
اكتشاف مقبرة جماعية بحي التضامن ينكأ جروح السوريين
فبراير 5, 2026
تحويل القبلة دلالات وعبر
فبراير 5, 2026أحمد شتيوي
أخصائي طب الأسنان
بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله..
دار حوار بيني وبين أحد الأحباب عن مدينة يتوقع أن يسكن فيها مستقبلاً، وهو يرى أن أهلها ذوو طباع سيئة ومعاص وآثام انعكست على طبيعتهم وعلى تفكيرهم ونظرتهم للحياة والأمور، فطغى فيهم حب المظاهر والخيلاء والكبر والتعالي والطغيان على بعضهم البعض، وهي صفات لا يحتملها حر. فأخذنا نتأمل معاً كيف يأمن إنسان أن يحيى هو وأولاده في بيئة كتلك وكيف ستكون أخلاق أولاده وكيف ستصمد القيم في عقولهم وهم بين أقرانهم، وهل سيجارونهم في ضلالهم من كبر أو خنوع؟
ثم بدأنا نتأمل في الحل، إن كان العيش في تلك البلدة لا مناص منه، ثم استعرضنا الحلول وتدرجنا حتى وصلنا أنه لابد وأن تحكم هذه البلدة بسلطان عادل قوي، يردع المعتدي ويقتص للمظلوم حتى يُلجم جموح الكبر والغرور ويبدأ الناس في فهم حدودهم.
وصلنا لتلك القناعة بأنها الحل الوحيد الضامن لصلاح الحياة في تلك المدينة بعدما مررنا بحلول أولها كان الوعظ والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولكن مع أنه أصل من أصول الدين ولا يسقط ولا يؤجل إلا أننا وجدنا أنه غير مضمون النتيجة إلا على قلة قليلة، تلك القلة التي يقرُها التاريخ دوماً ومن قبله القرآن الكريم في آيات كثيرة، فإن الإنسان كما قال ربنا: ﴿كَلَّاۤ إِنَّ ٱلۡإِنسَـٰنَ لَیَطۡغَىٰۤ * أَن رَّءَاهُ ٱسۡتَغۡنَىٰۤ﴾ [العَلَقِ: ٦-٧] فإن رأى أن لا رادع له طغى، إلا تلك القلة التي ترى الآخرة قريبة كقرب الدنيا.
ثم طفقنا نتأمل في المعاني الوازعات التي تلجم الإنسان وتمنعه من الطغيان، فوجدنا أولها وأجلّها الخوف من الله، ومراقبته فهو الحسيب.
ثم وجدنا الحياء من الناس ثاني تلك الوازعات، يأتي وقت الغفلة أو إذا غاب الخوف من الله، فإن الإنسان الذي لم تفسد فطرته يستحي أن يُنعت بما يخالف عُرف قومه ويخاف أن يقترف ما يستقذرون فيقللون منزلته أو يحتقرونه، وكم من أناس قتلهم الحياء، ثم وقفت عند أعراف الأقوام أتامل فيها كيف تتشكل ومن أين تأتي، وهل هي دوماً صحيحة، فوجدت التاريخ البعيد والقريب يقول: لا.
فالأعراف تفسد كما تصلح وليست معياراً خالصاً؛ فالخمر في الجاهلية وبداية الإسلام قبل تحريمها لم تكن رذيلة، وكذلك في عصر قريب كان السفور عرفاً طبيعياً لم يكن عيباً، بل إنك تجد أفعالاً مذلة يفرضها القوي على الضعيف قهراً ثم تصير عرفاً لا يستنكف الكثير من فعله، وقس على هذا صغير الأمور وكبيرها ستجد تفاوتاً كبيراً بين الأزمان وبين البلدان، ولن تجد معياراً تقيّم به انضباط الأعراف إلا الدين، زدت من التأمل في هذا اللاجم الثاني الذي هو الحياء واتباع العرف، هل هو صمام أمان إذا صلح؟
فوجدت أنه لا، لوجود فئة من البشر لا ينفع معها الوعظ البتة، وهي الفئة التي لا تراعي الدين ولا العرف، وهي إن كانت قليلة إلا أنها ما تلبث تجاهر بمعصية الدين وتخلع الحياء كما تُخلع الملابس، بل ويزداد خطرها إن استقطبت غيرها لصفها لتكبر ويزيد حجمها في هذا المجتمع، فإن زاد حجمها بدأت تؤثر على استقرار حدود الدين في المجتمع بل واستقرار الأعراف نفسها، فجموحها يعطيها الجرأة على تعديل العرف أو تغييره كله لمصلحتها، وللأسف أي فئة كهذه مرشحة لزيادة حجمها وأثرها بسهولة لأن الشهوات أصل في الإنسان، إذا وجدت من يستثيرها، وكذلك لأنها تستنفر بأفعالها عدداً من الناس في المجتمع ليسلكوا سلوكاً يشبه سلوكها إذا تمكنت وصارت صاحبة مكانة، لينالوا مكانة مثلها، أو حماية لأنفسهم كرد فعل فلا يكونوا أقل منها حتى لا يُظلموا أو يُضاموا حتى يصبحوا مثلها، المعنى الذي لخصه الشعر الجاهلي: “وَمَنْ لا يَظْلِمِ النّاسَ يُظْلَمِ”.
