
الاحتلال يقصف غزة ويُغلق رفح بقرار أمريكي
يناير 6, 2026
﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ﴾
يناير 6, 2026أحمد هاني
كاتب وطالب بكلية الطب
بسم الله الرحمن الرحيم.. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد الأولين والآخرين، الذي بُعث رسولاً في الأميين، أما بعد: فقد قال تعالى: ﴿وَلِتَسۡتَبِینَ سَبِیلُ ٱلۡمُجۡرِمِینَ﴾ [الأنعام: ٥٥].
فإنه لا يخفى على أحد ما تمر به أمتنا من ظروف عصيبة، فالمقدسات مستباحة ودماء المسلمين تجري صبيبة، والأعداء يقذفوننا بكل فتنة وبكل مصيبة. ورأيت أن اليأس تملك من قلوب الأكثرين، وخلاصة شباب الأمة قد عموا عن طبائع الكافرين وسبل المجرمين، وبعدت الشُّقة بينهم وبين القرآن فلم يستخرجوا منه سنن الأولين، التي اكتنزت بين دفتيه عبرا للآخرين، فهذه محاولة من عبد ضعيف لاستخراجها، وعقل يسعى لمحاولة افتهامها، أرجو أن يكون هذا العمل خالصا لله وحده، وقد سميته “طبائع الكفر ومصارع الكبر”. وحاولت فيه تدبر طبائع الكافرين وأقوالهم، ومصارع استكبارهم وأفعالهم.
- فمن طبائع الكفر أنه يقبلك ويحترمك ويقدرك، بل قد يسيّدك ويقدمك، طالما لم تعترض على كفر سياسته، وتدعوه إلى توحيد الله وسيادته، ألم ترَ إلى قول ثمود لصالح عليه السلام ﴿قَالُوا۟ یَـٰصَـٰلِحُ قَدۡ كُنتَ فِینَا مَرۡجُوࣰّا قَبۡلَ هَـٰذَاۤ﴾ [هود: ٦٢]، أي: كنا نرجو أن تكون فينا سيدا مطاعا ذا عقل ورأي قبل أن تقول ما قلت. ألم تنظر إلى سيرة النبي ﷺ قبل بعثته وكيف كان أهل مكة ينادونه بالصادق والأمين، وقبِلوا بحُكمه في واقعة الحجر الأسود المبين، ثم لما دعاهم إلى توحيد رب العالمين قالوا: ﴿إِنۡ هَـٰذَاۤ إِلَّا سِحۡرࣱ یُؤۡثَرُ * إِنۡ هَـٰذَاۤ إِلَّا قَوۡلُ ٱلۡبَشَرِ﴾ [المدثر: 24-25]. ليس هذا فقط! ﴿بَلۡ قَالُوۤا۟ أَضۡغَـٰثُ أَحۡلَـٰمِۭ بَلِ ٱفۡتَرَىٰهُ بَلۡ هُوَ شَاعِرࣱ﴾ [الأنبياء: 5].
فانظر يا أخي كيف تحول الصادق الأمين، بين عشية وضحاها، إلى كاذب وساحر وشاعر ومجنون!
ولكي أقرب إليك الصورة بشكل أكثر واقعية وأقرب زمنياً، كتب حسين أحمد أمين -من عتاة العلمانيين المصريين- عن سيد قطب فقال الآتي:
“لم يكن ثمة ما يوحي في تلك الفترة من حياة سيد قطب -وهو الذي يقال إنه من أصل هندي- بنزعة إسلامية متطرفة أودت بحياته في نهاية المطاف… كان أديباً قصصياً، وشاعراً من تلاميذ عباس محمود العقاد ومن المدافعين عنه ضد انتقادات محمد سعيد العريان وإسماعيل مظهر، يدعوه: إمام المدرسة الجديدة في الشعر، غير أنه كان ناقداً أدبياً من الطراز الأول، وهو ما يجعلني كلما تذكرت الآن تحوله بكليته إلى النشاط الإسلامي وتفسير القرآن وإلى العداوة الضارية لمجتمعنا (الجاهلي) أفكر في حسرة نيتشه على تحول باسكال من العلوم الرياضية إلى الدين”.
