
رمضان مغسلة للقلوب
فبراير 11, 2026
التفتيش في السجون الإسرائيلية
فبراير 12, 2026محمد فريد وجدي
صاحب: دائرة معارف القرن الرابع عشر الهجري*
كان الفلاسفة في القرون المتأخرة من الذين عنوا بالبحث في أصول الأديان واشتقاق بعضها من بعض، يقررون أن الإنسان الأول في سذاجته لم يستطع أن يدرك أن للكون إلهاً واحداً موصوفاً بجميع صفات الكمال، بل اعتبروا أن وراء كل قوة طبيعية إلهاً يدبرها، فجعلوا للهواء إلهاً، وللأرض إلهاً، وللبحر إلهاً، وهلم جرا؛ وتخيلوا بينها من العلاقات مثل ما بين الناس من قرابات ومصاهرات، بل واختلافات ودسائس وحروب.
على هذا جرى المصريون والهنود والصينيون وجميع من وصلنا تاريخهم من القدماء، وأشهر ما وصلنا عنهم تاريخ الآلهة عند اليونان والرومان. فكان الفلاسفة في العصور المتأخرة يزعمون أن الإنسان بدأ حياته الدينية وثنياً معدداً للآلهة، ثم ترقت فكرة الربوبية عنده يسيراً يسيراً، فاستحالت من مادية محضة إلى روحانية، ثم تدرجت من ذلك إلى التوحيد المشوب بشيء من التشبيه، ثم إلى التنزيه المطلق.
هذا الرأي كان من الآراء المقررة في الفلسفة، إلى حد أن واحداً من المشتغلين بهذا الأمر لم يجرؤ أن يبدي عليه نقداً أو اعتراضاً.
بقي هذا الرأي سائداً في أوروبا، حتى نبغ الأستاذ الألماني (ماكس موللر) صاحب المباحث المستفيضة في الأديان الشرقية، فأثبت بالدلائل القاطعة في كتابه (أصل الدين وترقيه) أن الإنسان عبد في أول أمره إلهاً واحداً منزهاً عن الزمان والمكان والجثمانية، وأن تعدد الآلهة والتشبيه عرضا على هذه العقيدة بعد التوحيد الخالص، دُفع إليهما الإنسان بخيالات ذاتية أو بتسويلات خارجية جاءته من رؤساء الأديان، كإرادة تصوير تلك الذات المجردة بصور مادية، وإحاطتها بأشكال رمزية، ثم طوح به الخيال إلى تسمية تدبيرها قوى الطبيعة المختلفة بأسماء شعرية، وأنس بهذه المجموعة التصورية أنساً دفعه إلى إحلالها محل عقيدة التوحيد والتنزيه. وجرى على ذلك أحقاباً نسي أخلافه فيها أصلها الأول، فقامت الأمم على هذه الوثنية وعمتها جميعاً.
فلما جاء الباحث العصري وجدها شائعة في كل مكان، وخاصة لدى الأمم المتوحشة، فقرر بأنها أصل الأديان، وأن التوحيد الخالص نشأ بعدها، زاعماً أن الإنسان ما كان ليستطيع أن يصل إلى دين حق وهو لم يخرج بعد من لفائفه الطفلية.
والذي حداهم إلى هذا الزعم أنهم في ماديتهم كانوا يجهلون أن للكون إلهاً قادراً، وكانوا يعتقدون أن الأديان ليست في حقائقها إلا ثمرات الخيال المحض، تورطت فيه الشعوب جهلاً بحقائق الوجود، ولو كانوا يعتقدون بالله لما طوح بهم الوهم إلى هذا الرأي.
