
سلطان الهداية أم هداية السلطان؟
فبراير 5, 2026
أنتم خصومنا أمام الله يوم القيامة
فبراير 6, 2026د. حسين عبد العال
عضو الأمانة العامة للهيئة العالمية لأنصار النبي ﷺ
لقد شهد شهر شعبان من العام الثاني لهجرة المصطفى ﷺ حدثًا عظيمًا زلزل أركان المدينة، بل تعدى أثره لمكة، وهو حدث تحويل القبلة، فبعد أن كان النبي ﷺ يصلي ناحية بيت المقدس، إذا به يتحول ليصلي مستقبلًا البيت الحرام بمكة، عَنِ الْبَرَاءِ قَالَ: “لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْمَدِينَةَ، صَلَّى نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ، أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا، وَكَانَ يُحِبُّ أَنْ يُوَجَّهَ إِلَى الْكَعْبَةِ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾ [البقرة: 144] فَوُجِّهَ نَحْوَ الْكَعْبَةِ، وَصَلَّى مَعَهُ رَجُلٌ الْعَصْرَ، ثُمَّ خَرَجَ، فَمَرَّ عَلَى قَوْمٍ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَقَالَ: هُوَ يَشْهَدُ أَنَّهُ صَلَّى مَعَ النَّبِيِّ ﷺ، وَأَنَّهُ قَدْ وُجِّهَ إِلَى الْكَعْبَةِ، فَانْحَرَفُوا وَهُمْ رُكُوعٌ فِي صَلَاةِ الْعَصْرِ”.
لماذا الآن؟
كل شيء بتدبير الله سبحانه وتعالى، فما سر توقيت تحويل القبلة، أي لماذا الآن؟
لم يخلق الله تعالى شيئًا إلا لحكمة منه، وكذلك لم يجعل توقيتًا لشيء إلا بحكمة، ومن هنا كانت حكمة توقيت تحويل القبلة، ومن ذلك أن النبي ﷺ والصحابة معه كانوا يتمنون التوجه لبيت الله الحرام، فأراد الله تعالى أن يربط قلوبهم بالبيت زيادة بتحويل وجهتهم إليها، وذلك قبل اللقاء المباشر مع أهل مكة، وهذا يعطيهم حماسًا في قتال أهل مكة لسببين:
أولهما: يقينهم في أن القبلة التي توجهوا إليها لابد أن يحرروها يومًا، من قريش التي زحفت لقتالهم، فهذا يزيدهم شجاعة في قتالهم المشركين في بدر، والتي كانت بعد شهر واحد من تحويل القبلة.
ثانيهما: تنقية صف المسلمين من الفئة القليلة المنهزمة والضعيفة والمنافقة قبل أول لقاء حاسم مع المشركين، وبالفعل خرج ضعاف النفوس الذين لم يتحملوا الحدث من الصف بسبب تحويل القبلة.
أصناف الناس المهتمين بتحويل القبلة
انقسم الناس مع تحويل القبلة لأصناف أربعة يختلف كل منها عن الآخر:
أولهم: اليهود، وهؤلاء هم رؤوس الفتن في كل زمان ومكان، وكانوا ينتظرون أي فرصة ولو يسيرة ليطعنوا في دين الله تعالى، وفي الرسول ﷺ، فأخذوا يقولون: لو كان محمد نبيًا ما ترك قبلة الأنبياء، كيف يكون نبيًا وكان على قبلة ثم يتركها؟ وماذا عن صلاته التي صلاها من قبل؟ وكيف يترك قبلة الأنبياء ويتوجه لقبلة الوثنيين؟ وغير هذا من شبهاتهم.
ثانيهم: أهل مكة، وقد قالوا: اليوم يتوجه إلى قبلتنا وغدا سيعود لعبادة آلهتنا.
وثالثهم: المنافقون، وهؤلاء بدأوا يخرجون من جحورهم ويقولون: إن محمدًا لا يدري أين يتوجه بصلاته، وربما يعود غدًا لما كان عليه.
وأما رابعهم: فهم المؤمنون؛ فهؤلاء من طبعهم: “سمعنا وأطعنا”، وقد استجابوا لأمر الله ورسوله ﷺ، فعن أنس؛ أن رسول الله ﷺ كان يصلي نحو بيت الْمَقْدِسِ. فَنَزَلَتْ: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ المسجد الحرام﴾ فَمَرَّ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سَلِمَةَ وَهُمْ رُكُوعٌ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ. وَقَدْ صَلَّوْا رَكْعَةً. فَنَادَى: أَلَا إِنَّ الْقِبْلَةَ قَدْ حُوِّلَتْ. فَمَالُوا كَمَا هُمْ نَحْوَ الْقِبْلَةِ”.