خاصة إن وجدوا أن لا رادع لتلك الفئة وأفعالها التي تكون اعتداء على الشرع أو الأدب أو العرف أو الأعراض بشكل مباشر وغير مباشر أو الممتلكات أو جميعها، ثم ما يلبث أهل ردة الفعل أن يطغوا كلهم أو بعضهم أيضاً، وهذا ليس تشاؤما مني ولا سوداوية، إنما هو طبع الإنسان ﴿كَلَّاۤ إِنَّ ٱلۡإِنسَـٰنَ لَیَطۡغَىٰۤ * أَن رَّءَاهُ ٱسۡتَغۡنَىٰۤ﴾ [العَلَقِ: ٦-٧] فإن امتلاك القوة فتنة، والواقع والتاريخ يثبتان هذا.
وهذه الفئة التي بدأت هذا الفساد والتي لا يوزعها دين ولا عرف لن يوقفها إلا ما يقهرها، وهنا يأتي الوازع الثالث، والذي يُذم أهله في أعراف المجتمعات المسلمة فيُقال: “ناس تخاف ما تختشي”.
وصلت مع رفيقي إلى قناعة أن العيش في تلك البلدة لن يستقيم إلا بسلطة تضبط الناس وتفصل بينهم وتقتص لمظلومهم من ظالمهم، وإلا فسيعلو الطغيان ويزداد الفساد، ويجب أن تكون رادعة صارمة لا تحابي أحداً، ويجب أن تظل مستمرة حتى يترسخ وازع الدين حيناً من الدهر فتنضبط الأنفس بوازعها الداخلي بعد أن كانت تخاف، وتنشأ أجيال على هذا الصراط المستقيم، فالحماية للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ضرورة لا مناص منها.
وكما هو واضح من عنوان المقال، فإني أريد به الإشارة إلى هذا المعنى والتذكير به لضرورته المستمرة، فهو أصل في توجيه حركة الإصلاح والمصلحين، به يفهمون كيف يبنون بناء متيناً فاعلاً، لا بناء تذروه الأهواء ولا المؤامرات، فهو ذروة البناء لا لكونه كمالاً بل لكونه ضرورة، ولذا فإن الجهد في إيجاده وتحقيقه قال عنه رسول الله ﷺ إنه “ذروة سنام الإسلام”، والناس إن لم تحكم بصالح حُكمت بغيره، فكرسي الحكم لا يشغر أبداً، والحكم تحكّم في المسار والمصير، فلا يجب أن يُترك إلا لحاكم مؤتمن على شرع الله، الصمام الآمن الذي نزل من السماء ولم يضعه ذلك الحاكم من عنده.
زد معي في التأمل هل يحتاج المصلح للسلطة أم لا حتى يضمن أن ما بذر من خير سينمو ولا يُجتذ من جذوره، فالحقيقة أن كثير من الناس يعادون الخير حتى يصبح ذا قوة فيذعنوا له ويتركوا كبرهم وأنانياتهم، وتأمل الآيات ﴿إِذَا جَاۤءَ نَصۡرُ ٱللَّهِ وَٱلۡفَتۡحُ * وَرَأَیۡتَ ٱلنَّاسَ یَدۡخُلُونَ فِی دِینِ ٱللَّهِ أَفۡوَاجࣰا﴾ [النَّصۡرِ: ١-٢]، فإذا غابت عنهم قوة الحق قبل أن يتخمر ويستقر في نفوسهم ويصبح عادة وعرفاً انقلبوا على ما كانوا، ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولࣱ قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِهِ ٱلرُّسُلُۚ أَفَإِی۟ن مَّاتَ أَوۡ قُتِلَ ٱنقَلَبۡتُمۡ عَلَىٰۤ أَعۡقَـٰبِكُمۡۚ﴾ [آلِ عِمۡرَانَ: ١٤٤] وقد تحققت هاتان الآيتان في فتح مكة وفي ردة العرب، ولم يسُد الهدى كما في الأولى إلا بسلطة، ولم يزُل كما في الثانية إلا بزوالها.. ثم لم يعد إلا بتداركها.
