
قصة محامي هرتزل
نوفمبر 16, 2025
الاحتلال يقصف القطاع والمنخفض الجوي يفاقم معاناة النازحين
نوفمبر 17, 2025ديفيد ماكدوَل
مؤرخ بريطاني*
| نُشر هذا المقال قبل ثلاثين سنة لكن فكرته لا تزال صحيحة، فالآن وبعد كل ما حصل من تطورات لا تزال نسبة العرب في فلسطين التاريخية -من البحر إلى النهر- تتفوق على نسبة اليهود (نحو 56% للعرب مقابل 44% لليهود). وقد قام الطوفان بعمل ضخم للغاية معنوياً في هدم ثقة اليهود بمستقبلهم في هذه الدولة وإمكانية بقائهم في هذه الأرض.. لذلك ننشر هذا المقال لإدارك قوة المعضلة الإسرائيلية، وحجم التأثير غير المنظور والجوهري الذي أحدثه الطوفان المبارك. [مجلة أنصار النبي] |
جلبت الانتفاضة التي اندلعت في كانون الأول من عام ۱۹۸۷، إلى مركز الاهتمام، مشاكل ذات حجم وتعقيد كبيرين تواجه (إسرائيل) الآن، وإذا قارناها بالمشاكل التي يواجهها الشعب الفلسطيني -وهي كبيرة أيضاً- إلا أنها تبدو بسيطة عند المقارنة!
فالفلسطينيون يريدون تقرير المصير لشعبهم الذي يعيش حالياً في فلسطين وفرصة العودة للذين يعيشون خارجها، وعليهم إما أن يقنعوا إسرائيل بالخضوع لمطالبهم، وإما أن يتخلوا عن هُويتهم الخاصة، إن الاختيار لديهم واضح وليس لديهم الكثير مما يفقدونه، ويضع أبا إيبان في كتابه الدبلوماسية الجديدة The new Diplomacy الصادر في لندن ۱۹۸۳ مسؤولية مصير الأراضي الفلسطينية المحتلة على الطرف الفلسطيني بشكل حاسم. ويقول فيه: “في آخر المطاف تنهض القضية العربية في الضفة الغربية وغزة أو تسقط بقرار الفلسطينيين العرب”.
إن حكماً كهذا لا بد أن يكون موضع شك بالنظر إلى الظروف الحالية التي تواجه إسرائيل؛ إذ أن عليها أن تقرر الآن ما الذي ستفعله مهما يكن سبب رفضها التحدث مع منظمة التحرير الفلسطينية، واستمرار احتفاظها بالمناطق التي احتلتها.
ولم يعد اليهود الإسرائيليون اليوم ينعمون بالحقائق البسيطة التي عملت على ترحيلهم إلى فلسطين عام ١٩٤٨ والتي تعمل على ترحيل فلسطينيي المناطق المحتلة اليوم. وهم مطوقون بالتناقض بين العقيدة الصهيونية وتنامي الوقائع وبالاختيارات الأساسية التي عليهم أن يتخذوها لتحديد مصير فلسطين وسكانها، وهو موقف لا يحسدون عليه ولا يمكن اتخاذ قرارات تتعلق بالفلسطينيين العرب دون أن تكون ذات علاقة بالفهم الذاتي الإسرائيلي وبمستقبل الصهيونية.
كانت الصهيونية هي القوة التي قادت إلى خلق إسرائيل، والإيمان بأن عودة اليهود من الشتات سوف تنقذهم من خطر حكم الوثنيين ومن معاداة السامية ومن التمثل، وأنها سوف تتيح لهم الفرصة للمرة الأولى منذ ألفي عام لخلق مجتمع يهودي كامل بروحه وسماته الخاصة، وكان العامل الحرج الذي دفع إلى ذلك هو المذابح ضد اليهود، والسياسة المعادية للسامية التي انتهجها قياصرة روسيا والتي سببت نزوح ثلاثة ملايين يهودي نحو الغرب خلال سنوات 1822-1914، وذهب القسم الأكبر من هؤلاء إلى العالم الجديد والبعض الآخر إلى أوروبا الغربية والوسطى، وثمة فئة صغيرة فقط ذهبت إلى فلسطين، وهؤلاء الذين اختاروا أن يبنوا (اليشوف)1 كانوا من العلمانيين، ولم تكن اليهودية هي التي حركتهم بل مناخ القرن التاسع عشر في أوروبا والنزعة القومية لتحقيق مطلب التقرير الذاتي للمصير والتحرر في ظل الشروط الجديدة من العلمنة والليبرالية.
