
الصيام والتمدن
فبراير 10, 2026
معجزة علمية للقرآن الكريم
فبراير 11, 2026محمد صالح المنجد
فك الله أسره
شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن، إنه كلام الله، كلام الرب عز وجل، إنه الكلام الذي لو نزل على جبل لتدكدك، إنه الكلام الذي تتفطر منه قلوب المؤمنين فتنبت الأعمال الصالحة كما تنبت الأرض من هذا الماء النازل من السماء المبارك، وكذلك كتاب الله مبارك إذا نزل على القلوب أينعت وأثمرت بإذن الله، هذه المواسم الفاضلة الذكي من يغتنمها حقاً، والشقي من تفوت عليه، ولا يدري أنها حلّت ولا أنها ارتحلت.
إن لله في أيام الدهر نفحات، فمن تعرّض لها يوشك أن تصيبه نفحة ولعله لا يشقى بعدها أبداً، قال عمر بن ذر: “اعملوا لأنفسكم -رحمكم الله- في هذا الليل وسواده، فإن المغبون من غُبن خير الليل والنهار، والمحروم من حُرم خيرهما، وإنما جعلا سبيلاً للمؤمنين إلى طاعة ربهم ووبالاً على الآخرين للغفلة عن أنفسهم، فأحيوا أنفسكم بذكر الله، فإنما تحيا القلوب بذكر الله”.
إن هذه الأيام التي سنقدم عليها، وهذا الشهر الكريم الذي سيحل بنا، إنه فعلاً ضيف يحتاج إلى استعداد، إنه موسم كبير يحتاج إلى ملء الأوقات بذكر رب البريات عز وجل.
وأول ما نذكره نحن في هذا الشهر كيف يكون مغفرة؟ لأن الله وعد بالمغفرة لمن يدخل فيه فيصومه احتساباً وإيماناً، إيماناً بفرضيته، واحتساباً بالأجر فيه، يحسن الظن بالله بعدما يعمل العمل الصالح، أن الله لن يضيعه، وأنه سيقبله منه، هذا الشهر الكريم الذي فيه الثواب والأجر، الذي فيه الطمع بمغفرة الرب جل وعلا، وعندما يكون الرب أقرب إلى عباده ينبغي على العباد أن يقتربوا أكثر من الله عز وجل.
إننا نريد فعلاً أن نكون من المتقين، فإن الحصول على التقوى في هذا الشهر هو أصلاً السبب في فرضيته، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 183].
هذا “الخوف من الجليل، والعمل بالتنزيل، والقناعة بالقليل، والاستعداد ليوم الرحيل” هو التقوى، “العمل بطاعة من الله، ترجو ثواب الله، وتترك معصية الله، على نور من الله، تخاف عذاب الله”، هذه هي التقوى، “أن تجعل بينك وبين عذاب الله وقاية بفعل ما أمر، وترك ما نهى عنه وزجر” هذه هي التقوى.
قال عمر بن عبد العزيز لصاحبه يكتب له وكان السلف كثيراً ما يكتبون يوصون، ونحن اليوم عندنا رسائل الجوالات نستطيع أن نتواصى بها في الحق والصبر، قال له: “أوصيك بتقوى الله عز وجل التي لا يقبل غيرها، ولا يرحم إلا أهلها، ولا يثيب إلا عليها، فإن الواعظين بها كثير والعاملين بها قليل، جعلنا الله وإياك من المتقين”.
وفعلاً، إنها عاصم في الفتنة، وحجاب عن المعصية، وستار بين العبد وبين الرذائل في الأقوال والأفعال، وما أكثرها في هذا الزمن، زمن القاذورات والفواحش، وهذه المواخير الفضائية المفتوحة على الناس بالشر ليل نهار، لقد غرق الناس بالعفن، لقد غرقوا بالملوّثات، تلوث الجو، ولا نقصد تلوث البيئة ببقايا النفط وعوادم السيارات، فإن هذا تلوث هين بالنسبة للتلوث الآخر، لقد تلوث الجو بالموجات التي تنقل هذه القاذورات، شبُهات وشهوات، هذا ما يعم به الجو اليوم أدمغة المسلمين وعقولهم، إنه ينقل إليهم هذا السُّم الناقع المبثوث في الهواء، إنك لا تراه، لكن الأجهزة تلتقطه وتبثه إلى الأدمغة.
