
المُقامة الرمضانية
مارس 9, 2026
هل ترك السلف مجالس الحديث في رمضان؟!
مارس 10, 2026د. خالد أبو شادي
فك الله أسره*
هدية مباركة ادخرها لك رمضان ليفاجئك بها قبل رحيله مباشرة لتكون أحلى هداياه وآخرها، وهي هدية تساوي عمرك كله إن لم تكن أفضل وأغلى؛ فأعِدّ قلبك لتلقّي مفاجأة يكفي في فضلها قول النبي ﷺ: “وفيه ليلة هي خير من ألف شهر، مَن حُرم خيرها فقد حُرم”.
إن الرتابة الدائمة والسير على وتيرة واحدة في الحياة يبعث على السآمة والملل، لكن الإسلام العظيم أعطى الحياة طعماً آخر ترمي به خلف ظهرها كل سآمة وملل، ففي الصلوات الخمس كسر لرتابة اليوم، وفي صلاة الجمعة كسر لرتابة الأسبوع، وفي شهر رمضان كسر لرتابة العام، وفي ليلة القدر كسر لرتابة ليالي الشهر، وفي كل محطة من هذه المحطات يجدد الإنسان إيمانه ويعيش حياة جديدة حين يقف على معان يتذوقها لأول مرة: لتعيده إلى الصواب إن كان قد انحرف، وترفع همته إن كان قد وهن أو كسل.
ليلته المفضلة
والله سبحانه وتعالى هو الذي بيده اختصاص التفاضل، فهو الذي فضّل بعض النبيين على بعض، وفضل بعض الشهور على بعض، وفضل بعض الأوقات على بعض، بل وفضل بعض الطعام على بعض.. ﴿وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ﴾ [الرعد: 4].
ومن ذلك تفضيله لليلة القدر على سائر الليالي، وقد سُميت ليلة القدر بهذا الاسم لخطرها وشرفها على جميع الليالي، أو كما قال عبد الله بن عباس رضي الله عنهما في قول الله عز وجل: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيم﴾ [الدخان: 4]: “يكتب من أم الكتاب في ليلة القدر ما يكون في السنة من رزق أو موت أو حياة أو مطر، حتى يكتب الحاج، يحج فلان ويحج فلان”.
بل أغلى يا إمام! قال الإمام الرازي: “واعلم أن مَن أحياها فكأنما عبد الله تعالى نيفاً وثمانين سنة، ومن أحياها كل سنة فكأنما رُزق أعمارًا كثيرة”.
لكن الأمر أعظم مما قال إمامنا وأغلى، وتأمل قوله تعالى: ﴿ليلةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ [القدر: 3]، ولم يقل: كألف شهر، إشارة إلى أنها خيرية مطلقة ليس للعدد فيها مفهوم، وكلما كان العبد أشد إخلاصاً لله وأكثر إقبالاً عليه كانت مضاعفة ثوابه أعظم، ألا ما أعظم هذه الليلة! ليلة من أنوارها كأنها نهار، ليلة هي أحلى حسنات الدهر، وأطيب لحظات العمر..
نعم وأيم الله! ﴿وما أدراكَ ما ليلةُ القدرِ﴾[القدر: 2] ليلة تُفتح فيها الأبواب، ويُقرب فيها من تاب، ولا يُرد مَن طرق الباب، بل يُسمع منه الخطاب، ويأتي على الفور الجواب، فيُكتب له الليلة ما لا يدركه العقل من الثواب، فماذا أنتم فاعلون؟!
يا من ضاع عمره في لا شيء.. استدرك ما فاتك الليلة فإنها تعدل العمر كله، بين يديك الجواهر والدرر، فلا تضيع عمرك في الطين والمدر، الدرس العظيم هنا: ليست العبرة بطول الأعمار بل بما تحويه من أعمال الأبرار، وليس المهم أن تمتد بك الحياة ولكن المهم أن تملأها بالخير، ورُب لحظة واحدة من مجتهد خير من أيام الحياة كلها من غافل بليد، فاقتنص كل لحظة اليوم ولا تفرط في رأس مالك فإنه لا يعوض.