كانت الصهيونية في أول أمرها تؤمن بأن الأمة اليهودية يجب أن ترتكز على التضامن أكثر مما ترتكز على الأراضي، لكن مذابح عام ۱۸۸۱ ضد اليهود بدلت من هذا التفكير فتحول إلى طموح لبناء دولة يهودية في فلسطين. وكان هذا هو حلم تيودور هرتزل أب الصهيونية الحديثة، والذي كان أعظم إنجازاته جعل الحلم الصهيوني مركز التفكير السياسي اليهودي.
وكان من المحتم أن رؤية بناء مجتمع جديد يهودي تماماً يمحو التشويه البغيض الذي عانى منه يهود أوروبا، تجتذب اليهود الاشتراكيين من كل لون، ومنهم الذين أيدوا تأييداً واسعاً فكرة الانعتاق من خلال العمل. أما بالنسبة لبعض المفكرين الاشتراكيين الذين كانوا يشاركون بير بورخوف وجهات نظره فكان ذلك جزئياً مسألة حرب طبقات، أما بالنسبة لآخرين من أمثال المنظر (آحاد هاعام) فكانت مسألة تحرير اشتراكي عالمي، أما بالنسبة لمعظم الصهاينة من (جماعة العمل) فقد كانت محاولة خلق بنية تحتية اقتصادية من أجل طائفة يهودية في فلسطين تأسست على العمل اليهودي الخاص، وكان أعظم محامي هذه النظرة دافيد بن غوريون الذي كان يرى الاستقلال الاقتصادي اليهودي وكأنه الشرط الأساسي المسبق للاستقلال السياسي. وقد أنجزت حركة العمل الصهيوني هذا الشرط المسبق بصورة درامية في فلسطين أثناء فترة الانتداب ۱۹۲۰-١٩٤٨.
الحاجة إلى أكثرية يهودية
أكدت الصهيونية منذ البداية على عدة مبادئ وكانت فكرة خلق أكثرية يهودية في فلسطين بين أكثرها أهمية؛ فالطائفة اليهودية إذا ظلت أقلية في فلسطين سوف تفقد معناها وتصبح مثل الجاليات اليهودية في الشتات. لقد كان الوصول إلى الأكثرية أمراً ضرورياً من الناحية السياسية وقد قال موشي شاريت زميل بن غوريون: “إن تأسيس جالية يهودية كبيرة بما فيه الكفاية يعطي العرب شعوراً دائماً بالاحترام”. ويعتبر الصهاينة جميعاً من الناحية الفعلية أن الأكثرية اليهودية مطلب مطلق لا غنى عنه للصهيونية، بغض النظر عن الاختلافات حول كيفية التعامل مع الحضور العربي في فلسطين.
ويبقى الوصول إلى هذه الأكثرية موضع شك اليوم على الرغم من تدفق اليهود الدرامي من الاتحاد السوفياتي وإثيوبيا في عام ۱۹۹۰ و۱۹۹۱. وتظل الهجرة غير كافية للتغلب على الزيادة السكانية عند العرب.
