
كيف قادتني غَزّة إلى الإسلام!
مارس 13, 2026
الغرزة الأخيرة في ثوب التيه
مارس 13, 2026أندري كاناما
مدغشقر
اسمي “أندري”، وإن كنت تريد أن تعرف معنى القسوة، فعليك أن تزور مناجم الياقوت في بلدة “إيلاككا” جنوب مدغشقر. هناك، حيث الأرض حمراء كالدماء، والناس يحفرون بأظافرهم بحثاً عن حجر قد يغير حياتهم أو ينهيها تحت ركام التراب. أنا لست عاملاً بسيطاً، بل أنا “جيولوجي” قضيت سنوات في دراسة طبقات الأرض، أفهم لغة الصخور وتاريخ التكتونات، لكنني كنت أجهل تماماً لغة الروح التي تسكن صدري.
حياتي في “إيلاككا” كانت عبارة عن رحلة بحث محمومة. كنت أعمل لدى شركة تنقيب كبرى، أقضي أسابيع في الخيام وسط الأدغال، أراقب العمال وهم يغوصون في حفر ضيقة ومظلمة تسمى “الآبار”. نمط معيشتي كان جافاً كالصخور التي أدرسها؛ كنت أؤمن بالمادة فقط. بالنسبة لي، الإنسان هو تطور كيميائي، والحياة هي محض صدفة جيولوجية، والياقوت الذي نبحث عنه ليس إلا ذرات ألمنيوم وأكسجين تبلورت تحت ضغط هائل.
بيئتي الاجتماعية كانت خليطاً من الجشع والخرافة. العمال هنا، وهم من قبائل “البرا”، يمارسون طقوساً غريبة، يذبحون الديوك أمام فوهات المناجم لاسترضاء أرواح الأرض. كنت أسخر منهم في سري، وأقول لهم: “الأرض لا تسمع، الأرض مادة صماء”. لكنني، في الليالي التي يغيب فيها القمر فوق تلال مدغشقر الموحشة، كنت أشعر ببرد غريب في قلبي. كنت أتساءل: إذا كانت الحياة مجرد مادة، فلماذا أشعر بهذا الثقل الأخلاقي حين أرى عاملاً يموت من أجل حجر صغير سيُباع في باريس أو نيويورك بآلاف الدولارات؟ لماذا أشعر أن هناك “عدلاً” مفقوداً يجب أن يتحقق؟
في ليلة من الليالي، حدث ما لم يكن في الحسبان. انهارت إحدى المغارات الكبرى بينما كنت أقوم بمعاينة جدرانها. وجدت نفسي عالقاً في فجوة صغيرة، الظلام دامس، والأكسجين يتناقص، وصوت تصدع الصخور فوق رأسي كأنه طبول الحرب. في تلك اللحظة، سقطت عني كل نظرياتي الجيولوجية. لم أطلب العون من “ذرات الألمنيوم”، بل صرخت من أعماق قلبي: “يا مَن خلقتني، إن كنت موجوداً، فأنقذني!”
بقيت في ذلك القبر الضيق ست ساعات. تلك الساعات كانت أطول من عمري كله. حين تمكن العمال من سحبي بأعجوبة، كنت رجلاً آخر. عدت إلى منزلي في “توليا”، جسدي سليم لكن عقلي كان في حالة صدمة! بدأت أبحث بجنون؛ هل هناك إله يسمع صرخة الجيولوجي في باطن الأرض؟ هل هناك دين يفسر هذا الشعور بالمسؤولية والعدالة؟
بعد أسابيع من القلق، وبينما كنت أتصفح “فيسبوك” بحثاً عن مراجع علمية، قادتني الخوارزميات إلى منشور من صفحة “مشروع بصيرة لدعوة غير المسلمين”. كان المنشور يتحدث عن “الله”، وكان مكتوباً باللغة الفرنسية. المنشور اقتبس آية تتحدث عن “الجبال وكيف نُصبت”، وعن “الأرض وكيف سُطحت”.
لأول مرة، أرى خطاباً دينياً لا يصطدم مع العلم، بل يفسره. دخلت إلى الصفحة، وقرأت منشوراً طويلاً يتحدث عن “التوحيد” وكيف أن الخالق واحد لا شريك له، وأن هذا الكون المنضبط كالساعة لا يمكن أن يكون عبثياً. وجدت هناك دعوة صريحة: “إذا كنت باحثاً عن الحقيقة، فنحن هنا لنحاورك”.
أرسلت رسالة في منتصف الليل. قلت فيها: “أنا رجل علم، رأيت الموت في بطن الجبل، وأريد أن أعرف: هل الإسلام يقر بالعقل أم هو مجرد تسليم أعمى كخرافات عمال المناجم؟”.
بدأ “المحاور” معي نقاشاً لم أتوقعه. لم يبدأ بالوعظ، بل بدأ من تخصصي.