تخصيص بعد تعميم!
وقد كان النبي ﷺ يتحرى ليلة القدر ويأمر أصحابه بتحريها؛ لذا كان يوقظ أهله ليالي العشر رجاء أن يدركوها، بل وحث على قيامها بأبلغ العبارات وأعظم الترغيب والتشويق في قوله ﷺ: “مَن قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غُفر له ما تقدم من ذنبه”. مع أنه قال في حديث آخر: “مَن قام رمضان إيمانًا واحتساباً غُفر له ما تقدم من ذنبه”.
وقد يُقال إن أحدهما يغني عن الآخر، فليلة القدر ليلة من ليالي رمضان، فلم هذا التخصيص بعد التعميم؟!
إذا عُرف السبب بطل العجب، والسبب يخبرنا به الإمام النووي وهو: “قيام رمضان من غير موافقة ليلة القدر ومعرفتها سبب الغفران الذنوب، وقيام ليلة القدر لمن وافقها وعرفها سبب للغفران وإن لم يقم غيرها”.
سر الأسرار!
ولم يحددها النبي ﷺ بليلة معينة بل قال ﷺ: “إني أُريت ليلة القدر ثم أُنسيتها، فالتمسوها في العشر الأواخر في الوتر”. وقال ﷺ في موضع آخر: “ليلة القدر ليلة سابعة أو تاسعة وعشرين.. إن الملائكة تلك الليلة في الأرض أكثر من عدد الحصى”. وقال ﷺ في موضع ثالث: “التمسوا ليلة القدر آخر ليلة من رمضان”.
بل إن أبيّ بن كعب: فيما رواه عنه مسلم يقول: “والله إني لأعلم أي ليلة هي: هي الليلة التي أمرنا رسول الله ﷺ بقيامها، وهي ليلة سبع وعشرين”.
وكان أُبيّ يحلف على ذلك ويقول: “بالآية والعلامة التي أخبرنا بها رسول الله ﷺ أن الشمس تطلع صبيحتها لا شعاع لها”. يعني بذلك قول النبي ﷺ: “ليلة القدر ليلة سمحة طلقة لا حارة ولا باردة تصبح الشمس صبيحتها ضعيفة حمراء”.
والذي يغفل عنه كثير من الناس أنه لا يلزم من تخلف العلامة عدمها، ورُب قائم فيها ولم يرَ من علاماتها شيئًا، وهو أفضل عند الله وأكرم ممن رآها لكنه كسل ونام، ولا أرى أن يستغرق تحديدها منا كثير وقت وطول نقاش في شهر نحن أحوج ما نكون فيه إلى اغتنام كل لحظة، ذلك أن حكمة إخفائها أن من أرادها أحيا ليالي كثيرة طلباً لموافقتها، فتكثر عبادته ولا يتكل على إصابة الفضل في ليلة واحدة فحسب، بل ينال ثواب ليال كثيرة طلباً لها.
وتأمل قوله ﷺ مبيناً حكمة إخفائها: “وعسى أن يكون خيرا لكم”. واقرأ معي هذا الحديث: عن عبادة بن الصامت قال: خرج النبي ﷺ ليخبرنا بليلة القدر فتلاحى رجلان من المسلمين، فقال ﷺ: “خرجت لأخبركم بليلة القدر، فتلاحى فلان وفلان فرُفعت، وعسى أن يكون خيراً لكم، فالتمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة”.
وفي الحديث درس آخر غاية في الأهمية وهو أن:
جدال رمضان علقم
وهذان الرجلان هما عبد الله بن أبي حدرد وكعب بن مالك رضي الله عنهما، وهذا دليل على أن الخصومة مذمومة، وأن الجدال سبب الحرمان، وأن المكان الذي يحضر فيه ترفع منه البركة، وزاد من فداحة هذه الخصومة وقوعها في المسجد، وهو محل الذكر لا اللغو، ثم حدوثها في شهر رمضان، ثم رفع الصوت بحضرة رسول الله ﷺ وهو منهي عنه لقوله تعالى: ﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ [الحجرات: ٢]، ومن هنا أورد الإمام البخاري هذا الحديث تحت عنوان: “خوف المؤمن من أن يُحبط عمله وهو لا يشعر”.