كان المعدل العالي للمواليد عند العرب موضوعاً لتعليقات متكررة ومجادلات في الدوائر الصهيونية لأكثر من نصف قرن، وخصوصاً في أوقات انخفاض القدوم إلى إسرائيل أو الهجرة، وقد اعترف حاييم وايزمن في وقت مبكر منذ عام ١٩٢٤ بضخامة التحدي المطروح فكتب إلى صديق له: “اليوم فقط تلقيت الإحصاءات الصحيحة من فلسطين، إن التزايد الطبيعي في أوساط السكان العرب بلغ نحو خمسة عشر ألفاً في السنة، وبلغ عدد اليهود الذين جُلبوا في العام الماضي عشرة آلاف؛ فكيف يستطيع شعب أن يتكلم بأية حال عن تشكيل أكثرية إذا لم يقدموا كل ذرة يملكونها من القدرة لإعطائنا وضعاً خاصاً في فلسطين”؟
وعندما اقترب قدر فلسطين من لحظة الأزمة عام ١٩٤٣ دعا بن غوريون الآباء للنهوض “بواجبهم السكاني (الديمغرافي)”، مشدداً على أن نسبة ۲٫۲ طفلين واثنين في العشرة للأسرة الواحدة نسبة غير كافية وأن السكان اليهود في فلسطين في حالة من الانحدار الديمغرافي.
وبعد حرب ١٩٤٨، وخروج معظم العرب تقريباً من فلسطين ومع تكاثف الهجرة اليهودية إلى فلسطين بدت مشكلة معدل المواليد أقل حدة، حتى أن بن غوريون بادر إلى رصد مكافأة عام ١٩٤٩ للأمهات اللواتي يحملن بالولد العاشر، وقد انتهى المشروع بعد عشر سنوات حين ظهر تناقضه مع الهدف بسبب عدد الأمهات الفلسطينيات اللواتي طلبن الحصول على المكافأة، وقد تجدد الاهتمام بنسبة المواليد في الخمسينيات ومطلع الستينيات، وفي عام ١٩٦٦ كتب الأستاذ روبرتو باشي تقريراً إلى مجلس الوزراء قال فيه: إن اليهود سيكونون في نهاية القرن أربعة ملايين ومئتي ألف، والعرب في إسرائيل مليوناً وستمائة ألف، وقد تأسس بناء على تقريره مركز سكاني حكومي عام ١٩٦٧ لأن “النمو في نسبة المواليد في إسرائيل مسألة حاسمة بالنسبة لمستقبل الشعب اليهودي كله”.
ولم يتحقق التزايد على الرغم من النداءات المتكررة من قبل السياسيين ومن القلق الذي عبرت عنه غولدا مائير حول عدد الأطفال العرب الذين ولدوا في (أرض إسرائيل)، وفي أثناء أعوام الهجرة الكثيفة ١٩٥٠- ١٩٥٣ كان معدل المواليد اليهود ٣,٥٪، أما في مطلع أعوام السبعينيات فقد هبط إلى %3 وفي نهاية السبعينيات انحدر إلى 2.8%، وهذا المستوى أعلى بشكل أساسي من معدل ۲٫۲ في البلدان الغربية الصناعية ولكنه لا يقارن مع معدل المواليد العرب الذي زاد عن 4%، وفي نهاية عام 1985 دعا عضو الكنيست عن الليكود مايركوهن أفيدور إلى سنة من “الهجرة الداخلية”، وهي كناية ملطفة عن الحاجة إلى مزيد من الأطفال: “يجب أن يكون هدفنا 100.000 مولود إضافي في إسرائيل خلال العام القادم وبهذا سيفوق عددنا عدد المهاجرين إلينا في عقد واحد”.
ولا تقتصر الجهود المبذولة للإكثار من عدد المواليد على اليمين الإسرائيلي؛ إذ اجتمعت حكومة الوحدة الوطنية في ١١ أيار/ مايو 1986 خصيصاً لمناقشة الوضع السكاني، وكان عدد المواليد العرب الفلسطينيين قد بلغ في ذلك الحين ستين ألف طفل سنوياً في فلسطين مقابل خمسين ألف طفل يهودي سنوياً، وقد ناشد رئيس الوزراء بيريز في حديث له إلى الإذاعة الإسرائيلية الأمهات كي ينجبن أربعة أطفال على الأقل، وأكد من جديد الضرورة القصوى لبقاء اليهود أكثرية.
