
مثلث الإرهاب
أبريل 4, 2026
العدد السابع والأربعين
أبريل 4, 2026د. حسين عبد العال
رئيس هيئة أمة واحدة
لقد منَّ الله تعالى علينا بقضاء شهر رمضان المبارك، ذقنا فيه حلاوةً ليست من الدنيا، بل هي من الجنة، فأبواب الجنة كانت مفتوحةً في رمضان، وكان عبير الجنة يهب علينا من هذه الأبواب، فنجد لها حلاوةً في قلوبنا وبردًا في صدورنا..
فهذه حلاوة الصلاة ومتعتها وجمالها، صلاة الفرض مع الجماعة والمساجد ممتلأة بالمصلين، وصلاة التراويح وما أجمل صلاة التراويح، نصلي في اليوم بجزء كامل من القرآن أو قريبًا منه، ونستمتع كذلك بصلاة التهجد في آخر الليل وخاصة في العشر الآواخر من رمضان، وحلاوة الصيام وكل يوم نصومه نتذكر معه قول النبي ﷺ: “مَن صامَ يَومًا في سَبيلِ اللهِ بَعَّدَ اللهُ وَجهَه عَنِ النَّارِ سَبعينَ خَريفًا”.
وهنا نكون في نشوة عظيمة إذ يباعد الله بيني وبين النار سبعين سنة لأجل صوم يوم واحد في سبيله، إلهي ما أعظمك وأحلمك وأجملك!
فضلًا عن حلاوة الذكر وقراءة القرآن والصدقة والكلمة الطيبة وقضاء حاجة الآخرين، وغيرها من أعمال الخير والبر.
وقفة مهمة
وهنا مع كل هذه الأعمال الجميلة في رمضان ولما ذقنا حلاوتها.. تعاهدنا، نعم تعاهدنا، تذكر أخي معي أننا تعاهدنا مع الله تعالى، وتعاهدنا مع أنفسنا، ومع أصحابنا وأصدقائنا الذين كانوا يصلون معنا ويفطرون، ويصلون التراويح معنا ويعتكفون.
وعلى ماذا تعاهدنا؟!!
أتذكُر العهد؟!!
تعاهدنا على مواصلة الطريق، على متابعة أعمال الخير والبر هذه وعدم قطعها.. تعاهدنا على عدم النكوص للوراء، بل على التقدم في طاعتنا للأمام دائمًا.
واليوم تعالَ معي نتذكر ونتذاكر بعضًا مما تعاهدنا عليه حتى نوفي بعهودنا.
صيام النوافل
بعد ما سمعنا حديث النبي ﷺ: “مَن صامَ يَومًا في سَبيلِ اللهِ بَعَّدَ اللهُ وَجهَه عَنِ النَّارِ سَبعينَ خَريفًا”. وعلمنا أن ذلك اليوم سواءً كان فرضًا أو نفلًا، فهو يستوي في زحزحتنا عن النار سبعين خريفًا، عندها تعاهدنا! أتذكر على ماذا تعاهدنا؟!
تعاهدنا على صيام الأيام الستة من شوال، والتي قال عنهم رسول الله ﷺ: “مَن صامَ رَمَضانَ ثُمَّ أتبَعَه سِتًّا مِن شَوَّالٍ كانَ كَصيامِ الدَّهرِ”. فما أجمل أن نوفي بعهدنا ونصوم الأيام الستة، فيباعد الله بها بيننا وبين النار 420 خريفًا، أي أربعمائة وعشرين سنةً.
وتعاهدنا كذلك على صيام يوم عرفة، ويوم عاشوراء، وعلى صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وهي الأيام البيض ثالث عشر ورابع عشر وخامس عشر من كل شهر قمري، وعلى صيام الاثنين والخميس من كل أسبوع، بل ومنا من تعاهد على صيام يوم ويوم، كل ذلك من جمال وحلاوة الصيام التي تذوقناها في رمضان، ولذا قال النبي ﷺ لأبي أمامة الباهلي عن الصيام: لما سأله أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: “عَلَيْكَ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَا عِدْلَ لَهُ”.
نعم أنا معك قد لا نملك الوفاء بالعهد كله، وربما تعاهدنا سابقًا ولم نوفِ، لكني أقول لك: فلنوفِ قدر استطاعتنا، لكن باجتهاد منا وتذكر لعظيم الأجر، وأما نكوصنا في سالف السنين فلعل الله أن يغفره لنا، ولا يكون دليلاً لنا للنكوص مرة أخرى، بل حافز لنا أن نوفي هذه المرة فيغفر لنا ما مضى.
الصلاة وما أدراك ما الصلاة؟!
ولا أعني هنا صلاة الفرض، فهذه لا يسع المسلم تركها، بل من تركها فليحذر من لحوق الكفر به، لكني أعني غير ذلك، مما تعاهدنا عليه أيضًا، من الحفاظ على صلاة الجماعة في المسجد والبيت وغير ذلك، وتعاهدنا على الحفاظ على السنن الرواتب، قبل الفرض وبعده، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَوْسٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عَنْبَسَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ، فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، بِحَدِيثٍ يَتَسَارُّ إِلَيْهِ، قَالَ: سَمِعْتُ أُمَّ حَبِيبَةَ تَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: “مَنْ صَلَّى اثْنَتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً فِي يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، بُنِيَ لَهُ بِهِنَّ بَيْتٌ فِي الْجَنَّةِ”. قَالَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ: فَمَا تَرَكْتُهُنَّ مُنْذُ سَمِعْتُهُنَّ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وقال ابن عَنْبَسَةُ: فَمَا تَرَكْتُهُنَّ مُنْذُ سَمِعْتُهُنَّ مِنْ أُمِّ حَبِيبَةَ، وَقَالَ عَمْرُو بْنُ أَوْسٍ: مَا تَرَكْتُهُنَّ مُنْذُ سَمِعْتُهُنَّ مِنْ عَنْبَسَةَ.
