
قراءة في كتاب: معاهدات السلام العربية الإسرائيلية في ميزان الشريعة الإسلامية
يناير 7, 2026
الجيش السوري يبدأ حملة عسكرية للحسم بحلب ضد قسد
يناير 8, 2026بقلم: د. حسن سلمان – عضو مجلس أمناء هيئة أنصار النبي ﷺ
1 ـ إن أول اختلاف وقع بين المسلمين بعد وفاة النبي ﷺ هو اختلافهم في أمر الإمامة، وكان اختلافًا سياسيًا محضًا، وليس عقائديًا. وقد زال هذا الخلاف سريعًا بسبب قوة العامل الديني ورسوخ الأخوّة الإيمانية بين المسلمين؛ فسرعان ما توارت تطلعات النفوس أمام سلطان الدين وقوة تأثيره.
2 ـ نظر الأنصار إلى أنهم أحق بالأمر بناءً على ظروف المجتمع المدني والعلاقة التاريخية بين المهاجرين والأنصار، وأنهم أصحاب الدار والأرض، فكانت نظرتهم محدودة من حيث الإطار الجغرافي والسياسي. وأما المهاجرون فقد نظروا نظرة أوسع على مستوى الدولة والأمة كلها، وما قد يترتب على خروج السلطة من قريش من عواقب كبيرة، بناءً على أن العرب تدين لقريش ولا تدين لغيرها وهي قراءة ترتكز على سنن الاجتماع البشري المؤثرة في النظم والتحولات السياسية.
3 ـ ساد الاجتماع روح الحوار الراقي القائم على الحجج التي يستند إليها كل طرف، مع إعطاء كل طرف الفرصة الكافية لعرض رأيه والرد على الطرف الآخر، بحثًا عمّا يحقق مصلحة الجماعة ويجمع كلمتها، ويجنبها ظواهر الافتراق.
4 ـ لما رأى الأنصار قوة حجة المهاجرين طرحوا عدة خيارات وبدائل، كقولهم: “منا أمير ومنكم أمير”، وطرحوا اعتماد سياسة التداول السلمي بين المهاجرين والأنصار، كما جاء في بعض الروايات أن الأنصار قالوا: “أولًا نختار رجلًا من المهاجرين، فإذا مات اخترنا رجلًا من الأنصار، فإذا مات اخترنا رجلًا من المهاجرين كذلك أبدًا؛ فيكون أجدر أن يشفق القرشي إذا زاغ أن ينقض عليه الأنصاري، وكذلك الأنصاري”.
ومن خلال هذه الرواية يتضح أن الأنصار كانوا يرون فكرة التداول بين الفريقين، ولم يقل لهم أحد من المهاجرين إنكم أتيتم منكرًا من القول وزورًا، بل كانت الردود كلها تقوم على الاعتبارات المصلحية، مما أدى في النهاية إلى أن تنتهي المداولات بنوع من المشاركة السياسية القائمة على وحدة الإمامة بين المهاجرين والأنصار، على أن يختص الأنصار بالوزارة والمهاجرون بالإمامة.
وهذا ما جاء في حديث عائشة رضي الله عنها، وفيه أن أبا بكر قال: “نحن الأمراء وأنتم الوزراء”.
فقال الحباب بن المنذر: “لا والله لا نفعل، منا أمير ومنكم أمير”، فقال أبو بكر: “لا، ولكن نحن الأمراء وأنتم الوزراء”. وفي رواية أخرى قال أبو بكر: “نحن الأمراء وأنتم الوزراء، وهذا الأمر بيننا وبينكم”.
5 ـ وبعد تحقق الشورى بين المهاجرين والأنصار في أجواء من الحرية السياسية، وبعيدًا كل البعد عن أساليب القهر والإكراه والاضطهاد، وبعد الاتفاق على تقسيم الاختصاصات بين المهاجرين والأنصار، انتهى الأمر إلى مبايعة أبي بكر رضي الله عنه بصورة جماعية أخذت شكل الإجماع، بدءًا بالبيعة الخاصة وانتهاءً بالبيعة العامة.
