
الاحتلال يشن حملة اعتقالات ويهدم منشآت في الضفة
نوفمبر 24, 2025
من ذكريات فلسطين
نوفمبر 24, 2025الشيخ عبد الله عزام
رحمه الله
وبعض الناس يعذرون أنفسهم بأن مكانهم في بلدهم ضروري للتربية والتعليم، ونحن نورد لهم قول الزهري: خرج سعيد بن المسيب إلى الغزو وقد ذهبت إحدى عينيه، فقيل له: إنك عليل! فقال: “استنفرَ الله الخفيف والثقيل، فإن لم يمكني الحرب كثّرت السواد وحفظت المتاع”.
فأي الناس منزلته وعمله يداني سيد التابعين، ووارث علم النبوة عن طريق صهره والد زوجته أبي هريرة رضي الله عنه؟
لقد بلغ السيل الزبى، وجاوز الحزام الطُّبْيَيْن، واشتد الأمر على المسلمين، فمتى النفير؟! وإلى متى القرار؟!
فإن كان الفقهاء يفتون -كما جاء في (البزازية)- امرأة سُبيت في المشرق وجب على أهل المغرب تخليصها.
فماذا يفتي علماؤنا بالآلاف من العواتق تُنتهك أعراضهنّ في خدورهنّ؟
وماذا يجيبون في النساء اللواتي يلقين بأنفسهن في نهر (كونر في لغمان) فراراً بأعراضهن من الانتهاك على يد الجنود الحمر، لأن المرأة لا يجوز لها باتفاق العلماء أن تستسلم للأسر إذا خشيت على عرضها.
أَوَ مَا تخشى أن تدور الدائرة عليك ويصل الأمر إلى عرضك؟ “ما من امرئ يخذل امرءاً مسلماً في موطن يُنتقص فيه من عرضه ويُنتهك فيه من حرمته، إلا خذله الله تعالى في موطن يحب فيه نصرته، وما من أحد ينصر مسلماً في موطن ينتقص فيه من عرضه وينتهك فيه من حرمته، إلا نصره الله في موطن يحب فيه نصرته”. فاتقوا الله في أعراضكم!
وقال حبان بن موسى: خرجنا مع ابن المبارك مرابطين إلى الشام، فلما نظر إلى ما فيه القوم من التعبد والغزو والسرايا كل يوم التفت إليّ وقال: “إنا لله وإنا إليه راجعون على أعمار أفنيناها وليال وأيام قطعناها في علم الخليّة والبريّة –[كنايات الطلاق]- وتركنا هاهنا أبواب الجنة مفتوحة”.
هذا ابن المبارك الذي كان يرابط شهرين أو أكثر في السنة، يدع تجارته ومجالس الحديث ويخرج للرباط، لأنه لم يرابط طيلة عمره وانشغل بالعلم عن الرباط، فماذا يقول الذين لم يطلقوا طلقة واحدة في سبيل الله؟!
إذا كان مرض الموت -الذي ألمّ برسول الله ﷺ- لم يشغله عن تذكير الصحابة بإنفاذ بعث أسامة رضي الله عنه، وعندما حاول أبو بكر الصديق أن ينفذ بعث أسامة حاول الصحابة أن يثنوه عن عزمه، فقال كلمته المشهورة: “والذي لا إله غيره لو جرت الكلاب بأرجل أزواج رسول الله ﷺ ما رددت جيشاً وجهه رسول الله ﷺ، ولا حللت لواء عقده رسول الله”.
ويشاء الله أن يكون آخر وصايا صاحب رسول الله ﷺ في حثّ الناس على الجهاد؛ إذ يستدعي أبو بكر عمر في آخر ساعات حياته قائلاً: “اسمع يا عمر! أقول لك ثم اعمل به، إني لأرجو أن أموت من يومي هذا -[وذلك يوم الاثنين]- فإن أنا مت فلا تمسين حتى تندب الناس مع المثنّى، وإن تأخرت إلى الليل فلا تصبحن حتى تندب الناس مع المثنى، لا يشغلكم مصيبة وإن عظمت عن أمر دينكم، ووصية ربكم، وقد رأيتني متوفى رسول الله ﷺ وما صنعت، ولم يصب الخلق بمثله، وبالله لو أني تأخرت عن أمر رسوله لخذلنا الله ولعاقبنا، فأضرمت المدينة ناراً”.
