
انهارت المغارة فوق كبريائي
مارس 13, 2026
مستوطنون يحرقون المنازل والاحتلال يقتحم الضفة الغربية
مارس 23, 2026باتريس جوامايا
دولة بِنين
اسمي “باتريس”، وفي أزقة مدينة “كوتونو” المزدحمة في بنين، يعرفني الجميع بلقب “الأصابع الذهبية”. ورشتي الصغيرة تقع في زاوية منسية من حي “غودوميه”، حيث تختلط روائح التوابل المنبعثة من الأسواق المجاورة برائحة وقود الدراجات النارية التي تملأ الأجواء صخباً. حياتي، تماماً كأقمشة “الأنكارا” التي أقصها يومياً، كانت مليئة بالألوان الزاهية من الخارج، لكنها مهترئة ومنسوجة بخيوط واهية من الداخل.
عشت أربعين عاماً في بنين، هذا البلد الذي تتعايش فيه المعتقدات بشكل غريب. كنت أرى جيراني يذبحون القرابين للأرواح في الغابات، وأرى آخرين يرتادون الكنائس يوم الأحد، وكنت أنا عالقاً في منطقة رمادية. عائلتي كانت مسيحية بالاسم، لكن ممارساتنا كانت خليطاً من الخوف من السحر والتقديس الأعمى لرجال الدين. كنت أشعر أن الدين بالنسبة لنا هو “ستار” نرتديه في المناسبات ليخفي عيوب أرواحنا، وليس منهجاً للحياة.
في ورشتي، كنت أقضي ما يزيد عن اثنتي عشرة ساعة يومياً. مهنتي كخياط تتطلب دقة وتركيز؛ فغرزة واحدة خاطئة قد تفسد ثوباً كلف صاحبه مدخرات شهر. كنت بارعاً في إصلاح عيوب أجساد الزبائن عبر التصاميم الذكية، لكنني كنت أفشل يومياً في رتق الثقوب التي تتسع في روحي. كنت أشعر بعبثية مفرطة؛ لماذا نحن هنا؟ هل نعيش لنأكل ونخيط ونموت؟ وماذا بعد أن أرحل من هذه الدنيا؟ هل سأواجه الخالق الذي يصورونه لنا ككيان غامض لا يمكن الوصول إليه إلا عبر وسطاء يدفع لهم المال؟
كان نمط معيشتي يعاني من فوضى داخلية. بالرغم من نجاحي المهني، كنت مدمناً على القلق. كنت أهرب من تساؤلاتي النفسية بالانخراط في صخب الحفلات المحلية في “كوتونو”، حيث الموسيقى الصاخبة التي تصم الآذان عن سماع صوت الضمير. كنت أعود لبيتي في ساعة متأخرة، أنظر إلى المرآة وأرى رجلاً غريباً لا يشبهني.
في إحدى ليالي شهر سبتمبر الماضي، كانت “كوتونو” تغرق في أمطارها الموسمية الغزيرة. توقفت حركة السير، وانقطع التيار الكهربائي عن أجزاء واسعة من الحي، فلجأتُ إلى المصباح اليدوي وهاتفي المحمول لأقتل الوقت بانتظار هدوء العاصفة. كنت أتصفح “فيسبوك” حين ظهر لي منشور من صفحة تسمى “بصيرة”.
المنشور لم يكن يحمل صوراً لرجال دين بملابس رسمية، بل كان يحمل صورة معبرة، ومكتوباً عليها باللغة الفرنسية: “الله”، “كل شيء في هذا الكون له صانع، فما بالك بحياتك؟ هل تعتقد أنها خُلقت عبثاً بلا ناظم؟”.
تملكتني الدهشة، دخلت إلى الصفحة وبدأت أقرأ. وجدت منشورات تتحدث عن “وحدانية الخالق” بأسلوب عقلي رصين، ينفي الحاجة للتماثيل والقرابين والوسطاء. وجدت كلاماً عن الإسلام يصفه بأنه “دين الفطرة”، أي الشيء الذي يعرفه القلب بالفطرة دون تعقيد.
باندفاع لم أعهده في نفسي، ضغطت على زر المراسلة. كتبت له: “أنا خياط من كوتونو، مهنتي قائمة على النظام، لكن حياتي فوضى. هل الإسلام يقدم نظاماً للإنسان أم مجرد طقوس؟”.
لم يتأخر الرد. بدأ “المحاور” معي حواراً امتد لعدة ساعات في تلك الليلة الماطرة. لم يكن يملي عليّ أوامر، بل كان يسألني ليجعلني أكتشف الحقيقة بنفسي.
