
العدد السابع والأربعين
أبريل 4, 2026
الحل: ساس يسوس!
أبريل 6, 2026محمد المنتصر بالله الكتاني
رحمه الله
نَعُودُ لِأَصْلِ السُّؤَالِ: هَؤُلَاءِ زَعَمُوا أنَّ هذه الْأَرْضَ أرضُ مِيعَادِهِمْ، ووَعَدَهُمْ بها أَنْبِيَاؤُهُم.
هَلْ قَـالَ شَـيْـئًا مِنَ ذَلِـكَ الْإِسْـلَامُ؟
نَعَمْ؛ قَـدْ قَـالَ، وهذَا الذِي قاله الْإِسْلَامُ عندما عَرَفْـتُهُ، لَا أقول: اكْـتَشَفْتُهُ، وثَبَتَ لغَيْرِي بعدَ ذلك؛ ذَكَرَهُ وتَـكَلَّمَ عنه، عندما أدْرَكْتُ ذلك وعَرَفْـتُهُ، قلتُ: “الْأَرْضُ أَرْضُ اللهِ، وَالْعِبَـادُ عِبَادُ اللهِ، وَالْعِبْـرَةُ بِالْـخَوَاتِمِ”؛ فَالْقُـرْآنُ الْكَرِيمُ يَقُولُ ما قالَتِ التَّـوْرَاةُ، وهُـوَ مُهَيْمِنٌ عليهِ، وهذا مِـمَّا يصدق بعض الآيةِ؛ ماذا تقول التوراة؟
تقول: “يَا بَنِي إِسْرَائِـيلَ؛ إِنَّ مَوْعِدَكُمْ فِلِسْطِينُ، أَرْضُ الْـمِيعَادِ، لِنَذْبَحَكُمْ ذَبْحًا!”، لن يكونَ لَـهُمْ عِـزٌّ وشَأْنٌ وسُلْطَـانٌ، لَا؛ سيعودون عَـوْدَ الْـمَوَالِي إلى الْـمَجْـزَرَةِ، وَكَـيْفَ؟ وَمَا معنَى: “يَعُودُونً”؟ وَمَا هِيَ أَرْضُ الْـمِيعَادِ؟
الْيَهُودُ بعدَ أنْ ضَرَبَ اللهُ عليهم الذُّلَّ والْغَضَبَ وَالْـهَوَانَ؛ قَالَ عَنْهُمْ: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا﴾ [الْأَعْرَافُ: 168]؛ هُمْ مُقَطَّعُـونَ مُوَزَّعُونَ، على خلافِ جميعِ شعوبِ الْأَرْضِ وأُمَـمِهِ، مُقَطَّعُـونَ فِي جميعِ شعوبِ الأرضِ، لا تكادُ تَجِدُ قَرْيَةً منها، ولا مدينةً، ولا إِقْلِيمًا، ولا شَعْبًا، ولا أمَّةً مِن أقَاصِي الدُّنْـيَا شَرْقًا إلى أقَـاصِيهَا غَرْبًا، وما بَيْـنَهُما، إلَّا وفيها مِنَ اليَهُودِ، فكَوْنُـهُمْ وُعِدُوا لأَنْ يَجْتَمِعُوا فيها؛ لِـمَـاذَا؟ وُعِدُوا -حَسَبَ تَـوْرَاتِـهِمْ- لِـيُذْبَحُوا ذَبْـحًا!
مَاذَا قَـالَ الْقُرْآنُ الْكَـرِيمُ؟
الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ يقولُ ويُؤَكِّـدُ هذا الْـمَعْنَى بِأَنَّ لِلْيَهُودِ فِي الْأَرْضِ -مِنَ الْفَسَادِ- فَسَادَيْنِ وفُرْصَتَيْنِ، لنْ يَتَجَاوَزَوهُمَا قَطُّ، وَكَانَ هذا عِـنْدَمَا انْـتَبَهْتُ لَهُ وَالْأَقْصَى لَـمْ يَسْقُطْ بَعْدُ، فكُنْتُ أتَأَثَّمُ وأتَـحَرَّجُ مِنْ أنْ أتَـكَلَّمَ عنه، لكنْ بَعْدَ أنْ ذَهَبَ الْأَقْصَى، وكنتُ أتَـوَقَّعُ ذلك، حَسَبَ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ، أَصْبَحَ ذلك بُشْرَى؛ لأنَّ ذلك كانَ نِـهَايَةَ الْـمَطَافِ، ولذلك صَحَّ أنْ يكونَ عنوانُ كلامي: “قِيَامُ إِسْـرَائِيلَ: نِـهَايَـةُ الْـيَهُودِ”.
قال تعالى في سُورَةٍ سُمِّيَتْ بِهِمْ: سُورَة بَنِي إِسْرَائِيلَ، كما سُمِّيَتْ: سُورَةَ الْإِسْـرَاءِ: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ [الْإِسْرَاءُ: 4].
