
أبو بكر.. الصاحب الأعظم!
ديسمبر 2, 2025
الاحتلال يواصل عدوانه على مرابطي قباطية بالضفة لليوم الثالث
ديسمبر 3, 2025د. محمد الصغير
رئيس الهيئة العالمية لأنصار النبي ﷺ
من سُنن الله الجارية في مخلوقاته تفضيل بعضها على بعض، حتى في صفوة الخلق قال الله تعالى: ﴿ تِلۡكَ ٱلرُّسُلُ فَضَّلۡنَا بَعۡضَهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضࣲۘ﴾ [البقرة: 253]، وهذا التفضيل هو بيان مكانة وتحديد منزلة، وليس من باب الانتقاص أو التقليل من الآخرين، وفي هذا الإطار وضع شراح الحديث قول النبي الأكرم ﷺ: “أنا سيد ولد آدم ولا فخر”.
وذكر القرآن الكريم درجات من الفضل تأتي بعد درجة النبوة، ﴿وَمَن یُطِعِ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ فَأُو۟لَـٰۤىِٕكَ مَعَ ٱلَّذِینَ أَنۡعَمَ ٱللَّهُ عَلَیۡهِم مِّنَ ٱلنَّبِیِّـۧنَ وَٱلصِّدِّیقِینَ وَٱلشُّهَدَاۤءِ وَٱلصَّـٰلِحِینَۚ وَحَسُنَ أُو۟لَـٰۤىِٕكَ رَفِیقࣰا﴾ [النساء: ٦٩]. ومن المجمع عليه سلفاً وخلفاً أن درجة الصدّيقية في هذه الأمة، أول من تقلدها وعُرف بها هو صاحب النبي الأول وخلفيته الأوحد، الذي إذا أطلق وصف الصديقية لا ينصرف إلا إليه: ﴿وَٱلَّذِی جَاۤءَ بِٱلصِّدۡقِ وَصَدَّقَ بِهِۦۤ أُو۟لَـٰۤىِٕكَ هُمُ ٱلۡمُتَّقُونَ﴾ [الزمر: 33].
وخلصت من المعايشة المتأنية لحياة أبي بكر الصديق رضي الله عنه إلى أنه الصاحب المفرد والصاحب المطلق، فمعنى الصحبة يقتضي الاشتراك والخلطة، لكن لم ينفرد بصحبة رسول الله ﷺ وبمكانته عنده كما اتفق لأول رجل آمن به دون سؤال أو تردد، ومنقبة الهجرة وليلة الغار فيهما من الفضل ما تقصر عن بلوغه الآمال: ﴿ ثَانِیَ ٱثۡنَیۡنِ إِذۡ هُمَا فِی ٱلۡغَارِ إِذۡ یَقُولُ لِصَـٰحِبِهِۦ لَا تَحۡزَنۡ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: 40].
فكل الصحابة اشتركوا في فضل الصحبة وحضور المجالس والمشاهد مع رسول الله ﷺ، لكن لم يحصلها منفرداً إلا صهره ووزيره في حياته وخليفته بعد وفاته، كما أنه الصاحب المطلق، فإذا أُطلق لفظ الصحبة فلا ينصرف إلا إليه، وقد نزلت آية الهجرة في سورة التوبة بعد واقعة الغار ببضع سنين، فلما سمعها الناس ما قال أحد: مَن صاحِبه؟ ولا قال أحد منهم لـمّا قال ﷺ “دعوا لي صاحبي”: مَن تقصد من أصحابك يا رسول الله ﷺ؟
وقد أثبت النبي ﷺ له هذا التفرد على إطلاقه، فقال: “ما نفعني مال ما نفعني مال أبي بكر”، وقال ﷺ: “ما لأحد عندنا يدٌ إلا وقد كافأناه بها، ما خلا أبا بكر، فإن له عندنا يداً يكافئه الله بها يوم القيامة”.
وأبو بكر بين الصحابة كسيدنا إبراهيم بين الأنبياء، فما زكى القرآن الكريم أحداً بعد النبيين كما زكى صاحب نبينا الكريم : ﴿وَسَیُجَنَّبُهَا ٱلۡأَتۡقَى﴾ [الليل: ١٧] إلى آخر السورة.
وذكر الإمام الرازي في تفسير قول الله تعالى: ﴿وَلَا یَأۡتَلِ أُو۟لُوا۟ ٱلۡفَضۡلِ مِنكُمۡ وَٱلسَّعَةِ﴾ [النور: 22] أن فيها عشر فضائل لأبي بكر رضي الله عنه.
أبو بكر الخليفة
برزت أفضلية أبي بكر وتأكدت مكانته عندما تولى الخلافة، فثبّت أركان الدولة وحفظ الله به الملة، وقام بالأعمال المؤسسة لدولة الراشدين، واضطلع بالمهام التي لا يَقوى عليه غيره ولا يتحملها سواه، وبدأ ذلك بحسم نبأ وفاة رسول الله ﷺ، ثم مكان دفنه وغسله والصلاة عليه، وتقسيم ميراثه من بعده ﷺ.