كثيرون اليوم يقولون: اشتبهت علينا أمور، تشككنا في آيات، اضطربت عندنا أحاديث. لماذا؟ قالوا: سمعنا قسّاً في قناة فضائية يقول كذا، وسمعنا شخصاً في قناة فضائية يقول كذا، ما عدنا ندري ما الحق، كيف نفهم هذا؟ ما هو التوفيق بين هذا وهذا؟ ما هو الحق في هذه المسألة؟ اضطربنا، تزلزلنا.
إن تلويث الأدمغة، تلويث العقول، إفساد القلوب اليوم يحتاج إلى مغسلة، ورمضان مغسلة، ألم تر أن النبي ﷺ قال في دعاء الجنازة: “واغسله بالماء والثلج والبرد، ونقّه من الذنوب والخطايا كما ينقّى الثوب الأبيض من الدنس”.
هناك دنس كثير اليوم، وهناك ذنوب وخطايا كثيرة، نحن قادمون على شهر نسأل الله أن يجعله كفارة للسيئات، وزيادة في الحسنات، ورفعة في الدرجات، مغسلة، إنه مغسلة تجلو القلب، تذهب الصدأ، تزيل القسوة، ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾ [الحديد: 16]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ﴾ [النساء: 1]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران: 102].
يقول أبو الدرداء: “ليتق أحدكم أن تلعنه قلوب المؤمنين وهو لا يشعر”. قالوا: مه ما هذا؟ قال: “يخلو بمعاصي الله فيلقي الله له البغض في قلوب المؤمنين”.
قال سليمان التيمي: “إن الرجل ليصيب الذنب في السر، فيصبح وعليه مذلته، إن العبد ليذنب فيما بينه وبين الله، ثم يجيء إلى إخوانه فيرون أثر ذلك عليه”.
وربما يرى الصالحون في وجوه بعض الناس ما لا يراه غيرهم، فراسة الإيمان، والسعيد من أصلح بينه وبين الله، السعيد من أصلح ما بينه وبين الله، نذكّر أنفسنا بهذا ونحن مقبلون على رمضان.
كان حبيب أبو محمد تاجراً يؤجر النقود، ومعنى يؤجر النقود: يتعامل بالربا؛ لأن النقود لا تؤجر، ومن أجر النقود مُرابٍ، فمر ذات يوم بصبيان، فإذا هم يلعبون، فقال بعضهم لبعض: “جاء آكل الربا، جاء آكل الربا” فنكّس رأسه، وقال: “يا رب أفشيت سري إلى الصبيان”، فرجع فجمع ماله كله، فقال: “يا رب إني أسير، وإني قد اشتريتُ نفسي منك بهذا المال، فأعتقني”، فلما أصبح تصدق بالمال كله، وأخذ في العبادة، ثم مر مرة أخرى بالصبيان يوماً وهم يلعبون، فلما رأوه قال بعضهم لبعض: جاء حبيبٌ العابد، جاء حبيبٌ العابد، فبكى وقال: “يا رب أن تذم مرة، وتحمد أخرى، وكله من عندك”.
فالله يجري على ألسنة بعض الناس الشهادة لبعض الأشخاص بأشياء؛ لتكون موعظة.
فمن الناس من تردهم مثل هذه الأشياء إلى صوابهم، ومنهم من يزداد عتواً ونفوراً، ولا كأن أحداً تكلم بشيء، وهذا لا يؤثر فيه نصيحة ناصح، ولا تؤثر فيه موعظة واعظ؛ لأن القلب قد تحجر، والنفس إذا تبلّدت فمتى يكون التأثر؟
الذي يريد أن يستفيد من رمضان لا بد أن يجلو قلبه، إذا أردتَ حسن الاستقبال أحسن تجهيز جهاز الاستقبال، فعند ذلك يكون البث نقياً، وإلا سيكون مشوشاً، أو لا يستقبل.
