
قراءة في كتاب
مارس 7, 2026
المُقامة الرمضانية
مارس 9, 2026العلامة أبو الحسن الندوي
رحمه الله*
خُلق الإنسان وسطاً بين الملائكة والحيوانات، ورُكبت فيه طبائع هذين الجنسين المتناقضين تركيباً لطيفاً، حكيماً بديعاً، فهو مزيج غريب من الخواص الملكية، والخواص الحيوانية، ومن الأخلاق الإلهية، والعادات الحيوانية، ذلك لأن منصبه الذي رُشح له، وغايته التي طُلب منه أن يبلغها ويحققها، ووضع فيه استعدادها وحبها، لم يُرشح له الملائكة، ولم ُيخلق له الحيوانات، وذلك منصب الخلافة، ومركز الأمانة، وغاية العبادة:
- ﴿وَإِذۡ قَالَ رَبُّكَ لِلۡمَلَـٰۤىِٕكَةِ إِنِّی جَاعِلࣱ فِی ٱلۡأَرۡضِ خَلِیفَةࣰۖ قَالُوۤا۟ أَتَجۡعَلُ فِیهَا مَن یُفۡسِدُ فِیهَا وَیَسۡفِكُ ٱلدِّمَاۤءَ وَنَحۡنُ نُسَبِّحُ بِحَمۡدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَۖ قَالَ إِنِّیۤ أَعۡلَمُ مَا لَا تَعۡلَمُونَ﴾[البقرة: ٣٠].
- ﴿إِنَّا عَرَضۡنَا ٱلۡأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَـٰوَ ٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱلۡجِبَالِ فَأَبَیۡنَ أَن یَحۡمِلۡنَهَا وَأَشۡفَقۡنَ مِنۡهَا وَحَمَلَهَا ٱلۡإِنسَـٰنُۖ إِنَّهُۥ كَانَ ظَلُومࣰا جَهُولࣰا﴾ [الأحزاب: ٧٢].
- ﴿وَمَا خَلَقۡتُ ٱلۡجِنَّ وَٱلۡإِنسَ إِلَّا لِیَعۡبُدُونِ * مَاۤ أُرِیدُ مِنۡهُم مِّن رِّزۡقࣲ وَمَاۤ أُرِیدُ أَن یُطۡعِمُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦-٥٧].
مقتضى الخلافة ولوازمها
وكان منصب الخلافة يقتضي المناسبة القوية، بالمستخلف المنيب، والمناسبة القوية بالمكان الذي يتولى الخلافة فيه، والمخلوق الذي يتولى السيادة عليه، والحكم فيه، فأخذ من الأول أشباح أخلاقه، وظلال صفاته كسمو ونزاهة، وصمدية وغنى، ورحمة وكرم، ورأفة وبر، وصبر وحلم، وقوة وقهر، وصفاء وتجرد، وأمن وسلام. وقد ظل في جميع أطواره البشرية، وأدواره التاريخية، يجد اللذة ويعتقد العزة في هذه الأخلاق ومظاهرها، ويخضع لحمايتها وأصحابها، ويدين لهم بالحب والإجلال إذا تجرد عنها وعجز عن التحلي بها أو تقاصرت عنها همته وضعفت إرادته.
وأخذ من الثاني خواصه وطبائعه، وشاركه في مواضع ضعفه، ليشاركه في آلامه وآماله، ويحسن سياسته، وينتفع بكنوز الأرض وخيراتها، ويتمتع بنعمها وطيباتها، ويضع ما خلق فيه مواضعه، فوُضعت فيه شهوة الطعام والشراب، ورُكبت فيه الغريزة الجنسية، وخُلق فيه الجوع والعطش، وعُجنت طينته مع اللذة وحبها وطلب المزيد الجديد، وأُلهم الصناعة والمدنية، والتأنق في الطعام والشراب.