فلقد أدرك أبو بكر خير الناس بعد النبي ﷺ أن التأخر في تنفيذ أمر الله وأمر رسوله ﷺ بالنفير إلى الجهاد عاقبته الخذلان ومآله الخسران.
هذا كتاب الله يحكم بيننا، وهذه سنة رسوله ﷺ ناطقة شاهدة علينا، وهذا هدي أصحابه في فهمهم لأهمية الجهاد في هذا الدين، فهل لنا من تعقيب على هذه النصوص المتواترة المتوافرة الناصعة الجلية القاطعة؟ لقد وصل اللص إلى داخل خدور المؤمنات فهل ندعه؟!! ينتهك الأعراض ويمسخ القيم ويجتث المبادئ؟!
رُب وامعتصماه انطلقت ** ملء أفواه الصبايا اليُتّم
لامست أسماعهم لكنها ** لم تلامس نخوة المعتصم
لقد أخذ الروس مائتين وخمسة آلاف من أطفال المسلمين الأفغان لتربيتهم على العقيدة الشيوعية، ولغرس الإلحاد في أعماقهم، وقرر الأمريكان فتح ستمائة مدرسة، وتعهُّد مائة وخمسة آلاف من أطفال الأفغان في الداخل والخارج بالتربية والتعليم؛ فأين الإسلام وأين المربون المسلمون؟ وماذا أعدوا لإنقاذ الجيل المسلم، ومن أجل رعاية هذا الجيل المبارك العظيم؟
لقد نص الفقهاء على أن بلاد المسلمين كالبلد الواحد، فأي بقعة من بقاع المسلمين تعرضت لخطر وجب أن يتداعى جسد الأمة الإسلامية كلها لحماية هذا الشِلو الذي تعرض لغزو الجراثيم.
ماذا على العلماء لو حرضوا الشباب على الجهاد؟ سيما والتحريض فرض: ﴿وَحَرّضِ الْمؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ٨٤].
ماذا على الدعاة لو خصصوا سنة من حياتهم للعيش بين المجاهدين يوجهون ويرشدون؟
ماذا على طلاب الجامعة لو أجّلوا سنة من دراستهم لينالوا شرف الجهاد، وليسهموا بأنفسهم في إقامة دين الله في الأرض؟
﴿رَضُوا۟ بِأَن یَكُونُوا۟ مَعَ ٱلۡخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ فَهُمۡ لَا یَفۡقَهُونَ * لَـٰكِنِ ٱلرَّسُولُ وَٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ مَعَهُۥ جَـٰهَدُوا۟ بِأَمۡوَ ٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡۚ وَأُو۟لَـٰۤىِٕكَ لَهُمُ ٱلۡخَیۡرَ ٰتُۖ وَأُو۟لَـٰۤىِٕكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ﴾ [التوبة: 87-88].
ماذا على الأئمة لو أخلصوا النصح لمن يستنصحهم بالخروج في سبيل الله بالدم والروح؟
إلى متى يُثبَّط الشباب المؤمن ويُعوَّق عن الجهاد؟ الفتية الذين تضطرم أفئدتهم ناراً وتتفجر حماساً وتلتهب غيرة لتسقي تربة المسلمين بدمهم الطاهر.
إن الذي ينهى شاباً عن الجهاد لا يفرق عن الذي ينهاه عن الصلاة والصوم.. أما يخشى الذي ينهى عن الجهاد أن يدخل ولو بطريقة غير مباشرة تحت المعنى العام للآية الكريمة في قوله تعالى:
﴿قَدۡ یَعۡلَمُ ٱللَّهُ ٱلۡمُعَوِّقِینَ مِنكُمۡ وَٱلۡقَاۤىِٕلِینَ لِإِخۡوَ ٰنِهِمۡ هَلُمَّ إِلَیۡنَاۖ وَلَا یَأۡتُونَ ٱلۡبَأۡسَ إِلَّا قَلِیلًا * أَشِحَّةً عَلَیۡكُمۡۖ فَإِذَا جَاۤءَ ٱلۡخَوۡفُ رَأَیۡتَهُمۡ یَنظُرُونَ إِلَیۡكَ تَدُورُ أَعۡیُنُهُمۡ كَٱلَّذِی یُغۡشَىٰ عَلَیۡهِ مِنَ ٱلۡمَوۡتِۖ فَإِذَا ذَهَبَ ٱلۡخَوۡفُ سَلَقُوكُم بِأَلۡسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى ٱلۡخَیۡرِۚ أُو۟لَـٰۤىِٕكَ لَمۡ یُؤۡمِنُوا۟ فَأَحۡبَطَ ٱللَّهُ أَعۡمَـٰلَهُمۡۚ وَكَانَ ذَ ٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ یَسِیرࣰا﴾[الأحزاب: 18-19].