يقولُ تعالَى: بأنَّهُ انْقَضَى فِي سابِقِ إِرَادَتِهِ وعِلْمِهِ في الْكِـتَابِ، الكتابُ هنا يَـحْتَمِلُ: أنْ يكونَ التَّـوْرَاةَ، وهو ما أَشَارُوا إليهِ وما أقَـرُّوا بأنَّـهُمْ وُعِدُوا بِفِلِسْطِينَ، لَا لِيَكُونَ لَـهُمْ شَأْنٌ، ولكنْ لِـيُـذْبَحُوا، وهو اسْـتِدْرَاجٌ كما يقولُ أصحابُ الْـحَقَائِقِ والرَّقَائِـقِ، أوْ: هُوَ قَـضَاءٌ فِي سابقِ عِـلْمِ اللهِ في اللَّـوْحِ الْـمَحْفُوظِ، أو كِلَاهُمَا، ولا مانعَ مِنْ كُـلِّ ذلكَ.
﴿وَقَضَيْنَا إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ﴾: قَضَيْنَا إليهم، فَـرَضْنَا، أَوْجَدْنَا، قَدَّرْنَا، خَلَقْـنَا، سَبَقَ هذا فِي إِرَادَتِـنَا وعِلْـمِنَا.
﴿وَقَضَيْنَا إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ عُلُـوًّا فِي الْفَسَادِ، ولا يُتَـصَوَّرُ سِوَاهُ مَعَ اللهِ.
ثمَّ أخَذَ اللهُ يُفَصِّلُ فِي هَذَيْنِ الْفَسَادَيْنِ فَـقَالَ: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا﴾ [الْإِسْرَاءُ: 5].
﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا﴾: أُولَى الْفَسَادَيْنِ؛ يَقُولُ تَعَالَى: سَيَبْعَثُ، وَهَذَا الْكَلَامُ يَحْكِيهِ عَمَّا مَضَى وَسَبَقَ فِي عِلْمِه فِي اللَّوْحِ الْـمَحْفُوظِ، وَفِي التَّوْرَاةِ، وَكَانَ لَـمْ يَحْدُثْ بَعْدَ هَذَا؛ لَا الْفَسَادُ الْأَوَّلُ وَلَا الْفَسَادُ الثَّانِي، فَكَانَ الْأَمْرُ أَنْ: بَعَثَ عَلَيْهِمْ رِجَالًا أَشِدَّاءَ دَمَّرُوهُمْ، خَرَّبُوهُمْ، تَـخَلَّلُوا دِيَارَهُمُ كَمَا يَتَخَلَّلُ الدَّمُ الْعُرُوقَ وَالْجِسْمَ.
﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا﴾، وَ(إِذَا) فِي لُغَةِ الْعَرَبِ التِي نَزَلَ بِهَا الْقُرْآنُ إِذَا دَخَلَتْ عَلَى الْفِعْلِ الْمَاضِي يُحَوَّلُ مُضَارِعًا، ﴿إِذَا جَاءَ﴾ [النصر: 1]: إِذَا يَجِيءُ، وَبِهَذَا لَـمَّا كَانَتْ (إِذَا) وَقَدْ دَخَلَتْ عَلَى الْمَاضِي؛ كَانَ هَذَا الْفِعْلُ لَـمْ يَقَعْ بَعْدُ، وَلَكِنَّ اللهَ سَيَقُولُ فِي آخِرِ الْفَقْرَةِ: إِنَّهُ قَدْ كَانَ.
﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾، وَكُلُّ خَلْقِ اللَّهِ عِبَادُهُ، ﴿فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ﴾: قَتَلُوهُمْ، وَقَطَعُوا الْفَيَافِيَ وَالْقِفَارَ، وَدَخَلُوا دُورَهِمْ، وَدَخَلُوا عَوَاصِمَهُمْ، وَخَرَّبُوا دَوْلَتَهُمْ، وَخَرَّبُوا مُلْكَهُمْ، وَقَتَلُوا وَاسْتَعْبَدُوا، وَأَسَرُوا وَشَرَّدُوا وَطَرَدُوا.
قَالَ تَعَالَـى: ﴿وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا﴾ أَيْ: هَذَا الْوَعْدُ الْأَوَّلُ، وَالْفَسَادُ الْأَوَّلُ الذِي تَـخَلَّلَهُ هَؤُلَاءِ الْعِبَادُ؛ عِبَادُ اللهِ الْأَشِدَّاءُ، ذَوُوا الْبَأْسِ وَالسُّلْطَانِ وَالْقُوَّةِ، هَذَا الْفَسَادُ قَدْ كَانَ شَيْئًا مَوْجُودًا وَذَهَبَ، وَهَذَا مَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ الْـمُفَسِّرُونَ، وَأَنَّ هَذَا الْفَسَادَ الذِي طَغَوْا فِيهِ وَتَجَبَّرُوا ثُمَّ عَاقَبَهُمُ اللهُ وَأَدَّبَـهُمْ، هَذَا الْفَسَادُ قَدْ كَانَ عِنْدَمَا قَتَلُوا أَنْبِيَاءَهُمْ، لَـمْ يَقْتُلُوا عِيسَى، وَإِنْ كَانَتْ نِيَّةُ الْقَتْلِ، وَالْـمُحَاوَلَةُ قَدْ كَانَتْ، قَدْ كَانَتْ؛ لَكِنْ قَتَلُوا أَنْبِيَاءَ آخَرِينَ؛ قَتَلُوا يَحْيَى، وَقَتَلُوا زَكَرِيَّا.