تجاذب الروح والجسد إلى مركزهما، وخصائصها
ولذلك كان مجموعاً من روح وجسد، فالروح هي التي تجذبه إلى أصلها ومنبعها، وتذكره بمنصبه ومركزه، وغايته ومهمته، وتفتح فيه الكوة إلى العالم الذي انتقل منه، وإلى سعته وجماله، ولطافته وصفائه، وتثير فيه الأشواق والطموح، وتبعث فيه الثورة على المادة الكثيفة الثقيلة، وتزين له الانطلاق من القفص الضيق الخانق، وإن كان من ذهب، والتحليق في الأجواء الفسيحة التي لا نهاية لها، وفك السلاسل والأغلال من عادات ومألوفات، ولذات وحاجات، ولو حيناً بعد حين، وفي شهور وسنين، وتحبب إليه الجوع والعطش مع وفرة الطعام وكثرة الشراب فيشعر فيهما بلذة، لا يشعر بها في أطايب الطعام والشراب، ويعد ذلك الوقت القصير الذي يمضي في فراغ الخاطر وصفاء النفس، وخفة المعدة، وإشراق الروح، والتجرد من الشهوات، والتحرر من النظام الرتيب الخشيب.. قيمة الحياة ولذتها، و سرور النفس وبهجتها، فلا يزال يحن إليه حنين الطائر إلى الوكر، وحنين السمك إلى الماء.
وذلك كله صنع الروح التي أودعت فيه، وانتقلت إليه من عالم الغيب: ﴿وَیَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِۖ قُلِ ٱلرُّوحُ مِنۡ أَمۡرِ رَبِّی وَمَاۤ أُوتِیتُم مِّنَ ٱلۡعِلۡمِ إِلَّا قَلِیلࣰا﴾ [الإسراء: ٨٥].
والجسد هو الذي يجذبه إلى أصله ومركزه، وهي الأرض بكثافتها وتبلدها وثقلها وسفالتها: ﴿وَلَقَدۡ خَلَقۡنَا ٱلۡإِنسَـٰنَ مِن صَلۡصَـٰلࣲ مِّنۡ حَمَإࣲ مَّسۡنُونࣲ * وَٱلۡجَاۤنَّ خَلَقۡنَـٰهُ مِن قَبۡلُ مِن نَّارِ ٱلسَّمُومِ﴾ [الحجر: 26-27]، ﴿فَٱسۡتَفۡتِهِمۡ أَهُمۡ أَشَدُّ خَلۡقًا أَم مَّنۡ خَلَقۡنَاۤ إِنَّا خَلَقۡنَـٰهُم مِّن طِینࣲ لَّازِبِۭ﴾ [الصافات: 11]، ﴿خَلَقَ ٱلۡإِنسَـٰنَ مِن صَلۡصَـٰلࣲ كَٱلۡفَخَّارِ﴾ [الرحمن: 14].
فإذا ضعف سلطان الروح أو زال حكمها، وتقلص ظلها، وملك الجسد زمام الحكم، استرسل الإنسان في لذاته وشهواته، ورتع فيها رتع البهائم السائمة، وجن بها جنوناً، وأبدع فيها ألواناً وفنوناً، وتخطى حدود العقل والعرف، والصحة والطب، والعدل والشرع، وانصرفت همته وذكاؤه، وإبداعه وعبقريته إلى التفنن والتدقيق، والإسراف والإكثار من أنواع الطعام والشراب، والتهامها ثم انهضامها، وما يبعث فيه الشهية، ويوقظ فيه الجوع، ثم يعينه على الهضم، ويعده للوجبة الثانية، “فيصبح وهو في أوج مدنيته وحضارته، وقمة علمه وثقافته، كحمار الطاحون أو كثور الحرث، يدور بين المطعم والمرحاض، ومائدة الطعام والبالوعة”1. لا يعرف سوى ذلك مبدءاً ومعاداً، ولا يعرف غير الطواف بينها شغلاً وجهاداً فتموت فيه كل رغبة إلا رغبة الطعام والشراب، ويتبلد فيه كل حس إلا حس اللذة والمتعة، ويزول عنه كل هم، الأهم الكسب ليأكل، والأكل ليكسب.
