
دلائل نبوته ﷺ
ديسمبر 13, 2025
نحو قراءة حركية معاصرة لعلوم القرآنالإمام القرضاوي أنموذجاً
ديسمبر 14, 2025فرج كندي
سفير الهيئة العالمية لأنصار النبي في ليبيا
غايات ومقاصد القتال في الفقه الإسلامي والقانون الدولي
شرع الإسلام القتال لغايات محددة، منها: تأمين حرية نشر الدعوة، وكفالة حرية العقيدة، ومنع الفتنة في الدين؛ لأن الإسلام دعوة إلى البشرية كلها، لا إلى العرب خاصة، ولا إلى فئة معينة من البشر.
الإسلام دعوة الله دون استثناء إلى الإنسانية؛ فيجب إبلاغ دعوة الله إلى الناس جميعاً، ليدخلها مَن أراد عن قناعة وإرادة ودون إكراه، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [سبأ: 28].
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة: 67].
وقال سبحانه وتعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ [البقرة: 217].
فالقتال في الإسلام شُرع للدفاع عن النفس وإطلاق حرية الاعتقاد والتفكير وحرية الاختيار للإنسان دون إكراه..
شُرع القتال لتعزيز الحريات وليس للغزو أو للقهر ولا التوسع على حساب الشعوب الأخرى؛ بل شُرع لحماية الدين ونشره بالتي هي أحسن ولا يتعرض إلا لمن وقف في وجهه وناصبه العداء، أو حال بينه وبين الناس بحد السيف والقهر؛ فمنع الناس من اعتناق هذا الدين، واضطهد الدعاة إلى الله، ومنعهم من نشر الدعوة الإسلامية، وتعذيبهم هو فتنة في الأرض وفساد فيها.
وكذلك شُرع القتال لردّ العدوان، وحماية الوطن الإسلامي من الاعتداء على أعراض المسلمين ومقدساتهم. والإسلام يأمر أتباعه بردّ أي عدوان يقع عليهم، وينهاهم في الوقت نفسه عن الاعتداء.
وكذلك شُرع القتال في الإسلام لحماية العهود والمواثيق؛ قال تعالى: ﴿أَلا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [التوبة: 13]. فإذا نقض الكفار عهودهم، ونقضوا المواثيق، وخرجوا عن مقتضياتها، وجب قتالهم لدرء الفتن وإخمادها.
وقد عمل الفقهاء المسلمون على تأصيل قواعد قانون الحرب في فترة مبكرة من التاريخ الإنساني وقننوها وصبغوها بصبغة إنسانية، لا تسمح بتجاوز الحد، وللضرورة القصوى “طوّر الفقهاء المسلمون قواعد قانون الحرب في الإسلام، وهي قواعد تضفي الصبغة الإنسانية على النزاع المسلح، عن طريق حماية أرواح غير المقاتِلين، واحترام كرامة مقاتلي العدو، وحظر إلحاق الضرر بممتلكات العدو إلا إذا فرضت الضرورة العسكرية ذلك، أو إذا حدث الاعتداء دون قصد بوصفه ضررًا جانبياً”.
وفي القانون الدولي حُددت غايات ومقاصد القتال؛ فجعل من حق المقاتلين في النـزاعات المسلحة الدولية المشاركة مباشرة في العمليات العدائية البينية. “قواعد الحرب في القانون الدولي الإنساني هي مجموعة القواعد الدولية التي تحدد ما يمكن وما لا يمكن فعله خلال نزاع مسلح”. أي أنه يجوز لهم ارتكاب أعمال حربية مشروعة ترمي إلى تحقيق هدف عسكري محدد. على ألا توجه مثل هذه الأعمال الحربية سوى ضد المقاتلين أثناء المواجهة وكذلك الأهداف العسكرية، مع تجنب إلحاق أضرار بالمدنيين قدر المستطاع.
ويحدد القانون الدولي الإنساني الغاية من الحرب أو القتال ويحدد مفهومه “لم تعد كلمة الحرب تستخدم في القانون الدولي. فقد أصبح مصطلح (نزاع دولي مسلح) يُستخدم للإشارة إلى حرب بين دولتين أو أكثر، ومصطلح (نزاع مسلح غير دولي) عند الإشارة إلى الحرب الأهلية. ويجب الوصول إلى مستوى معين من العنف قبل أن يوصف الوضع على أنه نزاع مسلح. وتحت ذلك المستوى، تدعى أوضاع العنف على أنها (اضطرابات داخلية) أو (توترات). أما أحداث الشغب وأعمال العنف المعزولة والأعمال الأخرى المشابهة فلا تُعد نزاعات مسلحة [البروتوكول 2 المادة 1-2]”.