اللهُ قَالَ: قَتَلُوا الْأَنْبِيَاءَ، وَسَفَكُوا الدَّمَ الْحَرَامَ بِالْآلَافِ، وَهَتَكُوا الْأَعْرَاضَ، وَأَكَلُوا الْـمَالَ الْحَرَامَ، وَحَرَّفُوا كِتَابِ رَبِّهِمْ، وَقَذَفُوا أَنْبِيَاءَهُمْ بِكُلِّ مَا لَا يَكَادُ يَحْتَمِلُهُ إِنْسَانٌ فِي أَكْفَرِ الْكَفَرَةِ وَأَفْجَرِ الْفَجَرَةِ، وَهُمْ مَعَ ذَلِكَ لَا زَالُوا يَقُولُون عَنْهُم أَنْبِيَاء، وَلَا يَزَالُون يَقُولُون عَن الْكِتَاب: إِنَّه كِتَابُهُم الْـمُقَدَّسُ.
فَعِنْدَمَا تَجَاوَزَ طُغْيَانُهُمْ وَفَسَادُهُمْ الْحَدَّ؛ سَلَّطَ اللهُ عَلَيْهِمْ بُخْتَـنَصَّرَ الْـبَابِلِيَّ الْعِرَاقِيَّ، فَأَبَادَ خَضْرَاءَهُمْ، وَشَتَّتَ جَمَعَهُمْ، وَأَصْبَحُوا مُقَطَّعِينَ فِي الْأَرْضِ أُمَـمًا، كَمَا قَال تَعَالَى: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا﴾ [الْأَعْرَافُ: 168] هَذَا الشَّيْءُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَقَدْ ذَهَبَ.
قَالَ تَعَالَى عَنِ الْفَسَادِ الثَّانِي: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾ [الْإِسْرَاءُ: 7].
﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ﴾: أَيْضًا (جَاءَ) فَعَل الْمَاضِي، كَانَ الْكَلَامُ عَلَيْه بِإِذَا الظَّرْفِيَّةِ مَعْنَاهُ: الْـمُضَارِعَ، وَسَاعَةَ نُزُولِ الْآيَةِ – أَيْ: الْفَسَادُ الثَّانِي – لَـمْ يَكُنْ بَعْدُ، وَالْمَاضِي تَحَوَّلَ مُضَارِعًا بِـدُخُولِ (إِذَا) عَلَيْهِ.
﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ﴾: سَمَّى اللهُ الْفَسَادَ الثَّانِي: الْـمَرَّةَ الْآخِرَةَ، وَمَـا تَعْنِي كَلِمَةُ (الْآخِرَة) الَّتِي لَيْسَ بَعْدَهَا فَسَادٌ؟ وَلَيْسَ بَعْدَهَا كَيْنُونَةٌ وَلَا وُجُودٌ، اللهُ تَعَالَى قَسَّمَ الْكَوْنَ إِلَى دُنْيَا وَآخِرَةٍ، سُمِّيْتِ الدُّنْيَا دُنْيَا؛ لِأَنَّهَا أَدْنَى شَيْءٍ إِلَى الْـمَوْجُودِينَ وَالْـمَخْلُوقِينَ مِنْ خَلْقِ اللهِ، مَلَائِكَةً وَجِـنًّا وَإِنْسًا، وَمَا يَتْبَعُ ذَلِكَ مِنْ طَيْرٍ وَحَيَوَانٍ، وَسَمَّى الْآخِرَةَ الَّتِي لَيْسَ بَعْدَهَا خَلْقٌ آخَرُ، وَلَا وُجُود دُنْيَا أُخْرَى، وَلَا وُجَودٌ آخَرُ؛ سَمَّاهَا: الْآخِرَةَ؛ يَعْني: لَيْسَ فِي الْكَوْنِ إِلَا دُنْيَا وَآخِرَةٌ؛ الدُّنْيَا: فَـانِيَةٌ، وَالْآخِرَةُ هِيَ الشَّيْءُ الثَّانِي وَالْأَخِيرُ.
فَإِذَا كَانَا إفَسَادَيْنِ: الْفَسَادُ الْأَوَّلُ بَعَثَ عَلَيْهِمْ فِيهِ عِبَادًا لَهُ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا، الْـمَفْعُولُ: تَمَّ، وَأَمَّا الثَّانِـي؛ فَسَمَّاهُ: الْأَخِيرَ، وَمَعْنَاهُ: هِـيَ الثَّـانِيَةُ وَالْأَخِيرَةُ.