كانت الدياسبورا أو الشتات اليهودي هي المنبع الأول والاختياري للدولة اليهودية، وكان تجميع يهود العالم الهدف المركزي الآخر للصهيونية والغاية النهائية بعد إقامة الأكثرية اليهودية في البلاد، وكان كثير من الصهاينة يعتقدون أن أولئك الذين فشلوا في المجيء إلى إسرائيل تبقى يهوديتهم غير مكتملة حتى أن ناحوم غولدمان الذي يختلف في الرأي مع وجهة النظر الصهيونية الواسعة الانتشار، والتي ترى أن الشتات يجب أن ينتهي وجوده بفعل هجرة كل اليهود إلى فلسطين، يقول بكل وضوح: “إن فلسطين والشتات هما شكلان للوجود اليهودي، وفلسطين هي الأسمى والأنقى والأكثر انسجاماً، والشتات هو الأصعب والأكثر إشكالية وخصوصية، ولكن الشعب اليهودي يشكل وحدة موجودة في العالمين كليهما”.
وتتوقف الهجرة على عاملين:
- أولهما: قوة الدفع التي تسببها أزمات اللاجئين اليهود.
- وثانيهما: قوة الجذب التي تقدمها إسرائيل في اتجاه مستقبل جديد.
وفي عام ١٩٤٩ غمرت الهجرة إسرائيل تقريباً لكنها لم تستمر على المنوال نفسه؛ فمنذ سنة ١٩٤٨ حتى سنة ١٩٦٠ جاء إلى إسرائيل للعيش فيها ۸۷۰ ألف (ثمانمائة وسبعون ألفاً) وخلال العقد التالي ١٩٦١–١٩٧١ وصل ٣٣٨ ألفاً (ثلاثمائة وثمانية وثلاثون ألفاً)، وفي المرحلة من ۱۹۷۲– ۱۹۸۲ تناقص العدد مرة أخرى إلى النصف فأصبح ١۷۸ ألفاً (مائة وثمانية وسبعون ألفاً).
وكانت إسرائيل منذ أعوام السبعينيات بحاجة إلى هجرة تقارب ستين ألف يهودي لكي تحافظ على النسبة بين اليهود والعرب في فلسطين، إلا أنها عانت في سنوات الثمانينيات من أسوأ مستوى للهجرة سبق لها أن عرفته، وفي الولايات المتحدة حيث يقيم ستة ملايين يهودي تقريباً -أي ثلثا الشتات اليهودي أو أقل بقليل من نصف يهود العالم- هناك تقرير عنهم عام ١٩٨٢ يكشف عن أن ثمانين بالمائة من اليهود الأمريكيين ينفون أن تكون لديهم أية اعتبارات جدية للإقامة في إسرائيل.
وفي عام ١٩٨٤ كان هناك تسعة عشر ألف مهاجر يهودي إلى إسرائيل لكن ذلك كان أمراً استثنائياً مع أن عشرة آلاف نزحوا عنها أيضاً. وكانت السنة التالية هي الأسوأ في سجل الهجرة إذ قدم اثنا عشر ألف مهاجراً وغادر ما يقرب من سبعة عشر ألف نازح، وكان النقص الصافي أربعة آلاف وخمسمائة نازح، ويمثل النزوح الكبير ضياعاً أساسياً للاستثمارات التي أنفقت على الشباب، وقد غادر إسرائيل في أعوام 1981-1985 خمسة وعشرون ألف طفل مع آبائهم من أصل مئة وعشرة آلاف إسرائيلي حصلوا على جنسية الولايات المتحدة الأمريكية حتى عام ١٩٨٦، ومنهم ثمانية وسبعون بالمائة تخرجوا من المدارس العليا الإسرائيلية.