كان المسلمون يعدون العدة لرمضان، ومن إعداد العدة التوبة قبل رمضان، يرون أن جلاء القلوب بالتوبة قبل رمضان؛ لأن رمضان موسم اكتساب حسنات وطاعات وعبادات، فلذلك لابد من التجهز لاكتساب الحسنات وللعبادة قبل رمضان، لو دخلنا رمضان بهذه الأحوال من التقصير، هل سنكون مستمتعين بصلاة التراويح؟ وهل سنكون أول يوم متلذذين بالصيام؟ ربما لا، ربما استثقلنا ذلك، لكن إذا دخلنا بجاهزية من أول الشهر بتوبة نصوح وإقبال على الله، فعند ذلك يكون كثير من التأثر، ألم تر أن الإنسان قبل أن يصلي له تجهيزات: أذان وترديد مع الأذان ووضوء وأذكار الوضوء وتبكير للصلاة وإقبال وأدعية للذهاب للمسجد، ودخول المسجد، والانتظار في المسجد حتى يصلي، وهناك سنة قبلية، وسنة بعدية، ورمضان له قبلُ سنة قبلية في شعبان في الإكثار من الصيام، وبعده سنة بعدية في صيام ست من شوال، وهكذا الصلاة بعدها أذكار تبدأ بالاستغفار، وتسبيحات كثيرة، ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ﴾ [الكوثر: 2]، وهكذا ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ [الشرح: 7، 8].
| على قدر أهل العزم تأتي العزائم | وتأتي على قدر الكرام المكارم |
فكيف تجهّز نفسك للشهر ستكون فيه، كيف تستعد، هكذا سيكون حالك وتكون رتبتُك، استكمال عناصر الإيمان، استكمال التوبة، ليست القضية الآن تجهيز المطبخ والثلاجة، وليست أنواع الاستعدادات التي يستعدون اليوم بها مع الأسف، إنها حقيقة أحوال مؤسفة تلك التي تحدث اليوم، ما هي أنواع الاستعدادات المطلوبة؟ استعداد بالتوبة، وما هي أنواع الاستعدادات الموجودة؟ إنها أنواع عجيبة.
الاستعداد لشهر رمضان بالتوبة
والاستعداد بالتوبة: الشعور بالتقصير والندم والعودة إلى الله قبل دخول الشهر.
أما مذهب “وأكثر ما استطعتَ من المعاصي إذا كان القدوم على كريم إنها مصيبة”، والذي يظن أننا قبل أن نبدأ رمضان “نجهز على ما تبقى من البقية الباقية من أبواب المعاصي التي ما ولجناها ونزداد منها” فإن هذه مصيبة.
الاستعداد يكون بإعداد النفس، إعداد العبادات، تجهيز المساجد، إعداد المصاحف، إنه التعرف على أجر الصيام قبل الدخول فيه، وأجر القيام قبل الوقوف فيه، إنه العزم على الاستفادة، والذي يدخل بعزم يخرج بقوة ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: 69] فشد عزمك وإياك والتأجيل.
أنت تقرأ قبل رمضان وفي رمضان، ولكن الاجتهاد في رمضان أكثر.
كان مالك إذا دخل عليه رمضان أغلق على كتبه وأخذ المصحف ومنع المساءلة وقال: “هذا هو شهر رمضان، هذا هو شهر القرآن”. فيمكث في المسجد حتى ينسلخ رمضان.
وكان بعضهم يؤجل مجالس التحديث لأجل ذلك.
وكان زُبيد اليامي إذا حضر رمضان أحضر المصاحف وجمع أصحابه، وكانت لهم مجاهدات في الختمات.
وكان سعيد بن جبير يؤم الناس في رمضان فيقرأ بقراءة ابن مسعود، وبقراءة زيد، وهكذا في الليالي المختلفة.
وكان النبي ﷺ يكثر من الصيام في شعبان، إنه تذليل النفس لرمضان، إعداد النفس لرمضان، يا رسول الله لم أرك تصوم من شهر من الشهور ما تصوم من شعبان، فقال: “ذاك شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان، وهو شهر تُرفع فيه الأعمال إلى رب العالمين، فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم”.
وليست القضية أن نؤجل فعل الخيرات إلى رمضان؛ لأن بعض الناس يؤخرون الزكاة عن وقتها لرمضان، وهذا لا يجوز، يجب أن تؤدي الزكاة متى حال الحول، ولكنهم يظنون أن تأجيل إخراج الزكاة إلى رمضان يضاعف أجرها، كيف؟ التأجيل عن الوقت الشرعي معصية، فأيّ أجر يضاعف إذا كان الوزر سيحصل بالتأخير؟ ولكن لو صادف رمضان وقت إخراج الزكاة فهو يخرجها فيه محتسباً، وقد يبكّر إخراج الزكاة عن وقتها لتكون في رمضان، فلا بأس بذلك، وبعض الناس إذا خطر على باله الطاعة قبل رمضان، يقول: إذا جاء الشهر، إذا جاء الشهر.
