
أنتم خصومنا أمام الله يوم القيامة
فبراير 6, 2026
وفد من وزارة الدفاع السورية في الحسكة لبحث إجراءات دمج قسد
فبراير 7, 2026حين يصف الله نبيَّه بصفاته
أ . د قيس عبد العزيز الدوري
أستاذ التاريخ والحضارة الإسلامية
ليس في القرآن وصفٌ أعمق دلالة، ولا أبلغ تشريفًا، من أن يصف اللهُ سبحانه وتعالى نبيَّه محمدًا ﷺ بصفاتٍ من صفاته هو جلّ جلاله. فذلك ليس مجرد ثناءٍ رباني، بل هو إعلان عقدي عن منزلةٍ فريدة، ومكانةٍ سامقة، ودورٍ إنسانيٍّ ورساليٍّ لا نظير له في تاريخ النبوات.
يقول الله تعالى في أواخر سورة التوبة، في آيةٍ جامعة لمعنى الرسالة وحقيقة حاملها: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: 128].
هذه الآية ليست خاتمة سورة فحسب، بل خاتمة بيانٍ إلهيٍّ عن جوهر النبوة المحمدية، إذ تُسند إلى الرسول ﷺ صفتين من أخصّ صفات الله تعالى: الرأفة والرحمة.
الرأفة: وجعُ الأمة في قلب نبيّها
الرأفة أبلغ من الرحمة، وأدقّ أثرًا، فهي شدة الرحمة مع رقة الإحساس، ولطف الشعور، والتألم لمعاناة الغير. وهي صفة إلهية خالصة، قال الله فيها: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: 143].
لكن العجيب في المقام النبوي أن الله تعالى لم يكتفِ بأن يكون نبيّه داعيةً إلى الرأفة، بل وصفه بها وصفًا مباشرًا: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ﴾.
أي أن الرأفة لم تكن سلوكًا عابرًا في حياته ﷺ، بل كانت طبعًا ثابتًا، وملَكةً راسخة، ووجدانًا حيًّا.
كان ﷺ يتألم لألم أمته، ويثقل عليه عنتهم، ويشقّ عليه ما يشقّ عليهم. كان يخشى عليهم من الهلاك أكثر مما يخشونه على أنفسهم، ويقول: “لولا أن أشق على أمتي”.. فيخفف، وييسّر، ويوازن بين التكليف الإلهي وطاقة البشر، لا من باب التهاون، بل من عمق الرأفة.
الرحمة.. جوهر الرسالة وعمودها الفقري
أما الرحمة، فهي الصفة الجامعة التي قامت عليها الرسالة المحمدية، بل هي العنوان الأكبر لبعثة النبي ﷺ، كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107].
رحمة للعالمين جميعًا، لا لفئةٍ دون فئة، ولا لمؤمنٍ دون غيره.
رحمته ﷺ شملت:
• المؤمن، بالهداية والتثبيت.
• والمخطئ، بالستر والتوبة.
• والكافر، بالصبر عليه والدعاء له.
• والضعيف، بالحماية.
• واليتيم، بالاحتضان.
• بل وحتى الحيوان والجماد.
وفي أشد لحظات الأذى، لم تخرج من قلبه ﷺ إلا الرحمة. ففي الطائف، حين سال دمه الشريف، لم يدعُ على قومه، بل قال: “اللهم اهدِ قومي فإنهم لا يعلمون”.
لماذا وصف الله نبيَّه بصفتيه؟ هنا تتجلّى الحقيقة العقدية الدقيقة:
الله سبحانه رؤوف رحيم، وهو في الوقت ذاته شديد العقاب، لا يُنازَع في كبريائه ولا في جلاله، وقد قال في الحديث القدسي: “الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري، فمن نازعني واحدًا منهما عذبته”.
فكيف يصف نبيَّه بصفتي الرأفة والرحمة؟
الجواب أن النبي ﷺ لم ينازع الله في صفاته، بل تجلّت فيه هذه الصفات على وجه العبودية لا الألوهية. كان المرآة الإنسانية التي انعكست فيها الرحمة الإلهية، والجسر الذي عبرت من خلاله أسماء الله إلى عالم البشر.
فالرسول ﷺ لم يكن مجرد مبلّغٍ للتشريع، بل كان ترجمةً حيّةً للرحمة، ووجهًا إنسانيًا للوحي، ونموذجًا أخلاقيًا يُقاس به التدين الحق.
مكانةٌ لا يبلغها بشر
إن اجتماع صفتَي الرأفة والرحمة في وصف النبي ﷺ دليلٌ قاطع على:
• عظيم محبة الله له.
• واصطفائه فوق سائر الخلق.
• وأن طاعته امتداد لطاعة الله.
• وأن معاداته خروج عن منطق الرحمة الإلهية.
ولهذا لم يجمع الله لعبدٍ ما جمعه لمحمد ﷺ، ولم يُلبِس بشرًا من صفاته ما ألبسه لنبيّه الخاتم.
وأخيراً يمكنني القول:
حين نقرأ أن الله وصف نبيَّه بأنه رؤوف رحيم، ندرك أن الإسلام لم يُبعث ليصنع قلوبًا قاسية، ولا تدينًا جافًا، بل ليؤسس إنسانًا رحيمًا، ومجتمعًا متراحمًا، وضميرًا حيًّا.
ومن أراد الله، فطريقه محمد ﷺ.
ومن ابتغى الرحمة، فبابها محمد ﷺ.
ومن بحث عن النموذج الإنساني الأكمل، فلن يجد أصدق من رسول الله ﷺ رؤوفاً رحيماً.