والجدير بالذكر أن عليًا رضي الله عنه غضب لعدم استشارته في أمر الخلافة؛ وتشير بعض الروايات في الصحيحين إلى أن بيعته تأخرت ستة أشهر. لكن صحت روايات أخرى تفيد بأنه بايع في اليوم الذي جرت فيه البيعة العامة. وقد وضّح سبب غضبه بقوله: “ما غضبنا إلا لأنا أُخِّرنا عن المشاورة، وإنا نرى أبا بكر أحق الناس بها بعد رسول الله ﷺ؛ إنه لصاحب الغار وثاني اثنين، وإنا لنعلم بشرفه وكِبَره، ولقد أمره رسول الله ﷺ بالصلاة بالناس وهو حي”.
وقد جمع ابن كثير وابن حجر بين الأحاديث الصحيحة بأن عليًا بايع أول الأمر مع الناس، ثم بايع بعد وفاة فاطمة تأكيدًا للبيعة الأولى، وإزالة لما حدث من جفوة بسبب الخلاف المتعلق بالميراث.
وبذلك تكون تولية أبي بكر الصديق رضي الله عنه قد مرت بثلاث مراحل واضحة:
- الترشيح: وهو الذي قام به عمر بن الخطاب.
- البيعة الخاصة وهي أشبه بموافقة أهل الحل والعقد: وهي التي حدثت في سقيفة بني ساعدة، وكان المشاركون فيها يمثلون مختلف الاتجاهات الاجتماعية في المدينة.
- البيعة العامة: وهي التي تمت في المسجد في اليوم التالي لاتفاق السقيفة، وفيها تقدم الناس جميعًا لمبايعة أبي بكر.
ويبدو من خلال المناقشات في اجتماع السقيفة أن شرط القرشية في الإمامة لم يكن مشهورًا أو منتشرا بين الصحابة آنذاك؛ وإلا لما نازع فيه الأنصار، ولما احتج أبو بكر وعمر بكون قريش وسط العرب وأحقهم بالسلطان بناءً على قول النبي ﷺ. ولكن الروايات الصحيحة تثبت أن المهاجرين لم يحتجّوا على الأنصار بالنصوص الواردة في أحقية قريش بالأمر؛ إما لأن النصوص لم تخطر ببالهم في لحظة الجدال، أو لأن الصديق اكتفى بتضمينها في أثناء حديثه، أو لأن فهم الصحابة لها كان على خلاف ما فهمه المتأخرون من أن القرشية شرط في الإمامة.
وخلاصة القول:
يتبين أن بيعة أبي بكر تمت عن اختيار ورضا وشورى بين المسلمين، وقد تحقق فيها الإجماع المطلوب، وأن اختيار الأمة وقع موقعه الموافق للنصوص الواردة في رغبة النبي ﷺ بتولية أبي بكر، ورضاه عنه، كما سبق بيانه. وهذا إن دلّ على شيء، فإنما يدلّ على عصمة الأمة عند اجتماعها.
ثالثًا: البرنامج السياسي لأبي بكر الصديق رضي الله عنه
ما إن تمت البيعة لأبي بكر الصديق رضي الله عنه من الصحابة الكرام عقب وفاة النبي ﷺ، حتى وقف في مسجد رسول الله ﷺ يلقي خطبة هي الأولى له في مقام الخلافة، وقد كانت هذه الخطبة -على إيجازها- بيانًا شاملاً لأسس القيادة السياسية في الإسلام، ومنطلقًا يعلن عبره رؤيته العقدية والتربوية والاجتماعية والإدارية، ولقد صاغ أبو بكر منظومة من المبادئ والقيم في كلمات موجزة، لكنها بالغة العمق والدلالة، فقال: “أيها الناس، إني قد وُلِّيت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني، الصدق أمانة، والكذب خيانة، والضعيف فيكم قوي عندي حتى آخذ الحق له، والقوي فيكم ضعيف عندي حتى آخذ الحق منه إن شاء الله، لا يدع قوم الجهاد في سبيل الله إلا أخذهم الله بالذل، ولا تشيع الفاحشة في قوم قط إلا عمهم الله بالبلاء، أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم”.