وأحب أن أتدبر سريعاً في سورة النصر وسلوك العرب بعد الفتح، فهم لم يتبعوا مكة لأنها رمز الهداية، نعم الرمزية هامة ولكنها لم تنفع بعد موت رسول الله ﷺ، إنما كانوا قد اتبعوا مكة لأن بها سلطة قوية، وإلا لما ارتدوا وخالفوها فور تخيلهم لزوالها بموت النبي ﷺ، فالرمزية وحدها لا تكفي مع البشر.
إن المجتمعات التي يزول منها الوازع الذاتي لن تستقيم إلا بسلطة مستقيمة إلى حين أن يعود الوازع الذاتي للتمكن داخل الأنفس، وحتى بعد عودته لا بد من حماية مستمرة، وإلا لما كان هناك داع لنبي بعد آدم، فسرعان ما حاد البشر عن صراطهم المستقيم وقليل منهم من التزم به، فإذا استقر الوازع الذاتي أصبح عرفاً ثم أصبح رادعاً لا للشر على مستوى المجتمع فقط؛ بل للسلطان ذاته إن حاول أن يستغل قوته ليفسد، فهي أدوار متتالية مكملة لبعضها، ومؤصلة في ديننا وواضحة، ولكن مبتدأها أن تعلو كلمة الحق.
- ﴿لَوْ هَدَانا اللهُ لَهدَيْنَاكُم﴾
قال الله جل جلاله: ﴿وَبَرَزُوا۟ لِلَّهِ جَمِیعࣰا فَقَالَ ٱلضُّعَفَـٰۤؤُا۟ لِلَّذِینَ ٱسۡتَكۡبَرُوۤا۟ إِنَّا كُنَّا لَكُمۡ تَبَعࣰا فَهَلۡ أَنتُم مُّغۡنُونَ عَنَّا مِنۡ عَذَابِ ٱللَّهِ مِن شَیۡءࣲۚ قَالُوا۟ لَوۡ هَدَىٰنَا ٱللَّهُ لَهَدَیۡنَـٰكُمۡۖ سَوَاۤءٌ عَلَیۡنَاۤ أَجَزِعۡنَاۤ أَمۡ صَبَرۡنَا مَا لَنَا مِن مَّحِیصࣲ﴾ [إِبۡرَاهِيمَ: ٢١] قال القرطبي في تفسيره: “﴿فَقالَ الضُّعَفاءُ﴾ يَعْنِي الْأَتْبَاعَ ﴿لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾ وَهُمُ الْقَادَةُ، ﴿قالُوا لَوْ هَدانَا اللَّهُ لَهَدَيْناكُمْ﴾ أَيْ لَوْ هَدَانَا اللَّهُ إِلَى الْإِيمَانِ لَهَدَيْنَاكُمْ إِلَيْهِ. وَقِيلَ: لَوْ هَدَانَا اللَّهُ إِلَى طَرِيقِ الْجَنَّةِ لَهَدَيْنَاكُمْ إِلَيْهَا. وَقِيلَ، لَوْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنَ الْعَذَابِ لَنَجَّيْنَاكُمْ مِنْهُ”. انتهى الاقتباس من القرطبي.
تأمل هذا السجال بين القادة والمتبوعين، الذين يتلاومون في وقت لا ينفع فيه اللوم، وتأمل حين أراد القادة أن يهربوا من تلك المسئولية فاحتجوا بالقدر حتى يسكتوا الضعفاء، فأقروا بكلمة هي ميزان لفهم طبيعة أغلب البشر “لو هدانا الله لهديناكم” نعم “لهديناكم”، فيا لخطورة السلطان، يفتن العقول كما فَعل بهؤلاء، أو يفتك بالأجساد كما فعل بسمية وعمار وبلال، وصدقت العرب حين قالت: “الناس على دين ملوكهم”.