قال لي: “يا أندري، أنت جيولوجي وتعلم أن لكل طبقة صخرية تاريخاً ونظاماً. هل تعتقد أن هذا النظام وجد نفسه بنفسه؟ الإسلام يدعوك للتفكر في خلق السماوات والأرض، بل إن القرآن مليء بالآيات التي تأمرنا بالنظر والتدبر”.
قلت له: “لكنني أرى الظلم في المناجم، أرى الأبرياء يموتون. أين إلهكم من هذا؟”.
أجابني المحاور برصانة: “هذا بالضبط هو دليل وجود الآخرة. الإسلام يقول إن هذه الدنيا دار اختبار، وليست دار جزاء. الظلم الذي تراه هو نتاج حرية الاختيار التي منحها الله للبشر، ولو حاسب الله الناس في الدنيا فوراً لما بقى عليها من دابة. العدل الكامل ينتظرنا هناك، حيث تُوزن الأعمال بميزان لا يظلم مثقال ذرة”.
استمر الحوار لساعات. سألته عن “الحقيقة المطلقة”، وعن سبب تعدد الأديان.
أوضح لي أن الإسلام هو “الدين الخاتم” الذي يعيد البشرية إلى التوحيد الخالص الذي جاء به كل الأنبياء، من آدم إلى عيسى وصولاً إلى محمد ﷺ. شرح لي كيف أن الإسلام يحترم العقل لكنه لا يجعله إلهاً، فالعقل يدرك بوجود الخالق، لكن الوحي هو من يخبرنا ماذا يريد منا هذا الخالق.
تحدثنا عن “السكينة”. أخبرته أنني منذ حادثة المنجم لم أذق طعم النوم.
تلا على مسامعي آية: ﴿أَلَا بِذِكۡرِ ٱللَّهِ تَطۡمَىِٕنُّ ٱلۡقُلُوبُ﴾ [الرعد: 28]، وقال: “جرب أن تسجد الآن، ضع جبهتك التي تحمل كل هذا العلم على الأرض، ونادِ خالقك بضعفك، وستجد السكينة التي تبحث عنها”.
كانت الساعة قد شارفت على الثالثة فجراً. شعرت بصراع هائل داخل صدري؛ كبرياء العالم والجيولوجي ينهار أمام حقيقة العبودية لله. نظرت إلى عينات الياقوت المتناثرة على طاولتي، شعرت أنها حصى تافهة أمام الجوهرة التي وجدتها الآن.
كتبت له: “لقد اقتنع عقلي، فماذا عن قلبي؟”.
رد المحاور: “القلب يتبع الحق إذا لم يكبله الكبر. هل أنت مستعد لتشهد بالحق؟”.
في تلك اللحظة، قمت من مقعدي، وقفت في شرفتي المطلة على جبال “توليا”، وشعرت بأن قلبي يتغير. عدت إلى هاتفي وكتبت: “أنا مستعد”.
لقنني المحاور الشهادة: “أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله”.
بمجرد نطقها، أحسست وكأن صخرة الانهيار التي كانت تجثم على صدري منذ حادثة المنجم قد تفتتت وتلاشت. شعرت بخفة غريبة، وبدموع حارة تغسل وجهي الذي طالما غطاه غبار التنقيب. لقد أسلمت في تلك الليلة، في تلك البقعة البعيدة من مدغشقر، عبر كلمات انسابت من شاشة هاتف لتغير مسار حياتي للأبد.
بعد تلك الليلة، تغير كل شيء في حياة “أندري”. لم أعد ذلك المدير القاسي الذي يهتم فقط بالكميات المستخرجة. بدأت أعامل العمال كإخوة لي في الإنسانية. أصبحت أوفر لهم أدوات السلامة قبل أن أفكر في الياقوت، وأمنحهم أجوراً عادلة .
تركت حياة العبث واللقاءات الفارغة في نوادي “توليا”. استبدلتها بجلسات هادئة أتدبر فيها القرآن الذي بدأت أتعلمه عبر قسم التعليم في مشروع بصيرة. زملائي في الشركة استغربوا؛ “أندري الجيولوجي المادي أصبح يصلي!”. كنت أبتسم لهم وأقول: “كنت أنقب عن الحجر، فوجدتُ الخالق”.
بيئتي الاجتماعية تغيرت؛ أسستُ جمعية صغيرة لمساعدة أيتام عمال المناجم، وشعرت لأول مرة أن مالي له بركة. لم يعد الجبل يمثل لي مصدر خوف، بل صار محراباً أتفكر فيه في عظمة الله. الإسلام جعلني جيولوجياً أفضل؛ لأنني صرت أرى في كل حجر آية، وفي كل طبقة أرضية حكمة. شكراً لـ “بصيرة” التي كانت المنقب الحقيقي الذي استخرج الإيمان من بين ركام قلبي المظلم.
والحمد لله الذي هداني للإسلام.