فَلَوْ عَبَّرَ أَحَدٌ قَالَ: جَاءَ زَيْدٌ، وَأَخِيرًا جَاءَ عَمْرٌو؛ هَل يَصِحُّ أَنْ يَقُولَ بَعْدَ ذَلِكَ: وَجَاءَ بَكْرٌ، وَجَاءَ خَالِدٌ، وَجَاءَ عَمْرٌو؟لَا!.. وَإلَّا يَكُونُ التَّعْبِيرُ غَيْرَ صَحِيحٍ، إِلَّا إِذَا أَرَادَ أَنْ يُعْرِضَ عَنْ كَلَامِهِ أَوْ يُضْرِبَ، فِيَقُولُ: (بَلْ)، وَ (بَلْ) سَمَّوْهَا فِي لُغَةِ الْعَرَبِ: (بَلْ لِلْإِضْرَابِ)، أَيْ: أَضْرَبَ وَاسْتَأَنْـفَ الْكَلَامَ، أَضْرَبَ عَنْ فَسَادِ الْقَوْلِ، وَشَطَب عَنِ الْآخرِ كَمَا يَشْطِبُ الْأُسْتَاذُ عَلَى وَرَقَةِ الطَّالِبِ عِنْدَمَا لَا يُحْسِنُ الْجَوَابَ.
﴿لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ﴾: هَذَا فِعْلٌ مُضَارِعٌ يَدُلُّ عَلَى الْـحَالٍ، والْفِعْلُ الْـمُضَارِعُ يَدُلُّ عَلَى الْـحَالِ أَوِ الِاسْتِقْبَالِ؛ فَمَعْنَاهُ: وَقْت نُزُولِ الْآيَةِ، فِي الْـحَالِ؟ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مَا حَدَثَ مِنْ رَسُولِ اللهِ مَعَ يَهُودِ الْمَدِيَنَةِ هَوَ الْفَسَادَ الْكَبِيرَ الذِي انْتَشَرَ فِي الْأَرْضِ وَاحْتَاجَ وَاحْتَاجَ وَاحْتَاجَ، وَلَـمْ يَكُنْ فِيهِ لَا شَرْكَعَةٌ ولَا بَهْدَلَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ فِي الْمَدِيَنَةِ ولَا فِي مَكَّةَ، لَا مُسْلِمِي الْمَدِيَنَةِ، وَلَا مُسْلِمِي مَكَّةَ، هَذَا لَـمْ يَكُنْ قَطُّ، وَإِنْ كَانَ قَدْ قَالَهَا بَعْضُ النَّاسِ.
[أَمَّا الشَّرْكَعَةُ والْبَهْدَلَةُ] فَهَذَا مَا وَقَع مَعَهُم فِي الْحَرْبِ، الْيَهُودُ قَالُوا: سَيَغْلِبُونَ خِلَال سِتَّةِ أَيَّامٍ، هُمْ أَخَذُوا مَا كَانُوا يُرِيدُونَهُ خِلَالَ سِتِّ سَاعَاتٍ، وَإِنَّـمَا الْأَيَّامُ السِّتَّةُ كَمَا سَمَّوْهَا فِي الْـمُخَطَّطِ الذِي وَضَعُوهُ لـما كَانُوا يُرِيدُونَ أَنْ يَأْخُذُوهُ، وَلَكِنَّ تِلْكَ الْـمُعَارَضَةَ التِي كَانَتْ سَنَةَ 1967 لَـمْ تَكُنْ شِعَارًا، كَانَ فِيها مُوَاطَأَةٌ وَمُؤَامَرَةٌ، سَلَّمُوا فِيهَا الْبِلَادَ وَالْعِبَادَ لِلْيَهُودِ بِغَيْر حَرْبٍ، ذَهَبُوا لِقَتْلِ الْـمُسْلِمِ وَالْأَخِ وَابْنِ الْعَقِيدَةِ، وَابْنِ الدَّمِ، خِلَالَ سَبْعِ سَنَوَاتٍ، وَتَرَكُوا الْبِلَادَ بِلَا حِرَاسَةٍ وَلَا جَيْشٍ وَلَا تَـحْصِينٍ وَلَا حُدُودٍ، وَهَكَذَا عِنْدَمَا أَرَادُوا أَنْ يُسَلِّمُوا الْبِلَادَ تَوَاطُؤٌ وَخِيَانَةٌ، قَالُوا لِلْبُولِيس الدَّوْلِـيِّ: كَـشْ، وَفَـتَحُوا الْبَابَ، وَقَالُوا لِلْآخَرِينَ: تَفَضَّلُوا، وَهَكَذَا كَانَ، مَا كَانَتْ حَرْبٌ.