وتمثل هذه الكلمات ركائز حقيقية لبرنامج سياسي متكامل، يعبر عن رؤية خليفة رسول الله ﷺ في إدارة الدولة، ويؤسس لمبادئ الحكم الراشد في الإسلام، ويمكن استخراج أبرز معالم هذا البرنامج من خلال المحاور الآتية:
1- قيمة المساواة والتواضع ونفي العصمة
افتتح أبو بكر خطبته بقوله: “وُلِّيت عليكم ولست بخيركم”، وهذه الجملة -على قصرها- تُعد إعلانًا واضحًا أن الخليفة فرد من أفراد الأمة، تولّته الأمة باختيارها، ولم يُرفع فوق الناس بقداسة ولا عصمة، ولا استمد سلطانه بتفويض إلهي، وهذا يُعد نقلة نوعية في الفكر السياسي الإنساني، إذ ينزع عن الحاكم ادعاء التميّز الفطري، ويجعله مسؤولًا أمام الأمة ومسؤولًا أمام الله تعالى.
وبذلك يكون أبو بكر قد وضع أساسًا مهمًا لمنع الاستبداد، فالخليفة بشر؛ يصيب ويخطئ، فإذا أحسن وجب على الأمة أن تعينه، وإذا أساء وجب عليها أن تقومه بالنصح والإصلاح. وهذا يرسخ قيمة الشورى، ويبرز حق الأمة في الرقابة والمساءلة.
وهذا المبدأ يتناسق مع المنهج القرآني الذي أكد بشرية النبي ﷺ ونفى عنه صفات الألوهية، فقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ﴾ [الكهف: 110] ﴿قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ [الإسراء: 93].
وإذا كان النبي بشرًا ولكنه معصوم في تبليغ الرسالة، فمن باب أولى أن يكون غيره من الحكام محكومين بميزان الشريعة، وليس لهم أي حق في ادعاء القدسية أو التعالي على الأمة. وهكذا أسس أبو بكر منذ اللحظة الأولى مبدأ محوريًا في النظام السياسي الإسلامي وهو أن: الحاكم يُقاس بمدى التزامه بالشريعة، والشريعة ليست ملكًا للحاكم، بل الأمة كلها شريكة فيها تعليمًا وتكليفًا ومسؤولية.
2- قيمة الصدق وأنه أساس الحكم الرشيد
بعد أن رسّخ أبو بكر قيمة التواضع والمساواة، انتقل إلى بيان أول شرط من شروط نجاح الولاية العامة، فقال: “الصدق أمانة والكذب خيانة”، فالصدق لا يقتصر على السلوك الفردي، بل هو ركن من أركان ممارسة السلطة، إذ لا قيام لولاية بلا شفافية، ولا استقامة لحكم مع الكذب.
فحين يغيب الصدق، تغيب الرقابة وتضيع الحقوق، ويتحول الحكم إلى مجال للفساد والظلم. والقائد الكاذب يجرّ أمته إلى الفجور، كما قال النبي ﷺ: “وإياكم والكذب؛ فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار”. ويؤكد القرآن هذه القيمة بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: 119].
إن هذا التأكيد على الصدق يعني أن الحكم في الإسلام ليس مجرد سلطة إدارية، بل هو التزام أخلاقي، وواجب شرعي يقوم على الأمانة.
3- قيمة العدل وأنه أساس الملك واستقامة الأمة
يقول أبو بكر: “والضعيف فيكم قوي عندي حتى آخذ الحق له، والقوي فيكم ضعيف عندي حتى آخذ الحق منه”. وهذه العبارة تلخص فلسفة الحكم في الإسلام: لا أحد فوق القانون، ولا مكان للتمييز أو المحاباة.
فالسلطان في نظر أبي بكر ليس صاحب نفوذ يتفضل على الناس، بل هو أداة لإقامة القسط بينهم. والعدل هنا ليس مفهومًا مجردًا، بل ممارسة عملية تقتضي دعم الضعيف إذا ظُلِم، ومحاسبة القوي إذا اعتدى، ولو كان ذا منصب أو مكانة.
وهكذا وضع أبو بكر قاعدة واضحة: رعاية الحق وإقامته مقدمة على الأشخاص، والهوية الحقيقية للحاكم تظهر في انحيازه للحق لا للنفوذ.
