابل الغاز حتى تنسحبوا تحته، أما أن تعملوا العملية من شرق النهر وتطلقوا على الهواء وتحرقوا الهواء، والصبح تخرج الطائرات الإسرائيلية تحرقنا وتدفنا في الأرض، فهذا لا نقبله!
يأتي واحد منهم -شباب صغار بلا أدب ولا إسلام- يقول له: أصلاً أنت عميل مثل ملكك! طبعاً ما في أي سلطة عليهم أبداً، مثلك هنا هل يوجد سلطة عليك؟ أبداً، لكن نحن هنا نعمل للإسلام، يمنعنا أن نتلفظ بالألفاظ البذيئة أو نتطاول على الناس، فإذا زاد القائد الكلام يبصق في وجهه! الشاب الصغير هذا في وجه القائد! فإذا زاد ينبطح على الأرض ويسحب الأقسام على القائد ويطلق عليه النار ويقتله، ولا شيء، واحد مستهتر لا التزام ولا شيء.
الحقيقة كانت نظرتهم لنا غير نظرتهم لأولئك الشباب، لما نمرّ يقولون: المشايخ إلى أين؟ نقول: عملية. يقولون: شرق النهر أم غرب النهر؟ نذكر له أين خطتنا فيقول: أنتم صادقون تفضلوا.
كانوا يحترموننا احتراماً كبيراً.. أذكر مرة عملنا عملية وكانت من شرق النهر، كانت دورية تمر على النهر من الغرب، نحن نصبنا لها كميناً شرق النهر وضربناها الحمد لله، يعني أصابت منهم، وخرجت الطائرات وضربتنا والمدفعية بقيت تضرب علينا، نحن لا نستطيع أن ننسحب، نحن على حافة النهر لا نستطيع أن نتحرك أبداً، طائرات تضرب، مدفعية تضرب، فبقينا حتى المغرب تحت عبارة جسر صغير، في أثناء المعركة جُرح اثنان من إخواننا والاثنان من سوريا، نرجو الله أن يجزيهم خير الجزاء، قائد الكتيبة جاء في وسط القنابل وأخذ أخانا الجريح ووضعه في سيارته، وجُرح القائد قائد الكتيبة، كتيبة الجيش، جرُح ولكنه التقط أخانا ووضعه في سيارته ونقله إلى المستشفى في المدينة، أذكر يومها انتظر الجيش حتى غربت الشمس، وإذا بهم فوق رؤوسنا ونحن جرحى مع أسلحتنا، لا نستطيع أن نحملها لا نستطيع أن نحمل أخانا الجريح، فحملوه، وحملوا أسلحتنا وكانوا قد أعدوا لنا عشاء فاخراً ما ذقت مثله أبداً طول حياتي في القواعد، وأركبونا بسياراتهم ومشوا.