وَالْقُرْآنُ مَا قَالَ: “حَـرْب”، قَالَ: ﴿لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ﴾: يُسَوِّدُوا الْوَجْهَ، فِعْلًا سَوَّدُوا وُجُوهَنَا، سَوَّدَ اللّه وُجُوهَهُمْ وَهُوَ مُسْوَدٌّ الْآنَ وَسَيَزْدَادُ، مَنْ سَعَى فِي ذَلِكَ؟ وَمَنْ تَسَبَّبَ فِيه ِ؟ وَمَنْ هَلَكَ؟ نَفَسُ التَّعْبِيرِ مُنْـتَهَى مَا يَكُونُ الْإِعْجَاز وَالْبَلَاغَة، جَاءَ الْفَسَادُ الثَّانِي، وَكَانَ هُوَ مَا قَالَهُ الْقُرْآنُ بِالْـحَرْفِ، وَذَلِكَ مِنْ مُعْجِزَاتِـهِ.
﴿لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ﴾: يبَهْدِلُوكُمْ يَا مُسْلِمِينَ، يُشطحُوكُمْ، يُسَوِّدُوا وُجُوهَكُمْ، وَأَقْصَى كَلِمَةٍ يَقُولُهَا الْعَرَبِيُّ الْآنَ: “فُلَانٌ سَوَّدَ الْوَجْهَ، سَوَّدَ اللهُ وَجْهَهُ”، وَهَذَا مُنْتَهَى مَا يَكُونُ فِي اللَّعْنَةِ وَالْخِزْيِ.
﴿وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ﴾: أَيْضًا: “لِيَدْخُلُوا”: مُضَارِعٌ يَدُلُّ عَلَى الْحَاضِرِ وَالِاسْتِقْبَالِ، الْـمَسْجِدُ لَـمْ يَدْخُلُوهُ فِي الْأَيَّامِ النَّبَوِيَّةِ، بَلِ الذِي دَخَلَهُ: الْـمُسْلِمُونَ، الذِينَ دَخَلُوهُ أَيَّامَ عُمَرَ، وَالْـمَسْجِدُ عِنْدَمَا يُقَالُ: ” الْـمَسْجِدُ ” بِالْأَلْفِ وَاللَّامِ؛ الْأَلِفُ وَاللَّامُ هُمَا لِلْمَعْهُودِ الذِّهْنِيِّ الذِي مَضَى قَرِيبًا، فِي الْآيَةِ السَّابِقَةِ قَال تَعَالَى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ أَيْ: الْـمَسْجِدُ الْأَقْصَى، لِيَدْخُلُوا الْـمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ، وَلَـمْ يَسْبِقْ فِي التَّارِيخِ عَلَى طُولِهِ وَعَرْضِهِ أَنَّ الْيَهُودَ كَانُوا فِي الْقُدْسِ إِلَّا أَيَّـامَ سُلَيْـمَانَ عِنْدَمَا قَالُوا بَنَوْا الْـهَيْكَلَ، وَخَرَّبَهُ الرُّومُ وَلَـمْ يَعُودُوا.
لَكِـنَّ اللهَ قَـالَ فِـي هَـذِهِ الْآيَـةِ، وَحَـدَّدَ أَنَّه فَـسَادٌ، وَعَـلَامَـةُ الفَسَادِ الثَّانِي: دُخُولُـهُمْ لِلْمَسْجِـدِ ﴿وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ﴾، سَيُخَرِّبُونَ هَذَا الْـمَسْجِدَ تَـخْرِيبًا كَامِلًا، وَقَدْ ابْتَدَئُوا بِمُجَرَّدِ دُخُولِـهِمْ؛ حَرَّقُوهُ وَقَالُوا: “مَـجْنُونٌ مِنَ الْـمَجَانِينِ حَرَّقَـهُ”، ثُمَّ يَهْدِمُونَ أَسَاسُهُ بِحُجَّةِ الْبَحْثِ عَنْ أُصُولِ الْـهَيْكَلِ، وَسَوْفَ لَا يَجِدُونَهُ، وَلَكِنَّ الْيَهُودَ قَوْمٌ بُهْتٌ كَمَا وُصِفُوا وَوَصَفَهُمْ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، كَذَبَةٌ فَجَرَةٌ، يَكْذِبُونَ عَلَيْكَ فِي وَجْهِكَ، مَادَامَ السَّيْفُ لَا يَزَالُ فِي يَدِهِمْ لَـمْ يَنْتَزِعْهُ مِنْ يَدِهِمُ الْـمُسْلِمُونَ، سَيَقُولُونَ وَيَقُولُونَ، وَيَأْتُونَ بِآثَارٍ وَأَلَاعِيبَ، وَيَقُولُونَ: وَجَدْنَاهَا.
وَافْرِضْ أَنَّ الْأَمْرَ كَذَلِكَ؛ هَلْ لِأَنَّ هَذَا الْـهَيْكَلَ كَانَ يَوْمًا مِنَ الْأَيَّامِ فِي يَدِ سُلَـيْـمَانَ، الذِينَ هُمْ قَالُوا عَنْهُ : ” كَفَرَ”، وَلَعَنُوهُ وَأَخْزَوْهُ فِي التَّوْرَاةِ، وَشَتَمُوا أَنْبِيَاءَهُمْ الذِينَ يَزْعُمُونَ الْآنَ أَنَّهُمْ سَمَّوْا دَوْلَتَهُمْ بِـهِمْ، هَذَا لَا يُقَدِّمُ شَيْئًا وَلَا يُؤَخِّرُ.