ولا تصوير أدق وأصدق من تصوير القرآن المعجز: ﴿ وَٱلَّذِینَ كَفَرُوا۟ یَتَمَتَّعُونَ وَیَأۡكُلُونَ كَمَا تَأۡكُلُ ٱلۡأَنۡعَـٰمُ وَٱلنَّارُ مَثۡوࣰى لَّهُمۡ ﴾ [محمد: 12]، وما ذاك إلا طبيعة الجسد الذي تحرر من سلطان الروح، وحُرم توجيه النبوة وإرشادها، وانقاد للنفس والهوى، ونتيجة انجذابه إلى أصله ومصدره: ﴿وَٱتۡلُ عَلَیۡهِمۡ نَبَأَ ٱلَّذِیۤ ءَاتَیۡنَـٰهُ ءَایَـٰتِنَا فَٱنسَلَخَ مِنۡهَا فَأَتۡبَعَهُ ٱلشَّیۡطَـٰنُ فَكَانَ مِنَ ٱلۡغَاوِینَ * وَلَوۡ شِئۡنَا لَرَفَعۡنَـٰهُ بِهَا وَلَـٰكِنَّهُۥۤ أَخۡلَدَ إِلَى ٱلۡأَرۡضِ وَٱتَّبَعَ هَوَىٰهُۚ فَمَثَلُهُۥ كَمَثَلِ ٱلۡكَلۡبِ إِن تَحۡمِلۡ عَلَیۡهِ یَلۡهَثۡ أَوۡ تَتۡرُكۡهُ یَلۡهَثۚ ذَّ ٰلِكَ مَثَلُ ٱلۡقَوۡمِ ٱلَّذِینَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔایَـٰتِنَاۚ فَٱقۡصُصِ ٱلۡقَصَصَ لَعَلَّهُمۡ یَتَفَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: 175-176].
أثر انتصار كل من الروح والجسد في حياة الإنسان وفي تاريخ الأديان والأخلاق
وما تاريخ الإنسان الديني والخلقي، إلا قصة صراع بين الطبيعتين، وتأرجح بين نهايتين، فأحياناً تغلبت الطبيعة الأولى، وتطرفت، فابتدعت الرهبانية، وغلت في التقشف في الحياة، ورفض الطيبات والمباحات وإرهاق الطبيعة وإجهاد النفس، فأطال الإنسان الجوع وأدام السهر، والتجأ إلى الغابات والمغارات، ورأى السعادة والسمو الروحاني في تعذيب النفس وإيلام الجسم. وما قصة غلاة القرون الوسطى في أوروبا بخبر مجهول2.
﴿وَرَهۡبَانِیَّةً ٱبۡتَدَعُوهَا مَا كَتَبۡنَـٰهَا عَلَیۡهِمۡ إِلَّا ٱبۡتِغَاۤءَ رِضۡوَ ٰنِ ٱللَّهِ فَمَا رَعَوۡهَا حَقَّ رِعَایَتِهَاۖ﴾ [الحديد: 27]، فلم تكن نتيجة ذلك إلا أن ضعفت الأجسام والعقول، وانحلت الروابط، وتعرض المجتمع الإنساني لخطر محدق، وتخلى الإنسان عن منصب الخلافة الذي أكرمه الله به. وانسحب من ميدان الكفاح والمسؤولية، واتخذ الـمُلك له المثل الأعلى وصار يجسده ويطمح إليه بعدما كان محسوداً للملائكة ومسجوداً لهم.
وتغلبت الطبيعة الثانية -الطبيعة الجسدية الأرضية- أحياناً كثيرة، فانفلت الإنسان من كل قيد من قيود العقل والشرع، ومن كل سلطة من سلطات الروح والأخلاق، وانساق لدواعي المادة والمعدة، وانجرف معها انجرافاً، فأمعن في إرضاء شهواته البدنية، وتحقيق رغباته المادية، لا يعرف لذلك حداً ولا نصاباً، فانطفأت شعلة الروح والقلب، وتضخمت المعدة على حساب العقل والضمير وتوسعت، فصار لا يكفيه قوت أسرة أو قبيلة، ونشأت في جسمه معدة صناعية خيالية، وفي حياته جوعة وهمية أسطورية، لا يشبعها أعظم مقدار من الطعام والشراب، ومن الذخائر والمستودعات، ومن الإيراد والغلات. فنشأت مظالم وجرائم، وأصبح الإنسان حيواناً مفترساً ضارياً، يفترس بني نوعه، ويزدرد أفراد أسرته، وما قصة الحروب والغارات، والفتوح والانتصارات -حاشا الجهاد الديني المقدس- إلا قصة الجشع الفردي، أو الجماعي، وقصة الغرام بالتمتع والرئاسة، والعلو في الأرض.