دروس من تحويل القبلة
لكل حدث في سيرة النبي ﷺ دروس تستفاد منه، فليست السيرة للتسلي، بقدر ما هي دروس للعالمين إلى قيام الساعة، وحدث عظيم كتحويل القبلة لا شك أنه يحمل في طياته الدروس والعبر الكثيرة مما تستفيد منه الأمة إلى قيام الساعة، ومن هذه الدروس ما يلي:
1- أهمية المسجد الأقصى
فتحويل القبلة من المسجد الأقصى إلى البيت الحرام، يبين لنا الأهمية العظمى للمسجد الأقصى، فالله جلت قدرته كان من الممكن أن يجعل قبلة النبي ﷺ للبيت الحرام من البداية وهو يحب ذلك، وقد كان النبي ﷺ يصلي إليهما وهو في مكة فيصلي لبيت المقدس جاعلًا الكعبة بين يديه، فلما هاجر ﷺ إلى المدينة تعثر الجمع بينهما، فظل يصلي لبيت المقدس ستة عشر شهرًا، مما أحدث في قلبه وحشة كبيرة لبيت الله الحرام.
والسؤال: لم الصلاة لبيت المقدس كل هذه المدة طالما سيتحول عنها؟
والجواب هو: أهمية وفضل بيت المقدس، فهو وإن كان أقل درجة من البيت الحرام، إلا أن فضله لا ينكر، وتحريره واجب على المسلمين، والحفاظ عليه من المسلمات.
2- العبادة اتباع وليست ابتداعاً
ومن هذه الدروس المهمة أيضًا أن يعلم المرء أن العبادة ليست بالعقل، ولا بالاستحسان من العبد، بل هي اتباع لأمر الله تعالى، فليست القبلة إلا إلى ما يحبه الله تعالى ويأمر به، كما قال ربنا: ﴿لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ [البقرة: 177]، فالعبد مأمور أن يعبد الله كما أراد الله تعالى، ولا يصح أن يبتدع في دين الله شيئًا.
3- أهمية السياسة الشرعية في حياة الأمة
لقد كان في التوجه لبيت المقدس شيء من السياسة الشرعية، وهو تألف اليهود علهم أن يسلموا وهم يعلمون صدق النبي ﷺ، فحتى عند تحول القبلة ظهرت السياسة الشرعية، فلم يأتِ الأمر مجردًا بالتحول لبيت الله الحرام، بل معه: ﴿قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ ۖ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾ [البقرة: 144]، ومعه أيضًا: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ﴾ [البقرة: 143]، وأيضًا: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [البقرة: 143]، وهكذا مما يحتاج لكثير تفصيل.
4- ضرورة الثبات عند الاختبار
يبين ربنا سبحانه أن القبلة كانت لبيت المقدس، ثم تحولت للكعبة المشرفة، ليكون ذلك ابتلاءً للمؤمنين، ولبيان صدق إيمانهم من كذبه، قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ ۚ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ﴾ [البقرة: 143]، وهنا يمتدح من ثبت واتبع الرسول في التغيير دون وجه اعتراض، ويصم بالسفه كل من اعترض على أمر الله وأمر رسوله ﷺ.
5- حُسن اقتداء الصحابة رضوان الله عليهم
الصحابة -رضوان الله عليهم- كانوا يعرفون معنى الاقتداء، ومعنى السمع والطاعة، بلا مواربة ولا تشكك وحتى بلا تفكير في طبيعة الأمر، لأنهم يعلمون أن أمر الله وأمر رسوله ﷺ هو الحق والصدق وإن لم يوافق العقل، بل كانوا يتعاملون بمبدأ عظيم وهو: “لئن كان قال ذلك لقد صدَقَ”.
عَنِ الْبَرَاءِ قَالَ: “لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْمَدِينَةَ، صَلَّى نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ، أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا، وَكَانَ يُحِبُّ أَنْ يُوَجَّهَ إِلَى الْكَعْبَةِ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا} فَوُجِّهَ نَحْوَ الْكَعْبَةِ، وَصَلَّى مَعَهُ رَجُلٌ الْعَصْرَ، ثُمَّ خَرَجَ، فَمَرَّ عَلَى قَوْمٍ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَقَالَ: هُوَ يَشْهَدُ أَنَّهُ صَلَّى مَعَ النَّبِيِّ ﷺ، وَأَنَّهُ قَدْ وُجِّهَ إِلَى الْكَعْبَةِ، فَانْحَرَفُوا وَهُمْ رُكُوعٌ فِي صَلَاةِ الْعَصْرِ”.
