
الفرص الثلاث
مارس 13, 2026
انهارت المغارة فوق كبريائي
مارس 13, 2026ليندا نيلسون
جنوب أفريقيا (كيب تاون)
المشهد يبدأ دائماً باللون الأبيض؛ جدران المستشفى، معطفي الطبي، والستائر التي تفصل بين الحياة والموت. أنا “ليندا”، طبيبة طوارئ في قلب “كيب تاون”. مدينتي جميلة بشكل خادع، بجبالها التي تعانق المحيط، لكن خلف هذا الجمال تكمن قسوة الفقر والوجع الذي لا ينام. قضيتُ سنوات عمري أدرس كيف يعمل الجسد البشري، وكيف أصلح الكسور، وكيف أوقف النزيف، لكنني وقفتُ عاجزة تماماً أمام نزيفٍ من نوع آخر.. نزيف الروح الذي لا تداويه العقاقير.
المشهد الأول: صدمة الثبات تحت القصف
كانت ليلة هادئة في قسم الطوارئ، الرطوبة القادمة من المحيط تملأ الممرات. جلستُ في غرفة الاستراحة، كوب القهوة في يدي قد برد تماماً، وعيناي معلقتان بشاشة التلفاز المثبتة في الزاوية. كانت الأخبار تنقل صوراً من غزة. رأيتُ طفلاً صغيراً يُحمل على الأكتاف، ورأيتُ أمه.. يا إلهي، تلك الأم! كانت ثيابها مغبرة، ووجهها يحمل ندوب الفقد، لكن عينيها كانتا تشعان بيقين مرعب. رأيتها ترفع يدها نحو السماء وهي تبتسم وسط حطام بيتها وتقول: “الحمد لله، هو الذي أعطى وهو الذي أخذ”.
تسمرتُ في مكاني. كطبيبة، رأيتُ مئات الحالات التي تعرضت للصدمات النفسية (PTSD)، رأيتُ كيف ينهار الناس أمام فقدان عزيز، كيف يصرخون، كيف يتفتت كبرياؤهم. لكن هذه المرأة كانت تكسر كل قوانين علم النفس التي درستُها في جامعة كيب تاون. من أين يأتي هذا “الصمت والسكون”؟ هل هو نوع من الصدمة؟ لا، لم يكن صمتاً انفصالياً، كان رضا عميقاً وكأنها ترى شيئاً لا نراه نحن!
خرجتُ إلى الممر، رأيتُ زميلي “عمر”، جراح الأعصاب الهادئ. كان يغسل يديه بعد عملية طويلة. اقتربتُ منه وسألتُه: “عمر.. كيف يفعلون ذلك؟ تلك المرأة في التلفاز، لماذا لا تنهار كأي إنسان في حالتها هذه؟!”.
نظر إليّ عمر، كان التعب ظاهراً على وجهه لكن عينيه كانتا بئرين من الهدوء. قال لي: “إنه الصبر يا ليندا” هي لا ترى الموت نهاية، بل انتقالاً. هي تؤمن أن ابنها لم يمت، ولم يذهب للعدم، بل هو حي، وذهب إلى ربه، وهو أرحم به منها. نحن المسلمون نعلم أننا مِلك لله، والـمَلِك يحق له التصرف في ملكه، ونحن نرضى ونطيع”.
تركتُه وذهبتُ، لكن كلمة “نرضى” ظلت تطن في أذني كطنين النحل!
المشهد الثاني: القدر يسوقني إلى مشروع بصيرة!
عدتُ إلى منزلي في حي “سي بوينت”. كان المنزل واسعاً وفخماً، لكنه كان يشعرني بالوحشة. فتحتُ حاسوبي المحمول، وبدأتُ أبحث بشكل جنوني عن “مفهوم الألم في الإسلام”. وفجأة، في غمار هذا البحث، ظهر لي منشور لصفحة تسمى “مشروع بصيرة الدعوي”.
كان المنشور بسيطاً جداً في تصميمه، مكتوب عليه “القضاء والقدر في الإسلام”.. تعجبت! وكأن الخوارزمية اخترقت تفكيري، أو كأنها رسالة مشفرة لي شخصياً.
ضغطتُ على رابط “تحدث معنا” الموجود في المنشور. لم أكن أخطط للدخول في دين جديد، كنت أريد فقط أن أفهم هذا “المخدر الروحي” الذي يجعل الناس صامدين. بدأتُ الحوار مع “المحاور”. لم يسألني عن اسمي أو ديني، سألني: “ما الذي يؤلم روح الطبيبة ليندا الليلة؟”.
المشهد الثالث: سر الصمود!
كتبتُ له بغضب مكتوم: “يؤلمني الظلم. يؤلمني أن أرى الموت يختطف الأبرياء بينما يقف العالم متفرجاً. أخبرني عن إلهكم، لماذا يترك هذا يحدث؟!