وبهذا المفهوم يمكن أن تحديد غاية وهدف القانون الإنساني الدولي هو تحديد مستويات القتال والتمييز بينها لمحاولة الحد منها أو إنهائها بقدر الاستطاعة، بموجب الاتفاقيات الدولية المتعاقبة من اتفاقية جنيف 1949 وما تلاها من اتفاقيات للحد من الحروب بين الدول، وهذا ما عملت عليه الشريعة الإسلامية منذ أن أذن الله للمسلمين بالقتال، وهو مَن شرع أسباب الحروب وغايتها وحدد تعامل المسلمين وما ينبغي أن تكون عليه أخلاق الحرب.
فالقتال رغم كراهيته لم يشرع إلا لضرورة فقال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: 216]، وعن أبي وهب الجشمي قال رسول الله ﷺ: “أحب الأسماء إلى الله عبد الله وعبد الرحمن، وأصدُقُها حارثٌ، وهَمَّامٌ، وأقبح الأسماء حرب ومُرة”. “وفيه إشارة إلى أن كلمة حرب من المفردات المكروهة عند رسول الإسلام ﷺ”. ويتضح أن السلم في الفقه الإسلامي هو الأصل الذي ينظم علاقة المسلمين مع غيرهم، وأن الحرب هي العارض والاستثناء الذي تفرضه الضرورة القصوى التي لا محيد عنها، و”نستطيع في ظل إسلامنا وقرآننا وسنة رسولنا أن نعيش في عالم ينادي بالسلام لا الحرب، وبالأمان لا الخوف، وبالتسامح لا التعصب، وبالحب لا الكراهية، وبالحوار لا الصدام، وبالتعاون لا التناكر”.
وفي الختام..
لقد تناولنا في هذا المقال ومقال العدد الماضي موضوعاً حساساً ومتصلاً ببُعدين ينتميان إلى حضارتين مختلفتين وأصلَين متباينَين: الحضارة الإسلامية المتمثلة في الفقه الإسلامي، والحضارة “الإنسانية” التي يمكن أن نحصرها في الحضارة الغربية المعاصرة، والاختلاف الجوهري في مرجعية الحضارتين؛ فالحضارة الإسلامية مرجعيتها الفقه الإسلامي متمثلة في كتاب الله وسنة رسوله الكريم محمد ﷺ. في حين أن مرجعية القانون الإنساني الدولي هي الإنسان وتجاربه وثقافته التراكمية مع هيمنة واضحة للحضارة الغربية بموروثها الديني والمعرفي.
ومع الفارق في أصول الفقه الإسلامي والقانون الإنساني الدولي فيما يتعلق بحقوق غير المحاربين، وصلنا إلى نتائج من أهمها أنه يوجد تقارب يصل إلى التطابق في كثير منه، مثل: تحديد فئة غير المحاربين والاتفاق التام على معاملتهم معاملة تختلف عن المحاربين مع حفظ حقوقهم وحفظ أمنهم وسلامتهم.
كما ثبتت أسبقية وتقدم الفقه الإسلامي على القانون الدولي الإنساني في النص على حقوق المحاربين، وتأثر بعض نصوص القانون الدولي الإنساني بأحكام الفقه الإسلامي. وذلك من خلال نصوص اتفاقية جنيف الدولية لسنة 1949 وما تلاها من ملاحق.
ووجدنا أن الباب واسع في تلاقي القانون الدولي الإنساني في تقرير حقوق الإنسان بصفة عامة وحقوق المدنيين أو غير المحاربين، ويمكن للمؤسسات القانونية الدولية الاستفادة من أحكام الفقه الإسلامي النابع من كتاب الله خالق الإنسانية، وهو أعلم بما يناسبها من قوانين ونظم تحدد وتنظم علاقاتها وقت السلم والحرب.
كما بدت للعيان صلاحية الفقه الإسلامي لمعالجة القضايا الإنسانية المعاصرة، ففي أحكام غير المحاربين دليل قاطع على صلاحيته ومواكبته للقوانين الإنسانية الدولية المعاصرة.