6 – معرفة قدر النبي ﷺ
قدْر العبد الحقيقي هو قدره عند الله تعالى، فالعظيم من عظمه الله تعالى، والوضيع من وضعه الله تعالى، وقدر النبي ﷺ رفيع عند ربه سبحانه، لذلك قال له ربه: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَك﴾ [الشرح: 4]، ويظهر قدر النبي ﷺ هنا في قصة تحويل القبلة عند قول الله تعالى له: ﴿قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ ۖ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾ [البقرة: 144]، فلم يقُل له: قبلة نحبها أو نريدها، لكن انظر إلى كلمة “ترضاها”، فما أعظم مقام وقدر محمد ﷺ عند ربه!
7- أهمية الدعاء فيما لا حيلة للعبد فيه
كان النبي ﷺ يحب الاتجاه ناحية الكعبة، ولكن أمرًا كهذا لا يكون إلا من عند الله عز وجل فلا حيلة فيه للبشر، لذلك لم يكن أمام النبي ﷺ إلا الدعاء ثم الدعاء، بل والإلحاح فيه، وإن الله تعالى يحب عبده اللحوح، أي في دعائه، وألح النبي ﷺ على ربه مرارًا حتى قال عنه سبحانه: ﴿قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ [البقرة: 144]، فعندئذ جاءت الإجابة بما يحبه النبي ﷺ ويرضاه.
8- سفاهة كل قول يخالف الحق
جمع الله سبحانه وتعالى جميع من عارضوا التحول للكعبة، وهم اليهود والمشركون والمنافقون، على اختلاف أقوالهم فسماهم جميعًا بالسفهاء، قال تعالى: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ [البقرة: 142]، وهكذا كل من خالف الحق لغرض في نفسه يعد سفيهًا.
9- لا يضيع عمل ما لم يحبطه صاحبه
جاء بعض الصحابة يسألون دون اعتراض أو شك، يسألون عن صلاة إخوانهم الذين ماتوا قبل أن تحول القبلة، فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: 143]، قال الإمام ابن كثير: “أي: صلاتكم إلى بيت المقدس قبل ذلك لا يضيع ثوابها عند الله، وفي الصحيح من حديث أبي إسحاق السبيعي، عن البراء، قال: مات قوم كانوا يصلون نحو بيت المقدس فقال الناس: ما حالهم في ذلك؟ فأنزل الله تعالى: ﴿ومَا كَانَ اللهُ لِيُضيعَ إِيمَانَكُم﴾”.
10- الحكمة من النسخ في أمور الشريعة
كثيرة حِكمة النسخ في القرآن الكريم، ويعنينا هنا منها بعض الأشياء مثل: امتحان صدق المؤمنين في إيمانهم، تفعيل مبدأ السياسة الشرعية، تنقية صف المسلمين من المنافقين، وبيان أحوال الناس، وبيان قيمة وفضل المسجد الأقصى، فلو كانت الصلاة للحرم مباشرة لما ظهر فضل بيت المقدس، وبيان قدر النبي ﷺ عند ربه، وبيان أهمية وفضل الدعاء لله تعالى.
ملاحظات حول ليلة النصف من شعبان
تحولت القبلة ليلة النصف من شعبان، لكن لم يصح من الأحاديث في فضل العبادة المخصوصة بهذه الليلة شيء، وكل ما ذكر فيها إما موضوع أو ضعيف، وربما صح حديث أو حديثان لكنهما غير مخصوصين بعبادة معينة في هذه الليلة.
عن أبي ثعلبة الخشني رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: “إذا كان ليلة النصف من شعبان اطلع الله إلى خلقه، فيغفر للمؤمنين، ويملي للكافرين، ويدع أهل الحقد بحقدهم حتى يدعوه”.
وعن أبي موسى رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: “إن الله ليطلع في ليلة النصف من شعبان فيغفر لجميع خلقه، إلا لمشرك أو مشاحن”.
فاللهم ارزقنا كمال الإيمان، وسلامة الصدور، وأخوة الإسلام.





