
حين يسكن النبيُّ القلبَ فلا يهدأ الشوق
يناير 9, 2026
الجيش السوري يطهّر الشيخ مقصود من قسد
يناير 10, 2026إيميليا نهانغا
موزمبيق
أنا: إيميليا نهانغا، من مدينة بييرا الساحلية في وسط موزمبيق. عمري اثنان وثلاثون عامًا، أعمل فنيّة مختبر في أحد المراكز الصحية الحكومية منذ سبع سنوات. حياتي كانت دائمًا مرتبطة بالروتين: أستيقظ قبل الفجر، أراجع جداول التحاليل، أتعامل مع العينات الواحدة تلو الأخرى، وأعود إلى منزلي في آخر النهار منهكةً، بلا مساحة للتفكير في أي شيء يتعلق بالروح.
رغم أن مدينتنا مليئة بالمزيج العجيب من الثقافات، المسيحيين، والملحدين، وأتباع الديانات المحلية، فإنّي لم أكن مُنتمية تمامًا لأي شيء. كنتُ دائمًا “بين بين”، أؤمن بوجود قوة خفية، لكن بلا مسمى، بلا طريق، بلا كتاب. وكلما حاولت أن أستقرّ على عقيدة، اصطدمت بفراغ داخلي لا يملؤه شيء.
بداية الرحلة
البداية كانت منذ عام تقريبًا، في أحد الأيام التي أمضيتها في المختبر أقيس مستويات الهرمونات لمريضة شابة تبدو على وشك الانهيار. عندما انتهيتُ من التحاليل، اقتربت منّي وسألت بنبرة هادئة: “هل تؤمنين بشيء؟ بوجود إله يتابعكِ؟” ابتسمتُ بارتباك وقلت: “أحيانًا.. لا أعرف!”.
ضحكتْ بخفّة وردّت: “عليكِ أن تبحثي إذن”. ثم غادرت!
كانت جملة عابرة، لكنها بقيت عالقة في صدري كأنها بصمة غير مرئية.
منذ تلك الليلة، بدأتُ أبحث على الإنترنت عن كل شيء: الأديان، الفلسفات، الروحانيات، تجارب الناس. وبينما كنتُ أتنقّل بين مقاطع مختلفة على وسائل التواصل، ظهر أمامي مقطع صوتي قصير لفتاة من مدغشقر تتحدث عن إسلامها عبر مشروع بصيرة الدعوي. كانت تقول إنها وجدت أجوبة لأسئلة ظلت تهرب منها طوال حياتها.
لا أعرف لماذا، لكنني أعدتُ مشاهدة الفيديو ثلاث مرات. شيء ما في كلماتها كان يستدعيني، يجذبني، كأنني أسمع صدى سؤال المريضة مرة أخرى، بحثت عن اسم المشروع، ودخلت موقعه ومنصاته، وقرأت التعليقات. بدا كل شيء هادئًا، منظمًا، لا يحاول إجبار أحد على شيء، فقط حوار.. وأسئلة. ترددتُ يومين قبل أن أضغط زر “تحاور معنا”. كنتُ خائفة من أن يُنظر إليّ كغريبة أو جاهلة. لكن الرغبة في معرفة الحقيقة كانت أقوى من خوفي!
في مساء يوم الأربعاء، بينما كانت الأمطار تضرب نوافذ شقتي الصغيرة، وصلني إشعار: “نحن معك لنحاورك.. لنساعدك على الفهم.. هل أنت جاهز الآن للحوار؟”
كان قلبي يخفق بشدة وأنا أفتح نافذة الحوار. بدأت الحديث بتحية: “مرحبًا، أنا إيميليا من موزمبيق، وأريد أن أفهم الإسلام فقط.. لا أفكر في أي شيء آخر”.
أجاب المحاور : “مرحبًا إيميليا، يسعدني الحديث معك. نحن هنا للحوار والمساعدة فقط، وسواء دخلتِ الإسلام أم لا فهذا قرارك وحدك”.
هذا الرد وحده جعلني أرخي كتفي وأتنفس للمرة الأولى منذ ساعات. لم أشعر بأي ضغط، فقط مساحة واسعة للتفكير.. بدأت أسئلتي خجولة، ثم أصبحت جريئة أكثر، كمن يفتح بابًا كان مغلقًا منذ سنين. سألته: “لماذا يختار الناس الإسلام؟ ما الذي يوفره لهم؟”
قال: “لأنه الدين الحق، لأنه دين يخاطب العقل والقلب في الوقت نفسه. يربطك بإله واحد، لا يشبه البشر، لا يحتاج أحداً، ولا يشبه شيئاً من خلقه”.
ثم سألته: “هل القرآن كلام الله؟ أم مجرد كتاب كتبه بشر مثلنا؟”
فشرح لي بتفصيل منطقي لم أسمعه من قبل: عن الإعجاز اللغوي، والتاريخي، وكيف نُقل القرآن، وكيف لم يغيَّر منذ أكثر من ألف وأربعمائة سنة. ثم قال: “الإسلام ليس بحاجة إلى الإكراه، لأنه يقنع الإنسان من الداخل”.
كنت أقرأ كلماته وأشعر أن شيئًا ما يتحرك بداخلي.. شيئاً كنت أبحث عنه منذ صغري! سألني المحاور فجأة سؤالًا لم أتوقعه: “إيميليا.. بماذا تشعرين عندما تسمعين كلمة “الله”؟”
أغلقت هاتفي لثوانٍ، نظرت إلى الظلام خارج النافذة، ثم كتبت: “أشعر براحة.. وبخوف.. وبقربٍ غير مفهوم!”
فقال: “هذا طبيعي.. الفطرة تعرف طريقها مهما طال الوقت بين دروب الحياة”.