فعساني وإياك ألا نتركهن بعد اليوم.
وتعاهدنا على صلاة الضحى ولو ركعتين يوميًا لكسب أجرهما العظيم، عَنْ أَبِي ذَرٍّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ “يُصْبِحُ عَلَى كُلِّ سُلَامَى مِنْ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ؛ فَكُلُّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَحْمِيدَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَهْلِيلَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَكْبِيرَةٍ صَدَقَةٌ، وَأَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ، وَنَهْيٌ عَنِ الْمُنْكَرِ صَدَقَةٌ. وَيُجْزِئُ، مِنْ ذَلِكَ ركعتان يركعهما من الضحى”.
وصلاة قيام الليل، وما أدراك ما جمال صلاة قيام الليل! وأحسبك ذقت حلاوتها، عَنْ أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: “أَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ رَمَضَانَ شَهْرُ اللَّهِ الْمُحَرَّمُ. وَأَفْضَلُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْفَرِيضَةِ صَلَاةُ اللَّيْلِ”.
فلا تحرم نفسك ولو أن تداوم على ركعتين.
قراءة القرآن
فروعة القرآن وجماله، وقراءته سرًا وجهرًا، والترنم به أثناء معتكفك، وعند قيامك في زاوية المسجد وأنت تحب أن تترنم به وحدك، لا شك أنه ترك فيك أثرًا عظيمًا من الحب والعشق لكتاب الله تعالى، بل وتدبرك لكثير من آياته، ووقوفك عند بعض الآيات مكررًا لها، لأنها لامست جرحك، وداوت ألمًا فيك كان يستعصي عن العلاج والدواء، كل ذلك يجعلك متذكرًا لعهدك أنك لا ولن تنقطع عن قراءة القرآن أبدًا ما حييت، وأقل ذلك أن تختم القرآن كل شهر مرة، ولا حدّ لأكثره طالما تستطيع ذلك.
بل وحفظ القرآن ولو آية واحدة مع المداومة، يجعلك الله تعالى بذلك من أهل القرآن الذين هم أهل الله وخاصته، وأنعم لهم بالثواب العظيم من الله تعالى! عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: “إِنَّ لِلَّهِ أَهْلِينَ مِنَ النَّاسِ”. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ هُمْ؟ قَالَ: “هُمْ أَهْلُ الْقُرْآنِ، أَهْلُ اللَّهِ وَخَاصَّتُهُ”. فاحرص أن تكون من أهل الله تعالى، وحاشا لله تعالى أن يعذب أهله، بل وحاشا له أن يحرمهم من أعلى نعيم في الجنة.
الصدقات وفضلها
اِعلم أن الصدقة غير مرهونة بشهر رمضان، وإن كان ثوابها يضاعَف فيه، واعلم أن ثوابها يضاعف أيضاً متى وُجدت الحاجة إليها، وفضل الصدقة لا يخفى على أحد، ويكفي أنها الشيء الأول الذي يتمنى الميت عند موته لو تأخر قليلًا من أجل أن يفعله، قال تعالى: ﴿وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ﴾ [المنافقون: 10]، ويكفي أنها ظل المرء يوم القيامة، والناس في حر شديد وشمس ملهبة، عَنْ يَزِيدِ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، أَنَّ أَبَا الْخَيْرِ حَدَّثَهُ، أَنَّهُ سَمِعَ عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: “كُلُّ امْرِئٍ فِي ظِلِّ صَدَقَتِهِ حَتَّى يُفْصَلَ بَيْنَ النَّاسِ”. أَوْ قَالَ: ” يُحْكَمَ بَيْنَ النَّاسِ”.
قَالَ يَزِيدُ: وَكَانَ أَبُو الْخَيْرِ لَا يُخْطِئُهُ يَوْمٌ إِلَّا تَصَدَّقَ فِيهِ بِشَيْءٍ وَلَوْ كَعْكَةً، أَوْ بَصَلَةً، أَوْ كَذَا”.
فاحرص عبد الله على دوام الصدقة، فالفقراء يحتاجون في رمضان كغيره من الأيام، وأعظم الصدقة ما كانت جارية غير منقطعة، وما كانت من صحيح فقير، وما كانت عند حاجة الفقير إليها، فمن شاء فليوسع ظله يوم القيامة، ومن شاء فليضيقه، والتعيس من لا يجعل له ظلاً يستظل به.
وكثيرة هي الطاعات التي تعاهدنا عليها:
فها هي صلة الأرحام، وها هو الذكر الدائم، والصلاة على النبي ﷺ، وها هي الكلمة الطيبة، وحضور حلقات الذكر والعلم، والمشي في حاجات الناس، لا حرمنا الله تعالى وإياكم من عمل الخير، ومن مواصلة الطاعات لله تعالى.