نَحْنُ لَا نَمْلِكُ الْبِنَاءَ فَقَطْ، وَلَا قِيمَةَ لِلْبِنَاءِ، نَمْلِكُ الْأَرْضَ، عَلَتْ إِلَى مَا فَوْقُ؛ هِيَ أَرْضُنَا، نَزَلَتْ لِلْأَرْضِ السَّابِعَةِ؛ هِي أَرْضُنَا، وَهِيَ أَرْضُنَا مِنَ الْأَرْضِ السَّابِعَةِ إِلَى الْأَفْنَانِ عَلَى فَرْضِ صَعِدُوا فِي الْأَفْـنَانِ، سَوَاءٌ أَبْـقَوْا الْبِنَاءَ أَوْ خَرَّبُوهُ، وَلَا قِيمَةَ لِلْـبِنَاءِ، نَحْنُ لَا نَحْرِصُ عَلَى الْأَقْصَى لِأَنَّهُ مِنْبَرٌ أَثَرِيٌّ، لِأَنَّ عَبْدَ الْـمَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ صَنَعَ وَصَنَعَ، وَمَا بَعْدُ؟ فَلْيَـأْخُذُوهُ، إِذَا أَرَادُوا أَنْ يُبَايِعُونَا أَوْ يُشَارُونَا، أَوْ يُسَاوِمُونَا عَلَى أَسَاسِ أَنْ يَهْدِمُوهُ وَيَتْـرُكُوهُ لَنَا، نَحْنُ قَابِلُونَ، وَسَنَبْنِيهِ بَعْدُ بِمَا نَشَاءُ، إِنْ صَحَّ أَنْ نَـبْنِيَهُ لَـبِنَةً مِنْ فِضَّةٍ وَلَـبِنَةً مِنْ ذَهَبٍ؛ بَنَـيْنَاهُ، وَلَكِنَّ هَذَا لَا يَصِحُّ، وَلَا حَاجَةَ إِلَيْهِ، الْعَبْرَةُ بِالْأَرْضِ.
﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾: لَـمْ يَسْبِقْ فِي التَّارِيخِ أَنْ دَخَلَ الْيَهُودُ لِـهَذِهِ الْأَرْضِ إِلَّا أَيَّامَ سُلَيْمَانَ، وَمَا كَادَتْ تَنْتَهِي أَيَّامُ سُلَيْمَانَ حَتَّى سَلَّطَ اللهُ عَلَيْهِمُ الْفُرْسَ ثُمَّ الرُّومَ، حَتَّى إِنَّ عِيسَى -آخِرَ أَنْبِيَائِهِمْ- عِنْدَمَا نُبِّئَ فِي فِلِسْطِينَ أَوْ فِي النَّـاصِرَةِ أَوْ فِي الْقُدْسِ؛ كَانَتِ الْأَرْضُ لِلرُّومَانِ، وَهُمْ يَقُولُونَ -سَوَاءٌ فِي تَوْرَاتِهِمْ الْـمُحَرَّفَةِ أَوْ فِي إِنْجِيلِهِمُ الْـمُحَرَّفِ- إِنَّهُمْ لَـمَّا أَرَادُوا قَتْلَ عِيسَى؛ أَثَارُوا عَلَيْهِ الرُّومَ، وَقَالُوا: إِنَّهُ يُرِيدُ مُلْكًا ويُرِيدُ إِمْبَرَاطُورِيَّةً…وَإِنْ كَانُوا قَدْ قَتَلُوا مَنْ شَبَّهُوهُ بِهِ كَمَا قَالَ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ﴾ [النِّسَاءُ: 157].
وَهَذَا بِعَيْنِهِ مَا ذَكَرَهُ إِنْجِيلُ برْنَابَا الذِي حَاوَلُوا أَنْ يُنْكِرُوهُ، وَهُوَ أَصَحُّ أَنَاجِيلِهِمْ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَقَدْ قَدَّمَ لَهُ نَصْرَانِيٌّ مَارُونِـيٌّ مُتَعَصِّبٌ، وَقَالَ بِأَنَّ: “هَذَا الْإِنْجِيلَ أَخَذَتُهُ مِنَ الْخَزَائِنِ السِّرِّيَّةِ لِخَزَائِنِ الْفَاتِيكَانِ”، وَعُرِفَ عِنْدَ النَّصَارَى قَبْل ظُهُورِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِقُرُونٍ، وَكَتَبَ مُقَدِّمَةً لَوْ تُعْطَى الشَّهَادَاتُ الْعُلْيَا “الدُّكْـتُورَاه” -وَإِنْ كَانَ هَذَا حَدَثَ فِي جَامِعَاتٍ أُخْرَى- بِمُجَرَّدِ دِرَاسَةِ هَذِهِ الْـمُقَدِّمَةِ؛ لَأَعْطَيْتُهُ فِيهَا أعَلَى شَهَادَةٍ بِهَا: الدُّكْـتُورَاه، لِبَحْثِ الْإِنْجِيلِ وَكِتَابَةِ الْـمُقَدِّمَةِ فِي نَحْوِ مِائَةِ صَفْحَةٍ؛ لَكِن عِبَارَة عَنْ كِتَابٍ دِرَاسِيٍّ تَحْقِيقِيٍّ، مُنْتَهَى مَا يَكُونُ مِنْ قُوَّةٍ فِي الْبَحْثِ وَالدَّلِيلِ وَالْبُـرْهَانِ، وَأَظُنُّ أَنَّ الرَّجُلَ أَسْلَمَ، كِتَابَـتُهُ تَدُلُّ عَلَى إِسْلَامِهِ، وَابْنُـهُ كَانَ مِنْ أَشَرِّ النَّاسِ وَأَلْعَنِهِمْ، قُتِـلَ، وَهُوَ أَشُكُّ أَنَّـهُ قَدْ مَاتَ مُسْلِـمًا.
﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾ لِيُخَرِّبُوا، وَقَدْ بَدَئُوا، مَاذَا بَعْدَ ذَلِكَ؟ انْتَهَى الْيَهُودُ، وَالْأَمَارَةُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ رَبِّنَا: أَنْ يُفْسِدُوا مَرَّةً ثَانِيَةً، وَيَدْخُلُوا الْأَقْصَى، وَقَدْ دَخَلُوهُ، وَلَـمْ يَبْقَ الْآنَ إِلَّا الْخُرُوجُ.
عِنْدَمَا وَجَدْتُ هَذَا الْمَعْنَى وَانْتَبَهْتُ لَهُ، عَادَتْ إِلَيَّ عَقِيدَتِـي، وَعَادَ إِلَيَّ سَلَامَةُ التَّـفْكِيرِ، وَأَحْمَدُ اللهَ وَأَشْكُرُهُ وَلَا أَزَالُ، وَقَصَصْتُ ذَلِكَ عَلَى وَالِدِي [الْعَلَامَةِ مُحَمَّدٍ الزَّمْزَمِيِّ الْكَتَّـانِـيِّ] فِي فَاسٍ، وَأَنَا كُنْتُ أَسْكُنُ سَلَا، فَانْتَبَهَ وَأَقَـرَّنِي، وَقَالَ لِي: “وَيُؤَكِّدُ فَهْمَكَ: آخِرُ السُّورَةِ”، مَاذَا؟ اللهُ تَعَالَى قَصَّ عَلَيْنَا بَـعْدَ أَنْ نَصَرَ مُــوسَى عَلَى فِـرْعَوْنَ وَآلِ فِـرْعَوْنَ، قَالَ: ﴿وَقُلْنَا مِن بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا﴾ [الْإِسْرَاءُ: 104] إِذَا جَاءَ وَعْدُ الْفَسَادِ الْآخَرِ، التَّالِي، الْأَخِيرِ، الذِي لَيْسَ بَعْدَهُ ثَالِـثٌ: ﴿وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ﴾”.
وَهَذَا -أَيْضًا- مِنَ الْـمُعْجِزَاتِ الْقُرْآنِـيَّةِ الْعَظِيمَةِ الْعَجِيبَةِ، اللَّفِيفُ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ: الْعَدَدُ مِنْ ثَلَاثَةٍ إِلَى تِسْعَةٍ، إِلَى عَشَرَةٍ، وَمَعْنَاهُ: سَيَأْتِي الْيَهُودُ إِلَى الْأَقْصَى، إِلَى فِلَسْطِينَ لَفِيفًا لَـفِيفًا؛ مِنْ أَيْنَ؟ قَالَ اللهُ فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا﴾ [الْأَعْرَافُ: 168]، وَهَذَا الذِي حَدَثَ خِلَالَ خَمْسِينَ عَامًا وَلَا يَزَالُونَ يَتَجَمَّعُونَ مِنْ مُـخْتَلَفِ أَقْطَـارِ الْأَرْضِ بِالْـوَاحِدِ وَالِاثْنَيْنِ وَالثَّلَاثَةِ وَالْـخَمْسَةِ، وَالسَّبْعَةِ وَالْعَشَرَةِ يَتَجَمَّعُونَ.
﴿وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا * وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ [الْإِسْرَاءُ: 104 – 105]، يَقُـولُ تَعَـالَى عَنْ كِـتَابِهِ: بِالْـحَقِّ أَنْزَلَهُ وَبِالْـحَقِّ نَزَلَ عَلَى رَسُولِ اللهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، كُلُّ مَا فِيهِ حَقٌّ، وَأَنْزَلَهُ بِحَقِّهِ عَلَى النَّبِيِّ الْـحَقِّ مُحَمَّدِ ابْنِ عَبْدِ اللهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ.