إن النزوح قضية حساسة وبلغت أقصى ارتفاع لها في مطلع الخمسينيات أثناء فترة الهجرة الكثيفة، وكان مجالها في معظمه بين القادمين الجدد إلى إسرائيل ولم تعجبهم الظروف التي واجهوها، واستقر المستوى على حاله إلا أنه بدأ بالازدياد ثانية بعد عام ١٩٧٣ ويحدث النزوح اليوم بصورة رئيسية بين (الصابرا) -أي اليهود المولودين في إسرائيل- مما يوحي بأن التضامن الإسرائيلي في الدولة يزداد ضعفاً، وربما كان السبب الأعباء الاقتصادية والعسكرية التي تترتب بسبب الصراع العربي الإسرائيلي.
هاجر إلى إسرائيل بين أعوام 1967-1988 خمسمائة وستة أو ربعون ألف يهودي، إلا أن ثلاثمائة وخمسين ألفاً غادروها في الفترة ذاتها أي ما يعادل عشرة بالمائة من يهود إسرائيل غادروا بصفة دائمة، وهو رقم من المتوقع أن يتضاعف في نهاية القرن، ويدل استطلاع ظهر في منتصف الثمانينيات أنه في المجموعة التي تبلغ من العمر ١٨–٢٩ عاماً وهي السن التي يرجح فيها النزوح، على أن عشرين بالمائة يفكرون جدياً، أما بين طلاب المدارس العليا فقد كان الرقم أعلى من ذلك إذ بلغ 27%، في حين تعتبر الأكثرية العظمى من اليهود الإسرائيليين أن النزوح مضر بالبلاد فإن الخطر يكمن في أن عدداً متزايداً من اليهود، سوف يفضلون العيش مع جيران أوروبيين مسيحيين على العيش في هذه الدولة غير المستقرة مع جيران مسلمين.
أما إسحق رابين وهو المحارب المتمرس فيرى في النزوح “تساقطاً للضعفاء”، مع أن زملاءه في الحكومة لا يشاطرونه الرأي ذاته في النزوح، وقد عرضت الحكومة في عام ١٩٨٦ على ١٧,٥٠٠ إسرائيلي ممن غادروا البلاد عام ١٩٨٥ منحاً مالية تشجيعية لإغرائهم بالعودة.
وقد طرأ تغير ذو دلالة ما بين عام ۱۹٦٧ و۱۹۹۰ على نوعية اليهود الذين اختاروا الهجرة إلى إسرائيل، فقبل عام ١٩٦٧ لم يكن يحدو معظم المهاجرين الذين قدموا إلى إسرائيل حافز ديني مسيحاني مهما كانت دوافعهم. أما خلال الثمانينات فكان ثمانون بالمائة من المهاجرين من اليهود الأرثوذكس الممارسين لعباداتهم ومنهم قسم كبير من الولايات المتحدة. وكانت السمة الظاهرة التي لازمت هؤلاء المهاجرين الجدد من الولايات المتحدة أن نصفهم اختار العيش في مستوطنات في المناطق المحتلة، وقد ارتفعت نسبة المهاجرين الجدد إلى عشرين بالمائة من السكان المستوطنين.
إن انسحاباً إسرائيلياً من المناطق المحتلة سيكون بمثابة ضبط قوي لحركة الهجرة، وهي حقيقة أصبحت واضحة منذ أوائل السبعينيات (۱۹۷۰)؛ فمثل هذا الانسحاب أشبه برسالة إلى يهود الشتات تتعارض مع عقيدتين صهيونيتين أساسيتين:
أولاهما: أن الدولة اليهودية قد تراجعت عن استعادة كامل أراضي إسرائيل.
والثانية: أن جمع شتات الشعب اليهودي لم يعد هدفاً إسرائيلياً رئيسياً.
