
الجيش السوري يبدأ حملة عسكرية للحسم بحلب ضد قسد
يناير 8, 2026
حين يسكن النبيُّ القلبَ فلا يهدأ الشوق
يناير 9, 2026بقلم: عبد القادر مهدي سنيج – باحث شرعي
لا زلنا نواصل الحديث عن أولئك الضالين المضلين الذين يقفون في جانب العدو الصليبي والصهيوني تجاه إخوانهم، بل ويصفون الشهداء بأنهم القتلى والهلكى، وقد سردنا في المقالات الماضية كيف يقترف هؤلاء إثماً عظيماً ومنكراً جسيماً، ونختم اليوم هذه السلسلة من المقالات، عسى أن يكون قد تبين الحق لمن تأثر بأقوال هؤلاء، وغرَّهم ما هم عليه من سمت الإسلام ولسان الشريعة، وكل هذا هو من زيادة الحجة عليهم.
أجر من قتله أهل الكتاب مضاعف
عن ثَابِتِ بْنِ قَيْسِ قَالَ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ يُقَالُ لَهَا أُمُّ خَلَّادٍ وَهِيَ مُنْتَقِبَةٌ، تَسْأَلُ عَنِ ابْنِهَا، وَهُوَ مَقْتُولٌ، فَقَالَ لَهَا بَعْضُ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ جِئْتِ تَسْأَلِينَ عَنِ ابْنِكِ وَأَنْتِ مُنْتَقِبَةٌ؟ فَقَالَتْ: إِنْ أُرْزَأَ ابْنِي فَلَنْ أُرْزَأَ حَيَائِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: “ابْنُكِ لَهُ أَجْرُ شَهِيدَيْنِ”، قَالَتْ: وَلِمَ ذَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: “لِأَنَّهُ قَتَلَهُ أَهْلُ الْكِتَابِ”. قال ابن تيمية: “وإنما اختار من اختار الرباط بثغور النصارى (أهل الكتاب) لهذا الحديث وأمثاله”. “قِيلَ إِنَّ غَزْوَ الرُّومِ وَسَائِرِ أَهْلِ الْكِتَابِ أَفْضَلُ مِنْ غَيْرِهِمْ؛ فلفَضلِ غَزْوِ الرُّوم، واللهُ أعلمُ، غَزاهُم رسُولُ الله ﷺ”.
ولهذا كانت “المرابطة في ثغور المسلمين –وهو المقام فيها بنية الجهاد– أفضل من المجاورة في الحرمين باتفاق أئمة المسلمين وأهل المذاهب الأربعة وغيرهم”. كما قال ابن تيمية، وقال أيضاً: “وهذه الأخبار تبين فضيلة سُكْنَى الشام؛ فإن أهل الشام ما زالوا مُرَابطين من أوَّل الإسلام لمُجاورتهم النصارى ومجاهدتهم لهم، فكانوا مرابطين مجاهدين لأهل الكتاب. ولهذا فضَّل النبي ﷺ جُنْدَهم على جُنْد اليمن والعراق؛ مع ما قاله في أهل اليمن”.
قال ابن رسلان: “(لأنه قتله أهل الكتاب) فيه الحث على جهاد أهل الكتاب وفضله على غيرهم، والظاهر أن من قتل كافرًا من أهل الكتاب في الحرب له أجر من قتل كافرَين كما أن مقتولهم له أجران، ولعل سبب المضاعفة أنهم لما علموا ما في كتبهم من صفة محمد ﷺ وكذبوا به وبالقرآن فكفر أتباعهم، فكان عليهم إثمهم وإثم أتباعهم، كما قال تعالى: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ [العنكبوت: 13]”.
مَن فرح بقتل المسلم فهو في ضلال مبين
روى الإمام أبو داود بسنده عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ رضي الله عنه أَنَّهُ سَمِعَهُ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: “مَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا فَاعْتَبَطَ بِقَتْلِهِ، لَمْ يَقْبَلِ اللهُ مِنْهُ صَرْفًا وَلَا عَدْلًا”.
ثم روى أبو داود عن خالد بن دهقان قال: سألت يحيى بن يحيى الغساني عن قوله ﷺ “فاغتبط بقتله”، قال: “الذين يقاتلون في الفتنة فيقتل أحدهم، فيرى أنه على هدى، فلا يستغفر الله”.
والصرف: النافلة. والعدل: الفريضة. وقيل غيره، والمعنى: أنه يحبط عمله.
ومن غريب الحديث: “فاغتبط”: فسَعِد وسُرَّ، فمن سُرَّ بقتل المؤمن دون وجه حق ولا ذنب، فلا يقبل الله منه صرفًا ولا عدلاً؛ لا يقبل منه شيئًا؛ عقوبة له.
والحديث يتحدث عن قاتل فرح وسَعِد وسُرَّ بقتل خصمه وعدوه زمن الفتنة، وهو يشمل بمفهومه أن من يشمت ويفرح بقتل مسلم يدافع عن الحرمات ويدفع عدواً غاصباً فوعيده أشد؛ لأنه أصبح في صف أعداء الأمة يفرح لفرحهم ويشمت فيما يصيب من يجاهدهم ويدفع عدوانهم.