ماذا على الأمهات لو قدمت الواحدة منهن أحد أبنائها في سبيل الله يكون عزاً لها في الدنيا وذخراً لها في الآخرة بالشفاعة؟ ماذا على الآباء لو دفعوا بأحد أبنائهم ليشب في مصانع الأبطال وميادين الرجال وساحات النزال؟ وليهب أحدهم أن الله خلقه عقيماً، فمن شكر النعمة أن يؤدي زكاة أولاده شكراً لربه.
أنفس هو خالقها، وأموال هو رازقها، فلم البخل على رب العالمين؟ البخل على المالك بما يملك مع العقيدة الراسخة بأنه “لن تموت نفس حتى تستكمل أجلها ورزقها”.
ماذا على المسلمين لو سطروا في صحائف أعمالهم وديوان حسناتهم أياماً من الرباط، وساعات من القتال؟ وقد ثبت في الحديث الصحيح: “رباط يوم في سبيل الله خير من صيام شهر وقيامه”. وفي الحديث الحسن: “رباط يوم في سبيل الله خير من ألف يوم فيما سواه من المنازل يُقام ليلها ويُصام نهارها”. وفي الحديث الصحيح: “قيام ساعة في الصف للقتال في سبيل الله خير من قيام ستين سنة”.
فيا إخوة الإسلام أقبلوا لحماية دينكم ونصرة ربكم وإعلاء سنة نبيكم.
أيها الأخ الحبيب امتشق حسامك، واعلُ صهوة جوادك، وامسح العار عن أمتك، إن لم تقم بالعبء أنت فمن يقوم به إذن؟
أيها الأخ الكريم:
طال المنام على الهوان ** فأين زمجرة الأسود
واستنسرت فئة البغاث ** ونحن في ذل العبيد
ذل العبيد من الخنوع ** وليس من زرد الحديد
فيا خيل الله اركبي !
أيها الأخ العزيز: ﴿لَقَدۡ كَانَ فِی قَصَصِهِمۡ عِبۡرَةࣱ لِّأُو۟لِی ٱلۡأَلۡبَـٰبِۗ﴾ [يوسف: ١١١].
فقصة بخارى الدامية ورواية فلسطين الجريحة، وعدن المحترقة، والأوجادين الأسيرة، وأحاديث الأندلس الأسيفة، وأرتيريا الأليمة، وبلغاريا المكلومة، والسودان، ولبنان الممزقة أشلاؤها، والصومال وبورما وتشاد وقفقاسيا بجراحاتها العميقة، وأوغندا وزنجبار وأندونيسيا ونيجيريا.. ذات الملاحم والمآسي خير عبرة لنا، فهل نعتبر فيما مضى قبل فوات الأوان؟ أم تجري علينا السنن ونحن نتجرع الهوان، ونندثر كما اندثروا، ونضيع كما ضاعوا؟
ونحن نأمل من الله أن يندحر الروس في أفغانستان ويرتدوا على أعقابهم خائبين، وإن كانت الأخرى، فليت شعري أي داهية تحل بالمسلمين؟
فقد روى أبو داود بإسناد قوي عن أبي أمامة مرفوعاً: “من لم يغزُ أو يجهز غازياً ولم يخلف غازياً في أهله بخير أصابه الله بقارعة قبل يوم القيامة”.
﴿إِنَّ فِی ذَ ٰلِكَ لَذِكۡرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُۥ قَلۡبٌ أَوۡ أَلۡقَى ٱلسَّمۡعَ وَهُوَ شَهِیدࣱ﴾ [ق: ٣٧].
ألا هل بلغت اللهم فاشهد.. ألا هل بلغت اللهم فاشهد.. ألا هل بلغت اللهم فاشهد.