فجاء اكتشاف العلامة (ماكس موللر) مقوماً لهذا العوج الفلسفي من جهة، ومقرباً للفلسفة الاعتقاد بالله من جهة أخرى، فإن الشعوب ما دامت لا تستطيع -في زعم الفلاسفة- أن تصل إلى عقيدتَي التوحيد والتنزيه بعقولها القاصرة وهي في عهدها الأول، فيكون في ثبوت وجود الدين الحق وهي في ذلك العهد دليل على أنها تلقته من خالق الكون نفسه بطريق الوحي، كما دلت عليه نصوص الكتاب الكريم.
أما الآيات الدالة على أصل الدين فهي آي كثيرة، منها قوله تعالى: ﴿فَأَقِمۡ وَجۡهَكَ لِلدِّینِ حَنِیفࣰاۚ فِطۡرَتَ ٱللَّهِ ٱلَّتِی فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَیۡهَاۚ لَا تَبۡدِیلَ لِخَلۡقِ ٱللَّهِۚ ذَ ٰلِكَ ٱلدِّینُ ٱلۡقَیِّمُ وَلَـٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا یَعۡلَمُونَ﴾ [الروم: ٣٠].
أبان الله تعالى في هذه الآية أن الدين الحق فطرة في كل نفس بشرية، فإذا كان الإنسان قد اتخذ بدله وثنية خيالية، فإنما حدث ذلك لخروجه عن تلك الفطرة.
وقوله تعالى: ﴿كَانَ ٱلنَّاسُ أُمَّةࣰ وَ ٰحِدَةࣰ فَبَعَثَ ٱللَّهُ ٱلنَّبِیِّـۧنَ مُبَشِّرِینَ وَمُنذِرِینَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ ٱلۡكِتَـٰبَ بِٱلۡحَقِّ لِیَحۡكُمَ بَیۡنَ ٱلنَّاسِ فِیمَا ٱخۡتَلَفُوا۟ فِیهِۚ وَمَا ٱخۡتَلَفَ فِیهِ إِلَّا ٱلَّذِینَ أُوتُوهُ مِنۢ بَعۡدِ مَا جَاۤءَتۡهُمُ ٱلۡبَیِّنَـٰتُ بَغۡیَۢا بَیۡنَهُمۡۖ فَهَدَى ٱللَّهُ ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ لِمَا ٱخۡتَلَفُوا۟ فِیهِ مِنَ ٱلۡحَقِّ بِإِذۡنِهِۦۗ وَٱللَّهُ یَهۡدِی مَن یَشَاۤءُ إِلَىٰ صِرَ ٰطࣲ مُّسۡتَقِیمٍ﴾ [البقرة: ٢١٣].
معنى هذه الآية: كان الناس في أول عهدهم أمة واحدة متفقين على دين الفطرة، وهو التوحيد والتنزيه، فاختلفوا، فبعث الله إليهم النبيين، وأنزل معهم الكتاب يرشدهم إلى الحق، وليحكم بينهم فيما اختلفوا فيه. وما اختلف في الكتاب إلا الذين أُعطوه، أي أنهم عكسوا الأمر، فجعلوا ما أُنزل لإزالة الخلاف سبباً لاستحكامه، تحاسداً منهم، فهدى الله المؤمنين للحق، والله يهدي من يشاء إلى صراط قويم.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ ٱلنَّاسُ إِلَّاۤ أُمَّةࣰ وَ ٰحِدَةࣰ فَٱخۡتَلَفُوا۟ وَلَوۡلَا كَلِمَةࣱ سَبَقَتۡ مِن رَّبِّكَ لَقُضِیَ بَیۡنَهُمۡ فِیمَا فِیهِ یَخۡتَلِفُونَ﴾ [يونس: ١٩].
فانظر كيف جاءت الفلسفة في القرن العشرين تقرر ما نص عليه القرآن قبل نحو أربعة عشر قرناً؟ وهذا قليل من كثير من معجزات الإسلام العلمية والفلسفية.
ـــــــــــــــــــ
* مجلة نور الإسلام (مجلة الأزهر)، المجلد الرابع، 1352هـ، ص409 وما بعدها