ومن جهة أخرى يبدو من المرجح أن الفشل المستمر في تقرير مصير الأراضي المحتلة وحل مسألة الحقوق السكانية والسياسية بين اليهود والعرب لن تشجع على استمرار الهجرة، وقد ذكر بن غوريون منذ ستين عاماً بأن: “شعور اليهود بأنهم يجلسون فوق فوهة بركان قد يقوض الحركة الصهيونية بأكملها فسوف يرى اليهود في البلاد ساحة حرب وليست ملاذاً يلجأون إليه”.
إن الفشل في إيجاد حل للأراضي المحتلة سيشجع عدداً أكبر من اليهود على النزوح، حتى لو غضضنا النظر عن الانتفاضة، إنه سيف ذو حدين، وقد لخصت مقالة تحمل عنوان (الانفصام القومي في إسرائيل) المشكلة بدقة؛ إذ عرضت أن “إسرائيل التي تقدم نفسها وكأنها حامية حمى يهود العالم، تمثل شذوذاً كاملاً عن المجموعة الدولية، وأن صراعها المطول الذي لا تبذل جهداً يذكر لإنهائه يلحق الضرر بالجماعات لليهودية في شتى أنحاء العالم، فهم ليسوا مهددين بأية عدوانية من الشعوب التي يعيشون بين ظهرانيها بل هم مهددون بالصراع المتطاول القائم بين إسرائيل والدول المجاورة لها”.
وبدأ اليهود السوفييت في نهاية ۱۹۸۹ بالهجرة بأعداد كبيرة وظن البعض في بادئ الأمر أن ذلك قد يحل المشكلة السكانية مع الفلسطينيين، ومع نهاية عام ١٩٩١ وصل أربعمائة ألف يهودي وكان من المتوقع أن يصل هذا الرقم في نهاية القرن إلى مليون مهاجر، ولكن نسبة اليهود في أرض إسرائيل لن تتعدى على الرغم من هذا التدفق الهائل نسبة 59.5%، كما أن نسبة اليهود في دولة إسرائيل ذاتها والتي تبلغ 81.5% (عام ۱۹۸۹) سوف تتناقص بنسبة 0.5% ولن تتمكن هجرة مليون يهودي من زيادة نسبة اليهود في أرض إسرائيل إلى أكثر من 62%، وفي دولة إسرائيل 84%. إلا أن معدل الهجرة في بداية عام ۱۹۹۲ هبط إلى 50%، أي إلى معدل 5000 مهاجر في الشهر الواحد.
وتواجه إسرائيل سلسلة من المشكلات السكانية الجذرية التي ليس لها حل واضح؛ فالمليون يهودي الذين هاجروا من الاتحاد السوفيتي كانوا جميعاً فوق الخمسين كما ذكرت التقارير، وسيظل المهاجرون اليهود يفضلون إيجاد ملاذ بديل عن إسرائيل كالولايات المتحدة مثلاً أو بعض دول أمريكا اللاتينية أو حتى ألمانيا، كما أن إسرائيل نفسها قد بلغت الحد الأقصى لطاقة استيعابها الاقتصادي حالياً مع وجود نحو ٤٠٪ من المهاجرين الجدد العاطلين عن العمل، وإن نحو ٩٠ ألف يهودي ممن حصلوا على تأشيرات خروج ما يزالون مترددين في الهجرة إلى إسرائيل.
ومن المرجح أن يسارع الضغط الاقتصادي والمنافسة المتزايدة على فرص العمل من نسبة النزوح، خاصة بين المهاجرين الجدد وكذلك بين الصابرا المولودين في إسرائيل، وما لم تتمكن إسرائيل من اجتذاب نسبة أكبر بكثير من اليهود الشبان فسوف تتلاشى الهجرة الجديدة أمام المعدل الأعلى للمواليد العرب، وقد فاق مجموع عدد الفلسطينيين عدد اليهود تحت سن الحادية عشرة في جميع (أرض إسرائيل) عام ۱۹۹۲، ويشكل الفلسطينيون ضمن دولة إسرائيل نفسها نسبة تتزايد بسرعة كبيرة من مجموع الشبان تحت العشرين فهم يمثلون ٢٥٪ من مجموعة الأعمار هذه وقد يصلون إلى ٣٠٪ مع مجيء عام ٢٠١٠.