ردَّ المحاور بكلمات كانت تنزل على قلبي كالمشرط الدقيق الذي يستأصل الورم: “يا ليندا، أنتِ كطبيبة، أحياناً تضطرين لبتر عضو لإنقاذ الجسد، أليس كذلك؟ المريض قد يصرخ من الألم، وقد يراكِ قاسية، لكنكِ تفعلين ذلك لعلمكِ بما لا يعلمه هو. الله له الحكمة المطلقة، والدنيا ليست هي المحطة الأخيرة. الإسلام لا يقول إن الألم غير موجود، بل يقول إن الألم له معنى وحكمة، وله عوضٌ لا يتخيله بشر”.
بدأنا رحلة حوارية استمرت لساعات. سألتُه عن المرأة في غزة، عن سر صمودها.
قال لي: “سرها هو (الإيمان). هي تعلم أن الله واحد، أحد، بيده ملكوت كل شيء. هي لا تخاف من الطائرات لأنها تعلم أن الروح بيد خالق الطائرات. اليقين يا ليندا هو أن تعيشي في جنة الرضا قبل أن تصلي لجنّة الآخرة”.
تحدثنا عن وضع المرأة في الإسلام. كنتُ أحمل أفكاراً مشوهة عن القمع والحجاب. أوضح لي المحاور أن الحجاب هو إعلان لسيادة الروح على الجسد، وأن الإسلام كرم المرأة وجعل طلب العلم فريضة عليها كبقية البشر. تذكرتُ زميلي عمر، وتذكرتُ كيف يحترم الجميع في المستشفى رصانته وأخلاقه.
سألتُه: “وكيف أصل لهذا اليقين؟ هل هناك تدريبات معينة؟”.
أجابني: “اليقين يبدأ بكلمة صدق. يبدأ بأن تعترفي أن لهذا الكون رباً لا يُعبد سواه، وأن محمداً ﷺ هو مبلغه وخاتم رسله. هل أنتِ مستعدة لتكوني طبيبة لروحكِ أولاً؟”.
المشهد الرابع: اللحظة الفارقة.. ولادة الطبيبة “ليلى”
نظرتُ من النافذة، كان الفجر قد بدأ يشق ظلام “كيب تاون”. شعرتُ فجأة بضآلة كل علمي، وضآلة كل جراحاتي أمام عظمة هذا المنطق. شعرتُ أنني كنت أحاول إصلاح ساعات مكسورة دون أن أعرف مَن هو صانع الساعة.
كتبتُ له ويدي ترتجف: “أريد أن أدخل في هذا السلام. أريد أن أكون جزءاً من هذا الثبات”.
قال لي المحاور: “رددي معي بقلبك قبل لسانك: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله”.
ذهبتُ، غسلتُ وجهي بماء بارد، شعرتُ وكأن الماء يغسل سنوات من الشك والعبثية. عدتُ خلف الشاشة ونطقتُها. نطقتُ الشهادة بكل ذرة في كياني. في تلك اللحظة، خُيل إليّ أن جدران غرفتي قد تلاشت، وأنني أقف في فضاء واسع من النور. لقد أصبحتُ مسلمة في تلك الليلة، داخل بيتي الصامت، بفضل الله تعالى الذي جعل مشروع بصيرة سبباً لذلك.
المشهد الخامس: ما بعد التحول (الحياة بألوان جديدة)
لم يعد يومي في المستشفى كما كان. اخترتُ لنفسي اسم “ليلى” في تعاملاتي الخاصة، وبدأتُ أتعلم الصلاة. أصبحتُ حين أدخل على مريض يحتضر، لا أكتفي بالنظر إلى مؤشر نبضه، بل ألمس يده وأدعو له في سري بالثبات.
زملائي في المستشفى لاحظوا هدوءاً غريباً يكسو ملامحي. زميلي “عمر” رآني ذات يوم وأنا أقرأ ترجمة القرآن في الاستراحة، فابتسم وقال: “لقد وجدتِ السر إذن”؟
أومأتُ له برأسي والدموع في عيني: “نعم يا عمر، لقد وجدتُ الطريق”.
أصبحتُ أتبرع بجزء كبير من راتبي لضحايا الحروب والفقراء ليس فقط في أحياء “كيب تاون” العشوائية بل ولغزة أيضاً، ليس من باب الشفقة، بل من باب العبادة. نمط حياتي تغير؛ تركتُ حياة السهر والمظاهر الخاوية، ووجدتُ لذتي في سجدة طويلة في جوف الليل.
لقد تعلمت مع “مشروع بصيرة” أن الطب الحقيقي ليس في المشرط وفقط، بل في الصلة بين الخالق والمخلوق، وأن الله سبحانه وتعالى هو الشافي، والطبيب مجرد سبب ليس أكثر. أنا اليوم لستُ مجرد طبيبة طوارئ، بل أنا إنسانة عرفت لماذا تعيش، ولماذا تموت، وبأن خلف كل ألم حكمة، وخلف كل ليل فجرٌ لا بد أن يشرق. أسعى جاهدة للتطوع والعمل في غزة، لعل الله يستعملني للتخفيف عن معاناة أهلها.. فادعوا لي بالتوفيق في ذلك.
أستودعكم الله.
الطبيبة ليلى.