كانت تلك الجملة كفيلة بأن تهدم الكثير من الجدران التي بنيتها حول نفسي لسنوات.
سؤالان قلبا حياتي!
مع مرور الوقت، سألتُ سؤالين غيّرا مسار الحوار.. ومسار حياتي:
– لماذا خلقنا الله؟
– ولماذا يسمح بكل هذا الألم والظلم في العالم؟
كانت إجابته مختلفة عما سمعته من قبل. قال: “الله لم يخلقنا لنعاني، بل ليبتلينا لنتعلم حتى ننضج، ولنعرف أنفسنا، ولنتقرب منه.. الدنيا ليست نهاية القصة، بل فصلاً من فصول الرحلة”، ثم أضاف: “الألم ليس علامة على غياب الله، بل قد يكون أحيانًا الطريق الذي يقود الإنسان إليه”.
لا أعرف لماذا، لكن دموعي بدأت تتساقط! ربما لأنني كنت أحمل هذا السؤال منذ وفاة أمي قبل 10 سنوات، ولم أجد يومًا إجابة تطفئ النار داخلي.
بعد نحو ساعتين من الحوار العميق، سألني المحاور: “هل ترغبين أن أشرح لك معنى شهادة الإسلام؟ فقط للمعرفة”.
وافقت.. فشرح لي كلمة كلمة، معنى “أشهد أن لا إله إلا الله”، ومعنى “وأشهد أن محمدًا رسول الله”. وكيف أن الإسلام ليس طقسًا، بل طريق حياة. ثم كتب: “لا أدعوكِ الآن لاتخاذ قرار. فقط فكري. وإن أردتِ أن نكمل بعد قليل فأنا هنا”.
لكنني كنت أعلم للمرة الأولى في حياتي، أنني لا أريد تأجيل شيء. قلت له: “هل يمكنني.. أن أنطق الشهادة الآن؟”
توقف لثوانٍ ثم كتب: “إن كنتِ مقتنعة تمامًا، فبكل سرور”.
كنتُ مقتنعة.. حتى العظم. كانت الساعة الثانية عشرة تقريبًا، صوت المطر صار أهدأ، والمدينة كلها تبدو نائمة.. أخذتُ نفسًا عميقًا، وكتبت له: “أنا جاهزة”. أرسل لي نَص الشهادة، وبدأ يتهجّاها لي بترتيب يمكّنني من نطقها بسهولة، كررتها بنبرة مرتجفة، وأنا وحدي في غرفتي، لكنني لم أشعر بالوحدة لحظة واحدة:
“أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله”.
ما إن انتهيت، حتى انفجرت بالبكاء. لم أبكِ هكذا منذ أن كنتُ طفلة صغيرة. شعرتُ كأن أحمالًا ثقيلة كانت فوق ظهري وسقطت فجأة.
كتب لي المحاور: “مبارك عليكِ يا إيميليا.. لقد أصبحتِ مسلمة. وأسأل الله أن يثبتك”.
فأجبته: “أنا.. أشعر أنني ولدتُ من جديد”.
لم تكن حياتي بعد تلك الليلة سهلة، لكنها تغيّرت بعمق.. في اليوم التالي ذهبت للمختبر كالمعتاد، لكنني شعرت أنني شخص آخر. كنتُ أقيس مستويات الهرمونات كما أفعل دائمًا، لكن داخلي كان مملوءًا بسكينة لم أعرفها من قبل.
بدأت أتعلم الصلاة خطوة خطوة، بمساعدة معلمي في مشروع بصيرة، الذي استمرّ في إرسال مقاطع تعليمية، وجدول مبسط، ودروس قصيرة، ثم علّمني كيف أقرأ سورة الفاتحة، وكيف أتوضأ، وكيف أصلي. كنتُ أتدرّب كل ليلة في شقتي الصغيرة، وأقع في عدة أخطاء، لكنني كنت أحاول مرة أخرى كي أتعلم، كنت أشعر بحلاوة غريبة في كل مرة أقترب فيها من السجود.
مع مرور الأسابيع، تغيرت أمور كثيرة:
- أصبحتُ أكثر هدوءًا في عملي، وأكثر تحمّلًا لمرضاي.
- بدأتُ أوفّر وقتًا كل مساء للقراءة عن الإسلام.
- توقفتُ عن بعض السلوكيات التي لم أكن أشعر بالراحة تجاهها.
- أصبحتُ أبحث عن الطعام الحلال، وأتجنب ما كنت أفعله بلا تفكير.
والأهم… صار لديّ إحساس دائم بأن الله يراني، يسمعني، يحميني.
لماذا أكتب قصتي هذه؟
ربما قصتي هذه تكون سبباً في هداية إنسانة آخرى تشعر بالضياع، وتظن أن الطريق إلى الله معقد، أو بعيد، أو ليس لها، لكنني اكتشفت أن الطريق كان ينتظرني منذ البداية، وأن كل الأسئلة التي كسرت صدري لسنوات كانت الجسر الذي أوصلني إلى الإسلام.
في كل مرة أتذكر تلك الليلة، ليلة المطر حين نطقت بالشهادة لأول مرة، أبتسم.. لأنني أعرف أنها ليست مجرد ذكرى، بل ميلاداً جديداً..
هناك لحظات قليلة في حياة الإنسان تغيّر محور وجوده كله.. بالنسبة لي كانت تلك اللحظة شاشة مضاءة، وحوار صادق، وكلمات خرجت من قلبي قبل لساني: “أشهد أن لا إله إلا الله.. وأشهد أن محمدًا رسول الله”.
وهكذا دخلتُ الإسلام عبر مشروع بصيرة الدعوي، في ليلة لن أنساها ما حييت. جزاهم الله عني كل خير.. والحمد لله رب العالمين.