إن الفشل في ضمان أغلبية أكيدة في (إسرائيل) يترافق مع مشكلة أكبر وهي النقص العام في عدد يهود العالم؛ إذ نقص عدد يهود العالم نتيجة فقدان نحو ستة ملايين يهودي في المذابح النازية؛ فأصبح ۱۱ مليون يهودي في عام ١٩٤٥، وازداد العدد إلى ١٣ مليون عام ۱۹۷۰، ولكنه انخفض ثانية عام ۱۹۸۷ فأصبح ۱۲٫۸ مليون نتيجة معدل مواليد الشتات الذي بلغ ۱٫۲٪، وهو أقل بكثير من معدل سداد النقص (الذي هو 2.1 في المائة). ويبلغ عدد يهود الشتات حالياً ۹٫۳ مليون وسوف يتناقص هذا العدد إلى 8 مليون أو أقل مع نهاية هذا القرن، وستكون نسبة التناقص أكبر بكثير بعد ذلك. ولم يكن من المستغرب في ضوء هذه التكهنات غير السارة أن تقام في القدس “مؤسسة عالمية لتشجيع السياسات السكانية اليهودية”، وذلك في تشرين الأول/ أكتوبر عام ۱۹۸۷ لجمع التبرعات لتمويل برامج لإقناع اليهود بإنجاب المزيد من الأطفال.
ويعيش نحو نصف يهود العالم في الولايات المتحدة، وهم يتميزون بمعدل ولادات قليل ونسبة تمثل عالية تصل إلى ٤ في الألف سنوياً. ومن المتوقع نتيجة لذلك أن ينخفض عدد المجموعة اليهودية الأمريكية التي تبلغ ستة ملايين يهودي حالياً إلى نحو ٤,٦ مليون مع نهاية هذا القرن.
كما تواجه إسرائيل احتمال تدهور الدعم السياسي والمالي من قبل يهود أمريكا، ومردّ ذلك في قسم منه إلى نقص عدد اليهود الأمريكيين، وفي القسم الآخر إلى الشعور بعدم الارتياح حيال ما يجري في الأراضي المحتلة، وبحسب تعبير مدير العلاقات العامة للصندوق القومي اليهودي فإن دائرة أنصار الصهيونية آخذة في التقلص. ويبدو أن الدعم اليهودي الأمريكي بدأ يضعف تدريجياً منذ أوائل السبعينيات وازداد هذا الضعف في الثمانينيات، وهناك شعور بعدم الرضا يتزايد بين صفوف اليهود الأمريكيين حيال إسرائيل؛ إذ يفضل نحو ثلثي اليهود الأمريكيين إقامة وطن للشعب الفلسطيني في الأراضي المحتلة، وهو عدد يزيد عما كان عليه عام ١٩٨٣ بنسبة 30%.
وتعد خسارة الدعم المالي اليهودي الأمريكي بالنسبة الإسرائيل أمراً يماثل في خطورته خسارة الدعم السياسي؛ إذ إن أشد أشكال المقاطعة الفعالة التي يمكن للمجموعة اليهودية الأمريكية القيام بها هي الامتناع عن ممارسة الضغط لاستمرار المساعدة الاقتصادية الأمريكية.
ـــــــــــــــــــ
* ديفيد ماكدوَل، “معضلة الدولة الإسرائيلية”، ضمن: ألبرت حوراني وآخرون (إشراف)، الشرق الأوسط الحديث، الجزء الرابع، ترجمة: أسعد صقر، ط1 (دمشق: دار طلاس، 1997م)، ص103 وما بعدها.
1 كلمة تُطلق على المجتمع الصهيوني في فلسطين قبل 1948 [مترجم الكتاب].