ليلها كنهارها سواء
قال الإمام الشعبي في حق ليلة القدر: “ليلها كنهارها”، وقال الشافعي: “أستحب أن يكون اجتهاده في نهارها كاجتهاده في ليلها”.
وهي لفتة ذكية، فاغتنام هذه الليلة لا بد له من إعداد وتجهيز، ويستغرق ذلك أغلب ساعات النهار، حتى إذا ما بدأت الليلة لم يضع منها شيء، فالفضل اليوم لا يقدر بثمن، وضياع الدقيقة خسارة فادحة، واللحظة الواحدة غالية غالية، ولن يعرف المفرط فداحة خسارته إلا يوم القيامة ولات ينفع الندم، فتأسف على كل ساعة من ساعات هذه الليلة فارغة من ذكر، وابك على كل لحظة فيها لا يؤنسك فيها مصحف أو دعاء.
أفضل أعمال الليلة
قال سفيان الثوري: “الدعاء في تلك الليلة أحب إليّ من الصلاة”.
ويشرح ابن رجب هذا فيرى أن المقصود من قول سفيان أن صلاة يكثر فيها الدعاء خير من صلاة يقل فيها، فأفضل الأعمال وأكملها في ليالي العشر: صلاة فيها قراءة متدبرة ودعاء خاشع.
أخي تذكر: إن فاتك زمن العطاء وضاعت منك فرص الثراء، فمد اليد للسؤال بعد ذلك حيلة الحمقى.
تقديم طلبات العفو
عن عائشة رضي الله عنها قالت: يا رسول الله إن وافقتُ ليلة القدر ما أقول؟ قال ﷺ: “قولي: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني”.
والعفو اسم من أسماء الله الحسنى ومعناه: المتجاوز عن سيئات عباده، الماحي لآثارها وإن عظمت.
وفي الحديث إشارة إلى أن شدة حياء العبد من ربه توجب عليه سؤال العفو لا الرضا، إذ الرضا لا يكون إلا للمتطهرين من الذنوب وأما من تلطخ بالمعاصي فلا يليق به إلا سؤال العفو. لكن لماذا سؤال العفو حتى بعد اجتهاد أيام العشر؟!
قال ابن رجب الحنبلي: “إنما أمر بسؤال العفو في ليلة القدر بعد الاجتهاد في الأعمال فيها وفي ليالي العشر، لأن العارفين يجتهدون في الأعمال ثم لا يرون لأنفسهم عملاً صالحاً ولا حالاً ولا مقالاً، فيرجعون إلى سؤال العفو كحال المذنب المقصر”.
ولذا يقول يحيى بن معاذ: “ليس بعارف من لم يكن غاية أمله من الله العفو”.
يا رب عبدك قد أتاك ** وقد أساء وقد هفا
يكفيه منك حياؤه ** من سوء ما قد أسلفا
وقد استجار بذيل عفـ ** ـوك من عقابك مذ جفا
رب اعف عنه وعافه ** فلأنت أولى من عفا
دعاء العفو أنجى
كان شيخ الإسلام أبو عثمان سعيد بن إسماعيل الحيري كثيراً ما يقول في مجلسه وفي غير مجلسه، وفي رمضان وفي غير رمضان: “عفوك يا عَفُوُّ عفوك، في المحيا عفوك، وفي الممات عفوك، وفي القبور عفوك، وعند النشور عفوك، وعند تطاير الصحف عفوك، وعند ممر الصراط عفوك، وعند الميزان عفوك، وفي الأحوال عفوك يا عَفُوُّ عفوك”.
ـــــــــــــــــــــ
خالد أبو شادي: من الطارق، طيبة للنشر والتوزيع/القاهرة، 2005م، ص35 وما بعدها.