هكذا يريدك العلمانيون والسلطويون وجميع الطغاة على مر التاريخ والعصور، تخيل معي لو أن سيد قطب لم يهده الله إلى سلوك سبيل المصلحين والمجاهدين، كان ربما حصل على الجوائز التقديرية والتشجيعية من الدولة، وربما كان عبد الناصر بنفسه مَن أهداها له، بل ربما سيكون كصاحب (أولاد حارتنا) ويحصل على جائزة نوبل في الأدب، ويستلمها من الذين استخدموا الأقذر من أسلحة نوبل في تدمير دول الإسلام.
ألم تسمع الكلمات التالية من قبل؟
- كان طبيباً شاباً كالورد ولكنهم غسلوا له دماغه وجعلوه متطرفاً.
- كان ربما الآن يدرس في أعظم أقسام كليات الهندسة في أوروبا، ولكنه أضاع نفسه وصنع أسلحة للإرهابيين.
- كان سيكون عالماً وفقيهاً كبيراً وعضواً في هيئة حكماء المسلمين، لولا أنه انزلق إلى الفكر التكفيري وتحول إلى مفتي الإرهابيين.
هكذا يريدونك، وهكذا أرادوا -أعني ثمود- من صالح، أن يكون سيداً من ساداتهم لا يعارض نظامهم القائم على تعبيد الناس للناس، وهكذا أرادوا -أعني سادة قريش- من رسول الله ﷺ، أن يكون مجرد حكيم وسيد من ساداتهم يجلس معهم في دار ندوتهم، لا يعارض نظامهم القائم على تعبيد الناس للناس..
وهكذا يريدونك أيها العالم والفقيه! أن تجلس بين كتبك التي انتقوها لك، وأن تجتهد وتتدرج في السلك الوظيفي الذي صمموه لك، وستكون مرجوّاً فيهم، وستزداد عضوياتك في هيئات ومؤتمرات علماء المسلمين. لكن إن خرجت تقول ﴿إنِ الحُكْمُ إِلّا للهِ﴾ ستصير إرهابياً وتكفيرياً ومفتياً للدماء!
وهكذا يريدونك أيها الطبيب! أن تكون صغير النفس، مجرد آلة بيدهم أو بيد غيرهم من الغربيين، أن تتقوقع في مجالك الطبي وتتدرج في رتبه، وتعمل في أقسامه وجامعاته، ووقتها سترى الجوائز والأوسمة تنهال عليك تترا من هؤلاء ونظامهم العالمي، وربما ينادونك بـ”السير” وهذا لقب أحد “المرجوين فيهم” الذين يعظمونه. أما أن توجّه بعض طاقتك لإصلاح واقع أمتك -مستجيباً لله والرسول إذا دعاكم لما يحييكم- فوقتها أيضاً ستتحول إلى إرهابي وتُوضَع على قائمة الإنتربول، أو أن توضع في سجونهم الجهنمية -حتى وإن كنت الأول على كليتك في جميع سنوات دراستك- أو أن تموت في بلد غريب مهاجراً مطروداً من بلدك حتى وإن كنت أستاذ أمراض القلب لمدة عشر سنوات في جامعاتهم وفوق هذا مؤرخا وأديباً وألفت أكثر من مائة مؤلف في عدة مجالات!
وهكذا يريدونك أيها المهندس! أن تكون مجرد موظف في دولهم التي يفسدونها، أو أن تذهب للغربيين وتعمل من أجل زيادة تمكنهم وتقنيتهم وهيمنتهم على ديار الإسلام، ووقتها أيضاً ستكون مرجواً فيهم، وستتحول إلى قدوة للشباب، أما أن توجه وتسخر علمك في الدفاع عن أمتك وتقويتها ضد أعدائها، فوقتها ستكون إرهابياً يصنع الأسلحة والمسيّرات والصواريخ للفصائل الإرهابية التي تعيث في الأرض فساداً.
وخلاصة هذه القاعدة: إن أردت أن تكون مرجواً فيهم فعليك ألا تعترض على نظامهم وكفرهم، ولا تحاول مقاومة طغيانهم وكبرهم، وأن تكون آلة طيعة أو ترساً من تروس أنظمتهم وبنيتهم. فإن فعلت ستكون “العالم الجليل” و”طبيب القلوب” و “الأديب الكبير” و”المهندس العظيم”. وكذلك كان سيظل محمد بن عبد الله ﷺ عند قريش لو لم يرسله الله برسالته “الصادق الأمين”.