تأثير التخمة والنهامة في الأخلاق والأذواق
وإذا تغلبت هذه الطبيعة الحيوانية، وملكت زمام الحياة، واستحوذت على مشاعر الإنسان وحواسه، وأصبحت المعدة، هو القطب الذي تدور حوله الحياة، شق على الإنسان كل ما يحول بينه وبين رغبته، وما يشغله عن إرضاء نهمته، وكل ما يذكره بمبدئه ومصيره، وما يصور له الحساب، والاحتساب، والجزاء والعقاب، فلا يجد في أعوام طوال وقتاً صافياً، وقلباً فارغاً، وعقلا يقظاً، وضميراً حياً، فتثقل عليه العبادة والذكر وما يتصل بهما، ولا يجد لذتها بطبيعة الحال، ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِیرَةٌ إِلَّا عَلَى ٱلۡخَـٰشِعِینَ * ٱلَّذِینَ یَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَـٰقُوا۟ رَبِّهِمۡ وَأَنَّهُمۡ إِلَیۡهِ رَ ٰجِعُونَ﴾ [البقرة: 45-46]. ﴿وَإِذَا قَامُوۤا۟ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ قَامُوا۟ كُسَالَىٰ یُرَاۤءُونَ ٱلنَّاسَ وَلَا یَذۡكُرُونَ ٱللَّهَ إِلَّا قَلِیلࣰا﴾ [النساء: ١٤٢].
إغاثة النبوة للإنسانية وتشريعها للصوم: لتحقيق المثل العليا وغايات الحياة الإنسانية الحقيقية
وجاءت النبوة في أزمان مختلفة، وأمكنة مختلفة، تغيث الإنسانية المهددة بالمادية الطاغية، وتبديل الروح والأخلاق، والمشاعر اللطيفة، والقلب المخنوق المفلوج من طغيان الشهوات، وقسوة المعدات، وتقيم الموازين القسط في الحياة وتعد الإنسان إعداداً جديداً لتحقيق الغاية التي خُلق لها، وهي العبادة والوصول إلى الكمال المطلوب، الذي هيىء له، وهي الولاية، وإكمال المهمة التي أهبط لها في الأرض وهي الخلافة.
وذلك لا يتحقق بروحانية ملكية ولا بمادية بهيمية؛ فأمرت بالصوم ليحد من شرة هذه المادية المعدية، ويعيد للنفس ما فقدته من حياة ونشاط، ومن جدة وقوة، وليشحنها شحناً روحانياً إيمانياً، تستطيع أن تحفظ به اعتدالها في الحياة، وتقاوم به مغريات الشهوة ومفاسد التخمة، وتتخلق ببعض أخلاق الله، وتنال منها نصيباً، فتسعد به وتسمو، وتلتحق بالملائكة والملأ الأعلى، فترتع في رياض الروح والقلب، وتسرح في ملكوت السموات والأرض، وتعرف لذة لا عهد لها بها في ألوان الطعام والشراب، وفي الشبع المفرط والتخمة المملة.
مقاصد الصوم وأثره في النفس والحياة
وقد أشار إلى ذلك حجة الإسلام الغزالي في أسلوبه الخاص، فقال : “المقصود من الصوم، التخلق بخُلق من أخلاق الله عز وجل، وهو الصمدية، والاقتداء بالملائكة في الكف عن الشهوات بحسب الإمكان، فإنهم منزهون عن الشهوات، والإنسان رتبته فوق رتبة البهائم لقدرته بنور العقل على كسر شهوته، ودون رتبة الملائكة لاستيلاء الشهوات عليه، وكونه مبتلى بمجاهدتها، فكلما انهمك في الشهوات انحط إلى أسفل السافلين، والتحق بغمار البهائم، وكلما قمع الشهوات ارتفع إلى أعلى عليين والتحق بأفق الملائكة”3.