4- قيمة العفة والأخلاق وأنها أساس البناء الاجتماعي
قال أبو بكر: “ولا تشيع الفاحشة في قوم قط إلا عمهم الله بالبلاء”، وهذه العبارات تظهر البُعد الأخلاقي العميق في برنامج أبي بكر السياسي؛ إذ يرى أن البناء الاجتماعي لا يقوم إلا على الطهر والعفة، وأن انتشار الفاحشة يهدد استقرار المجتمع كله، لا أفرادًا محدودين.
فالأخلاق هنا ليست شأنًا شخصيًا، بل هي ركن من أركان السياسة العامة، لأن المجتمع حين تنحرف أخلاقه يتهدم بنيانه، وتسود فيه الفوضى، ويتبدد فيه الأمن، ومن هنا فإن الدولة في الإسلام ليست مسؤولة عن العدالة فقط، بل مسؤولة كذلك عن حماية الأخلاق العامة.
5- قيمة الجهاد وكونه ضمانة لعزة الأمة
قال الصديق رضي الله عنه: “لا يدع قوم الجهاد في سبيل الله إلا أخذهم الله بالذل”.
فالجهاد عند أبي بكر ليس مجرد قتال، بل هو منظومة شاملة لحماية الأمة من العدوان، وصون قيمها، ومنع الظلم من أن يستفحل. وإن ترك الجهاد يؤدي إلى ذل الأمة وسقوط هيبتها، لأن الأمم لا تحفظ مكتسباتها ولا تحمي أوطانها إلا بقوة تدافع بها عن نفسها.
وقد طبّق أبو بكر هذا المبدأ عمليًّا حين قاد حروب الردة، فأعاد للدولة هيبتها، وصان وحدتها، وفتح الطريق أمام الفتوحات الإسلامية الكبرى.
6- قيمة الطاعة المشروطة بالمعروف
اختتم أبو بكر خطبته بقوله: “أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم”، وهذه قاعدة ذهبية في النظام السياسي الإسلامي: لا طاعة مطلقة للحاكم، بل طاعة مقيدة بالشرع، ومشروطة بالمعروف.
فالطاعة ضرورة لقيام الجماعة واستقرار الولاية العامة والخاصة، لكنها ليست أداة لاستعباد الناس ولا لإسكاتهم. فإن انحرف الحاكم عن الشريعة، سقطت عنه شرعية الطاعة في المعصية، وبذلك يتحقق التوازن بين حاجة الولاية للانضباط، وحق الأمة في الحفاظ على دينها وكرامتها.
لقد ظهرت ملامح البرنامج السياسي لأبي بكر الصديق منذ اللحظة الأولى لبيعة المسلمين له، فكانت خطبته الأولى وثيقةً سياسية وفكرية متكاملة، رسمت أركان الحكم الرشيد في: التواضع والمساواة، والصدق والشفافية، والعدل والإنصاف، وصيانة الأخلاق، والجهاد لحماية الأمة، والطاعة المقيدة بالشرع.
وهكذا قدّم أبو بكر أنموذجًا للخلافة الراشدة التي جمعت بين نقاء التصور العقدي، وسداد الرؤية السياسية، والتطبيق العملي القائم على الشريعة والأخلاق، فكانت خلافته امتدادًا لنهج النبوة ومنارة تستضيء بها الأجيال.
وخلاصة القول فقد تبين أن خلافة أبي بكر الصديق قامت على الشورى الاختيارية والرضا والقبول من الأمة ومكوناتها المختلفة بما يحقق مقاصد الولاية في حراسة الدين وسياسة الدنيا به وأنها فعلًا كانت خلافة على منهاج النبوة في تأسيسها وسيرها وصيرورتها كما أخبر بذلك الصادق الأمين فيما رواه الإمام أحمد في المسند عَنِ حُذَيْفَة، قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: “تَكُونُ النُّبُوَّةُ فِيكُمْ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ تَكُونَ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةٌ عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ، فَتَكُونُ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ تَكُونَ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ مُلْكًا عَاضًّا، فَيَكُونُ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَكُونَ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ مُلْكًا جَبْرِيَّةً، فَتَكُونُ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ تَكُونَ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةٌ عَلَى مِنْهَاجِ نُبُوَّةٍ”.