النبي ﷺ أكثر من الصيام في شعبان، لماذا؟ كانت له نوافل يصومها فربما لم يتمكن منها لسفر، أو مرض، أو غزو، فيجمعها كلها يقضيها قبل رمضان نوافل؛ لأنه كان إذا عمل عملاً أثبته.
نساؤه كن يقضين في شعبان للشغل بالنبي ﷺ، وهو شهر يغفل الناس عنه، وربما لا نعيش.
ولذلك لا بد أن نكون من الذين يستعدون دائماً للقاء الله، ألم يأتك نبأ الذي جاءته المنية بالأمس على حين غرّة؟ تغدى مع أهله، وقام فغسل يديه، وسقط، إلى المستشفى، فارق الحياة، هذا هو قبل رمضان بليال، قد وافاه الأجل ورحل، ولذلك فإن عبادات المؤمن ليست موسمية، بمعنى أنه ينقطع قبل رمضان، فإذا جاء رمضان اجتهد، كلا، إنها عبادات على مدار العام، وإن استعدادنا لرمضان يكون بأمور متعددة، مثل: معرفة فضائل الأعمال، وهذه نقطة مهمة لأجل الاجتهاد، فإن معرفة الأجور من المحفزات لعمل الخيرات.
هناك أجور فيها بناء بيوت في الجنة السنن الرواتب، قل هو الله أحد عشر مرات، من أطعم الطعام، وألان الكلام وصلى بالليل والناس نيام، وأفشى السلام، بنى الله له غرفاً يُرى باطنها من ظاهرها، وظاهرها من باطنها.
وهناك منابر من نور، وهناك طعام في يوم جوع، وهناك شرب في يوم عطش، وهناك ظل في يوم شمس، وهنالك أزواج مطهرة، وهنالك ألبسة تُعطى لمن كظم غيظه، وهنالك أجور معينة على أعمال معينة، إذا عرفها العبد تحمس للعمل.
إعداد النفس للدعاء بإطابة المطعم والمشرب
إننا نحتاج إلى إعداد النفس للدعاء، والدعاء يكون بأمور منها: إطابة المطعم، أطب مطعمك تكون مجاب الدعوة.
هل عندنا أنواع من المحرمات في الكسب نتخلص منها، حتى إذا أردنا أن ندعو يستجيب الله لنا؟
هناك كثير من أبواب الشر في الكسب، فلنتجرد من ذلك.
وأيضاً، فإن من اللهف للشهر والتعلق به خدمة العبّاد فيه، وخدمة العباد مذهب إبراهيم الخليل، ﴿طَهِّرَا بَيْتِيَ﴾ [البقرة: 125]، وهكذا للطائفين والصائمين والقائمين والعاكفين والركع السجود، هؤلاء تُجهز لهم بيوت العبادة، وهذه من الطاعات، هكذا أُمر الخليل “طَهِّرَا بَيْتِيَ” الطهارة الحسية، والطهارة المعنوية، فيطهر من الأرجاس والأنجاس”.
التشويق لرمضان
“أتاكم رمضان، شهر مبارك فرض الله عز وجل عليكم صيامه تُفتح فيه أبواب السماء، وتُغلق فيه أبواب الجحيم، وتُغلُّ فيه مردة الشياطين، لله فيه ليلة خير من ألف شهر من حرم خيرها فقد حُرم”.
هكذا كان ﷺ يفعل يشوق أصحابه إلى رمضان، كما قيل له أن يحرض المؤمنين على القتال، كذلك يشوق المؤمنين إلى مواسم الطاعة.
وتصفيد المردة لأجل تمكين الناس من الإقبال، فإن المردة يحولون بينهم وبين الطاعة، والله قد هيأ لنا الأسباب، بقي العمل منا، لله فيه ليلة خير من ألف شهر لتشتاق النفوس للعمل، ولتتهيأ وتزداد في مضاعفة الجهد في هذا الشهر.