نِـهَايَةُ إِسْـرَائِيلَ فِـي السُّنَّـةِ النَّبَوِيَّـةِ
هَذَا الْمَعْنَى أَكَّدَهُ رَسُولُ اللهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِحَدِيثٍ مُتَوَاتِرٍ، وَيَكَادُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ قَبْلُ غَيْرَ مَقْبُولٍ أَو غَيْرَ مَفْهُومٍ، وَقَدْ جَاءَ سَيِّدُ الْمُحَدِّثِينَ وَالْحُفَّاظِ، وَالذِي قَلَّ أَنْ مَضَى مِثْلُهُ وَلَـمْ يَأْتِ بَعْدَهُ نَظِيرُهُ بِالْيَقِينِ؛ وَهُـوَ: الْحَافِظُ الْإِمَامُ الْحُجَّةُ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيُّ الْـمِصْرِيُّ، فِي كِتَابِهِ: “فَـتْحُ الْبَارِي” عَنْدَ شَرْحِهِ لِـهَذَا الْحَدِيثِ، وَلَـمْ أَقُلْهُ بَعْدُ، وَسَأَقُولُهً، فَشَرَحَهُ وَلَفَتَ النَّظَرَ إِلَيْهِ، وَلَكِنْ عِنْدَمَا أَرَادَ النَّـتِيجَةَ لَـمْ يَصِلْ إِلَى نَتِيجَةٍ، لِأَنَّهُ كَمَا يُقَالُ فِي الْقَوَاعِدِ الْـَمَنْطِقِيَّةِ: “الْـحُكْمُ عَلَى الشَّيْءِ فَرْعُ تَصَوُّرِهِ”، فَمَا كَانَ يَتَصَوَّرُ الْعَقْلُ الْإِنْسَانِيُّ إِذْ ذَاكَ، وَلَا الْعَقْلُ مُنْذُ خَمْسِينَ سَنَةً فَقَطْ أَنَّ الْيَهُودَ سَتَكُونُ لَـهُمْ قَائِمَةٌ وَتَكُونُ لَـهٌمْ دَوْلَةٌ.
قُلْنَا: هَذِهُ الْآيَةُ فَسَّرَهَا النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فَقَالَ كَمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، وصَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، وَالْكُـتُبِ السِّتَّةِ، وَصَحِيحِ ابْنِ خُزَيْمَةَ، وَصَحِيحِ ابْنِ حِبَّانَ، وصَحِيحِ الْحَاكِمِ… وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أُمَّهَاتِ السُّنَّةِ، عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ؛ فِيهِمْ: عُمَرُ، وَفِيهِمْ: عَلِيٌّ، وَفِيهِمْ: ابْنُ مَسْعُودٍ، وَفِيهِمْ: ابْنُ عَبَّاسٍ… إِلَى ثَلَاثَةَ عَشَرَ صَحَابِيًّا رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ: قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: “تُـقَاتِلُكُمُ الْيَهُودُ، فَتُقَاتِلُونَهُمْ، فَتَنْتَصِرُونَ عَلَيْهِمْ، حَتَّى يَقُولَ الشَّجَرُ وَالْـحَجَر والْـمَدَرُ: يَا عَبْدَ اللهِ، يَا عَبْدَ الرَّحْـمَنِ، يَا مُسْلِمُ؛ هَذَا يَهُودِيٌّ خَلْفِي تَعَالَ فَاقْتُلْهُ، إِلَّا الْغَرْقَـدَ”.
هَذَا الْحَدِيثُ عَجِيبٌ غَرِيبٌ، كَانَ يَقُولُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ : “إِنَّ مُعْجِزَاتِ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بَعْدَ مَوْتَهِ لَأَعْظَمُ مِنْهَا فِي حَيَاتِهِ”، وَأَنَا أَقُولُ هَذَا -وَاللهِ- قَبْلَ أَنْ أَسَمَعَ هَذِهِ الْكَلِمَةَ وَأَرْوِيهَا عَنْ عُـمَرَ.
نَحْنُ نَعِيشُ فِي مُعْجِزَاتٍ ذَكَرَهَا الْقُرْآنُ، وَمُعْجِزَاتٍ كَثِيرَةٍ كَثِيـرَةٍ جِدًّا ذَكَرَهَا رَسُولُ اللهِ فِي الْحَدِيثِ النَّبَوِيِّ، نَعِيشُ فِي وَاقِعِهَا، آمَنَّـا بِهَا شُهُودًا وَوَاقِعًا، وَلَـمْ يُؤْمِنْ بِهَا مَنْ قَبْلَنَا إِلَّا تَصْدِيقًا، كَمَا آمَنَ مَنْ قَبْلَـنَا فِي عَصْرِ الصَّحَابَةِ بِمَا أَدْرَكُوهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ مِنْ مُعْجِزَاتٍ شُهُودًا، وَآمَنَّا بِهَا تَصْدِيقًا، وَلَكِنَّ مُعْجِزَاتِـنَا أَكْثَـرُ مِنْ مُعْجِزَاتِـهِمْ.





