رمضان يمرّ بصمت، فمن الذي تغيّر؟
مارس 6, 2026
قراءة في كتاب
مارس 7, 2026د. سلمان العودة
فك الله أسره*
الجهاد -كما تعلمون- ذروة سنام الإسلام، وفي الحديث الذي رواه البخاري عن أبي هريرة، أن النبي ﷺ قال: “إن في الجنة مائة درجة، ما بين كل درجة والتي تليها كما بين السماء والأرض، أعدها الله تعالى للمجاهدين في سبيله، وأعلى ذلك الفردوس، فإذا سألتم الله؛ فسلوه الفردوس الأعلى، فإنه أعلى الجنة وأوسط الجنة، ومنه تتفجر أنهار الجنة، وفوقه عرش الرحمن عز وجل”.
ففي الجنة مائة درجة هي للمجاهدين في سبيل الله عز وجل، ولذلك فإن رمضان ليس شهر النوم والكسل والبطالة، بل هو شهر الجهاد.
خذ على سبيل المثال: حياة الرسول ﷺ، فأعظم معركتين في حياة النبي ﷺ كانتا في رمضان..
أولاهما: معركة بدر الكبرى
فإنها كانت في شهر رمضان، ومعركة بدر هي الفرقان الذي فرق الله تعالى بها بين عهد الذل والاستضعاف، وبين عهد العزة والتمكين للرسول ﷺ وللمؤمنين، ولذلك كان الرسول ﷺ في يوم بدر يرفع يديه إلى السماء ويبتهل إلى الله عز وجل، حتى سقط رداؤه عن منكبه، وهو يقول: “اللهم نصرك الذي وعدتني، اللهم نصرك الذي وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تُعبد بعد اليوم في الأرض”. حتى جاء أبو بكر رضي الله عنه من ورائه فالتزمه، ووضع رداءه على منكبيه، وقال: “يا رسول الله! كفاك مناشدة ربك” أي: ارفق بنفسك “فإن الله تعالى منجز لك ما وعد”.
فنصر الله تعالى رسوله والمؤمنين نصراً مؤزراً تحدثت به الركبان، وكان فرقاناً وفيصلاً بين عهد الذل والاستضعاف، وبين عهد القوة والنصر والتمكين قال الله: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [آل عمران: 123].
المعركة الثانية: هي معركة فتح مكة
وكانت من أخطر وأهم المعارك في حياة الرسول ﷺ، لأن مكة كانت مركز الجزيرة العربية، ومكان الحج والعمرة، والناس يأتونها من كل مكان، فكانت الوثنية تسيطر على مكة على مدى ثمان سنوات بعد هجرة الرسول ﷺ، حتى منعوا الرسول ﷺ يوم الحديبية من دخول مكة وأداء العمرة، فلما ذهب عليه الصلاة والسلام إلى مكة ودخلها فاتحاً؛ دانت له الجزيرة العربية كلها.
وكان فتح مكة في السنة الثامنة، وفي السنة التاسعة جاءت الوفود إلى الرسول ﷺ من أنحاء الجزيرة العربية تبايعه على الإسلام، ولهذا يصح أن نقول: إن فتح مكة هو الوقت الذي زالت فيه غربة الإسلام، وأصبح الإسلام عزيزاً في أنحاء الجزيرة، وسقطت سلطة الوثنية في هذه البلاد. وكان فتح مكة -أيضاً- في رمضان.
وهناك كثير من الفتوحات والمعارك الفاصلة في الإسلام كانت في رمضان، أذكر منها:
- معركة عين جالوت، المعركة التي نصر الله فيها عباده المؤمنين بقيادة المماليك على التتار، وانكسر مدهم وانهزموا بعد ذلك هزيمةً منكرة لم يقم لهم بعدها قائمة.
فرمضان هو شهر الجهاد، وهذا يذكرنا بأمرين:
- انعكاس المفاهيم في نفوس المسلمين
أولهما: أن كثيراً من المسلمين اليوم انعكست هذه المفاهيم في نفوسهم، فلم يعد رمضان شهر الجهاد والعمل والتضحية.
بل هو شهر البطالة والكسل والنوم، وهذا خطأ، فإن الجهاد باب واسع، فهناك الجهاد بالكلمة، والجهاد بالعلم، والجهاد بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبالدعوة إلى الله عز وجل وبالمال، وكل أنواع الجهاد مشروعة في رمضان وغيره، وهي في رمضان أولى من غيره.
- وجوب نصرة المجاهدين
الأمر الثاني: أننا نعلم أن كثيراً من المسلمين الآن يحملون السلاح، مدافعين عن الحوزة ومنافحين عن الملة.
يحدث هذا في أفغانستان، وفي فلسطين، وفي إريتريا، وفي الفلبين، ويحدث أيضاً في بلاد إسلامية أخرى، وفي جميع هذه البلاد التي ذكرت، توجد أمم وطوائف من أهل السنة والجماعة، المشهود لهم بالصلاح والورع والتقوى ولزوم الجادة وصلاح المعتقد، وهم يقاتلون عدواً كافراً خاسراً، يهودياً أو نصرانياً أو شيوعياً، وهم بأمس الحاجة إلى أن يكون إخوانهم المسلمون معهم، بالدعاء وبالحماية والنصر، والمال، وبغير ذلك من الوسائل.
ــــــــــــــــــــــــــــ
* مقتبس من محاضرة سلمان العودة: وقفات في شهر رمضان، موقع إلكتروني: الشبكة الإسلامية.