وأكثر هؤلاء -في أيامنا-ينسب إلى التدين والدعوة، وهو قد جمع السوأتين بشماتته وفرحه بقتل أهل الإسلام، بأن أصبح يوالي الأعداء ويخذل إخوانه، وليته سكت إن لم يوافقهم، ولكنه يفرح بذلك ويفتخر ويُناصِر القتلة، فحكمُه حُكم القاتل؛ لفرحه ورضاه بما صنع القاتل، ويَركَن إلى الذين ظلموا، ويقف معهم، واللهُ يقول: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ [هود: 113].
وقد مر بنا ما روي عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُتْبَةَ: “لِيَتَّقِيَنَّ أَحَدُكُمْ أنْ يَكُونَ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا، وَهُوَ لَا يَشْعُرُ”. قَالَ مُحَمَّدٌ: فَظَنَنْتُهُ أَخَذَ ذَلِكَ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: 51].
إنزال النصوص الواردة في الكافرين والمنافقين على المؤمنين جرأة على الله
عَنْ أَبِي قَتَادَةَ بْنِ رِبْعِيٍ رضي الله عنه أَنَّهُ كَانَ يُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مُرَّ عَلَيْهِ بِجَنَازَةٍ فَقَالَ: “مُسْتَرِيحٌ وَمُسْتَرَاحٌ مِنْهُ”، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الْمُسْتَرِيحُ وَالْمُسْتَرَاحُ مِنْهُ؟ فَقَالَ: “الْعَبْدُ الْمُؤْمِنُ يَسْتَرِيحُ مِنْ نَصَبِ الدُّنْيَا، وَالْعَبْدُ الْفَاجِرُ يَسْتَرِيحُ مِنْهُ الْعِبَادُ، وَالْبِلَادُ، وَالشَّجَرُ، وَالدَّوَابُّ“. وفي رواية البيهقي: “والعبد الكافر”.
وهؤلاء المجاهدون ما قاتلوا مسلماً ولا هاجموا دولة مسلمة ولا أساءوا إلى أنظمة أو شعوب، ومهمتهم معروفة معلومة معلنة، وهي تطهير المسجد الأقصى وكفّ يد اليهود وإنهاء اغتصابهم للأرض المباركة وعودة المهجّرين إلى ديارهم.
وفي ترديد هذا القول عند استشهاد رجال ممن أخرجوا من ديارهم وقتلوا باجتماع دول الكفر عليهم وخذلان إخوانهم من العرب والمسلمين.. إنما هي موبقات نذكر منها:
أولاً: مَن يفرح بقتل إخوانه أحسن الظن بالنفس وهو مواقع لذنب وكبيرة؛ فلا يستغفر لأنه يرى أنه على الهداية.
ثانياً: اتهامٌ للغير وحكم بالعين على مصير إنسان، وفي ذلك ما فيه من سوء الأدب مع الله الذي نهى عن تسمية من يُقتل في سبيل الله “ميت”، فما ظنك بمن يجعله فاجراً أو كافراً كما في رواية البيهقي بقوله (مستراح منه)؟
ثالثاً: منازعة الله تعالى في الربوبية والعبودية والألوهية، بالحكم على مؤمن مظلوم يدافع عن أولى القبلتين وثالث الحرمين، وعن دينه وأرضه وعِرضه وماله.
رابعاً : تكذيب الله سبحانه وتعالى ورسوله ﷺ فيما أخبر به الله وما وعد به جلّ جلاله بقوله: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾ [الإسراء: 7] كما فيه رد~ لقول النبي ﷺ وخبره الصادق ووعده المتحقق، والذي ورد في كثير من الأحاديث ومنها الحديث المتواتر عن ثَوْبانَ، قال: قال رَسولُ الله ﷺ: “إنّما أخَافُ على أُمَّتي أئمةً مُضِلِّينَ”. قال: وقال رَسولُ اللهِ ﷺ: “لا تَزالُ طَائفةٌ من أُمَّتي على الحَقَّ ظاهِرينَ، لا يَضرُّهُمْ من خَذَلهم حتَّى يَأْتِيَ أمْرُ اللهِ”.
وهذه رواية الترمذي هو حديث متواتر: روي عن نحو سبعة عشر من أصحاب رسول اللَّه ﷺ.
أشار فيه النبي ﷺ إلى أفعال هؤلاء ووصفها مرة “بالخذلان”، ووصفهم أخرى بالمناوأة، وثالثة بالمعاداة، ورابعة بالمخالفة، وهذه الألفاظ تشير إلى أن المخالف والمعادي والخاذل والمناوئ يقع من القريب الذي تُرجى منه النصرة.
ونحن نثق في وعد الله جل جلاله ووعد رسوله ﷺ، وأن هؤلاء المرابطين المجاهدين لن يضرهم مَن خذلهم، ولا مَن خالفهم، ولا من ناوأهم حتى يأتي أمر الله.