ويزيده العلامة ابن القيم إيضاحاً وتفصيلاً فيقول :”المقصود من الصيام حبس النفس عن الشهوات وفطامها عن المألوفات، وتعديل قوتها الشهوانية، لتستعد لطلب ما فيه غاية سعادتها ونعيمها، وقبول ما تزكو به مما فيه حياتها الأبدية، ويكسر الجوع والظمأ من حدتها وسورتها ويذكرها بما للأكباد الجائعة من المساكين، وتضييق مجاري الشيطان من العبد بتضييق مجاري الطعام والشراب، وتحبس قوى الأعضاء عن استرسالها لحكم الطبيعة فيما يضرها في معاشها ومعادها، ويسكن كل عضو منها، وكل قوة عن جماحه، وتلجم بلجامه، فهو لجام المتقين، وجنة المحاربين، ورياضة الأبرار والمقربين”4.
ويمضي ابن القيم ببلاغته في شرح أسرار الصوم ومقاصده، فيقول :”وللصوم تأثير عجيب في حفظ الجوارح الظاهرة، والقوى الباطنة، وحميتها عن التخليط الجالب لها المواد الفاسدة، التي إذا استولت عليها أفسدتها، واستفراغ المواد الرديئة المانعة له من صحتها، فالصوم يحفظ على القلب والجوارح صحتها، ويعيد إليها ما استلبته منها أيدي الشهوات، فهو من أكبر العون على التقوى، كما قال الله تعالى: ﴿یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ كُتِبَ عَلَیۡكُمُ ٱلصِّیَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِینَ مِن قَبۡلِكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٣]، وقال النبي ﷺ: “الصوم جُنة”. وأمر من اشتدت عليه شهوة النكاح -ولا قدرة له عليه- بالصيام، وجعله وِجاء هذه الشهوة.
والمقصود أن مصالح الصوم لما كانت مشهودة بالعقول السليمة والفطر المستقيمة، شرعه الله لعباده رحمة لهم، وإحساناً إليهم، وحمية وجُنة”.
ويعود إلى الموضوع، فيقول : “لما كان صلاح القلب واستقامته على طريق سيره إلى الله تعالى متوقفاً على جمعيته على الله، ولم شعثه بإقباله بالكلية على الله تعالى، فإن شعث القلب لا يلمه إلا الإقبال على الله تعالى، وكان فضول الطعام والشراب، وفضول مخالطة الأنام وفضول الكلام وفضول المنام، مما يزيده شعثاً، ويشتته في كل وادٍ يقطعه عن سيره إلى الله تعالى، أو يضعفه أو يعوقه، اقتضت رحمة العزيز الرحيم بعباده أن شرع لهم من الصوم، ما يذهب فضول الطعام والشراب، ويستفرغ من القلب أخلاط الشهوات المعوقة له عن سيره إلى الله تعالى، وشرعه بقدر المصلحة بحيث ينتفع به العبد في دنياه وأخراه، ولا يضره ولا يقطعه عن مصالحه العاجلة والآجلة”.
ــــــــــــــــــــ
* أبو الحسن الندوي، الأركان الأربعة في ضوء الكتاب والسنة مقارنة بالديانات الأخرى، (د. م: دار الكتب الإسلامية، 1387هـ)، ص161 وما بعدها.
1 الفكرة مقتبسة من مقال للأستاذ عبد الباري الندوي في مجلة البعث الإسلامي.
2 اقرأ كتاب: تاريخ الأخلاق في أوروبا، للأستاذ لبكي، أو راجع كتابنا: ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين، الفصل الأول من الباب الرابع.
3 إحياء علوم الدين، ج۱ ص۲۱۲.
4 زاد المعاد، ج١ ص١٥٢.