قال لي: “يا باتريس، أنت تخيط القماش ليكون جميلاً، أليس كذلك؟ الإسلام هو الخياطة الإلهية للروح، إنه يضع كل خلق في مكانه، ويربط العبد بخالقه مباشرة في علاقة لا تحتاج إلى “خياط” بشري بينهما”.
سألتُه عن أصعب نقطة كانت تؤرقني: “لماذا الإسلام؟ ولماذا لا أكتفي بما ورثته عن آبائي؟”.
أجابني المحاور بمنطق مذهل: “إن كنت تسلم جسدك لأفضل الأطباء عند المرض، ألا تسلم روحك للمنهج الذي وضعه صانع هذه الروح؟ إن ما ورثته هو ثوب قديم ضاق على عقلك، والإسلام هو الثوب الفضفاض الذي يسع الحقيقة كلها. الإسلام لا يلغي عيسى عليه السلام، بل يضعه في مقامه الصحيح كنبي كريم، ويتمم الرسالة بمحمد ﷺ”.
تحدثنا عن “مفهوم العبادة”. أوضح لي أنني حين أخيط بأمانة، وحين أصدق مع الزبون، وحين أطعم الفقير، فأنا في عبادة. كان هذا المفهوم ثورياً بالنسبة لي؛ فالدين لم يعد محصوراً في يوم واحد في الأسبوع أو في مبنى معين، بل أصبح هواءً أتنفسه في ورشتي.
كان المحاور يرسل لي مقاطع مترجمة من القرآن. حين قرأت قوله تعالى: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق: 16]، شعرت بقشعريرة هزت جسدي. كنت أبحث عن الله في الغابات وفي المباني الفخمة، بينما هو أقرب إليّ من دمي الذي يجري في عروقي.
عندما اقترب الفجر، وكانت الأمطار قد هدأت وبدأ صوت ديَكة الحي يعلن عن نهار جديد، شعرت أنني أمام لحظة فاصلة. لم يعد هناك مجال للتراجع. لقد انكشف الغطاء عن عيني.
سألتُ المحاور: “كيف يمكنني أن ألبس هذا الثوب الجديد؟ كيف أدخل الإسلام الآن؟”.
قال لي: “الأمر يسير جداً، الله مطلع على قلبك. قل: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله”.
بصوت مرتجف في سكون الليل، ونبرة ملؤها اليقين، نطقت بالشهادتين. في تلك اللحظة، شعرت وكأن حملاً ثقيلاً من الرصاص قد نُزع عن كاهلي. شعرت بخفة غريبة، وبأن كل أسئلتي القلقة قد وجدت أجوبتها في هاتين الجملتين. لقد أصبحت مسلماً في تلك الليلة، داخل ورشتي التي شهدت سنوات حيرتي وتيهي.
تغيير “باتريس” لم يكن مجرد تغيير اسم أو كلمات. لقد بدأ التحول من سلوكي اليومي. أول شيء فعلته هو تنظيف ورشتي من كل ما لا يليق بإيماني الجديد. خصصت مكاناً صغيراً ونظيفاً في الزاوية، فرشت فيه قطعة قماش طاهرة، لتكون مصلاي الدائم.
بيئتي الاجتماعية في “كوتونو” شعرت بالفرق. لم أعد الشخص الذي يغضب بسرعة إذا تأخر الزبون، ولم أعد أرتاد تلك الحفلات الصاخبة التي كانت تستنزف طاقتي ومالي. أصبحتُ أستيقظ لصلاة الفجر، أبدأ يومي بذكر الله، ثم أشرع في عملي ببركة لم أعهدها. زبائني لاحظوا أنني صرت أكثر أمانة؛ فإذا كان هناك عيب بسيط في القماش، أخبرهم به فوراً ولا أخفيه كما كنت أفعل سابقاً.
أهلي وجيراني في البداية استغربوا، بعضهم سخر مني، لكن هدوئي وثباتي جعلهم يحترمون خياري. أدركتُ أن الإسلام جعلني “خياطاً” أفضل، وإنساناً أرقى. لم تعد حياتي فوضوية؛ فمواعيد الصلاة الخمسة نظمت وقتي، والقرآن الذي بدأت أتعلم قراءته نظم تفكيري.
أنا اليوم، بفضل ذلك المنشور العابر من “مشروع بصيرة”، لم أعد أبحث عن السعادة في الهروب، بل وجدتها في الاستسلام لله. كلما أمسكتُ بإبرتي الآن، أتذكر أن لكل شيء تقديراً، وأن الله الذي هداني من فوق سبع سماوات، هو وحده المستحق للعبادة. لقد خيطتُ أخيراً ثوب يقيني، وهو ثوب لن يبلى أبداً.
أسأل الله أن يعينني على تعلم تعاليم الإسلام وحفظ كتابه الكريم.
اللهم آمين.