ثم اتخاذ أجرأ القرارات في أصعب الأوقات، حيث قرر مباشرة إنفاذ جيش أسامة الذي عقد النبي ﷺ لواءه، وقتال المرتدين ومانعي الزكاة، وحفظ لنا التاريخ تخوف عمر بن الخطاب من هذه الحرب في هذا الظرف، وكيف كان يفكر في تأمين المسلمين وأمن الدولة، ولكن الخليفة كان ينظر إلى حماية العقيدة ووأد الفتنة، وجعل شعاره: “والله لا ينتقص الإسلام وأنا حي”.
حميدتي وعصابته
هذا الدرس العظيم يجعلنا نقف عند أول ما استُخدم في حرب الإسلام وتقويض دولته، وهو نشر الردة والامتناع عن الفريضة، وهو ما يُستخدم الآن تحت مسميات حركات التمرد وجماعات الخوارج عن الدولة وثوابت الأمة، وأجلى ما تظهر فيه هذه الصورة الآن حركة التمرد والبغي التي يقودها حميدتي وعصابته في السودان، حيث انفصل بمن معه عن مؤسسات الدولة، ودخل معها في حرب يقف خلفه فيها كل كاره للإسلام، أو مَن له ثأر عند السودان.
ورأى هؤلاء جميعاً في شغف حميدتي وتطلعه للسلطة فرصة مواتية لإنهاك السودان، وإعادة تقسيمه ونهب خيراته وثرواته، وأكبر دليل على التواطؤ الدولي والدعم الإقليمي أن مليشيا حميدتي هي جماعة متمردة على السلطة بلغة القانون وقواعد العسكرية، وخوارج على الدولة بلغة الشرع والقواعد الفقهية، ومع ذلك يسوون بينه وبين الجيش الرسمي ومجلس السيادة الشرعي، ويتحدثون عن طرفي نزاع، كأنه خلاف على الميراث أو بين اتحاد الملاك في عمارة سكنية !
ولا يتحدث أحد عن جرائم الإبادة الجماعية وحالات الاغتصاب الموثقة دولياً، وموجات النزوح التي شردت أكثر من عشرة ملايين سوداني، وتفوق حميدتي وكتائب المرتزقة على جرائم الاحتلال في غزة، وأصبح ينافس بقوة ليسجل اسمه قبل اسم بشار الأسد في أسوأ صفحات الإجرام، وفي الوقت الذي يشهر فيه الغرب (المتحضر) سيف الوسم بالإرهاب لكل من خالفهم في تغريدة أو مقال، لم نسمع أحداً منهم صنف هذا المجرم الأثيم في قوائم الإرهاب المفتوحة، حتى بعد أن أزكمت الأنوف فضائح الإبادة الجماعية لأهل مدينة الفاشر، واعتراف العصابة نفسها بما أسمته “تجاوزات”.
صرح وزير خارجية أمريكا أنهم تحدثوا إلى الجهة الداعمة لهذا الشلال من الدم، أن تُوقِف دعمها لهؤلاء القتلة، الذين جعلوا من مصطلح (الدعم السريع) اسماً على مسمى، وإلا فمن أين لتاجر الدواب وقاطع الطريق بميزانية هذه الحرب المستعرة منذ أعوام؟!
ومما يعمق الأزمة أن الكل يعرف مَن يقف خلف هذا الدعم السريع ويمدّه بسخاء، حتى وزير خارجية أمريكا العظمى اكتفى بالتلميح عن التصريح، ولم يكن في السابق من يشير بصراحة إلى الفاعل الحقيقي إلا مندوب السودان في الأمم المتحدة، والفريق ياسر العطا مساعد القائد العام، ولكن بعد جرائم الفاشر أصبحت الفضيحة “على عينك يا تاجر”، وانطلقت الألسنة على المنابر، ورأينا قنوت الأئمة السودانيين على “الدعامة” وداعميهم بصراحة وبلا مواربة.
ومن المضحكات المبكيات أن تُناقش حرب السودان في إطار رباعية، هم إلى الجلاد أقرب وليس فيهم مَن يمثل الضحية! وبالنظر إلى أضلاع المربع تستطيع أن تتفهم وجود أمريكا القوة العظمى وشرطي العالم بلا منازع، ومَن تملِك قرارات وقف الحرب لا سيما في عهد ترامب، والضلع الثاني: مصر الشقيقة الكبرى دولة الجوار وشركاء النيل والتاريخ والجغرافيا، والضلع الثالث: السعودية مهبط الوحي وفيها قبلة المسلمين، صاحبة المكانة الدينية والإقليمية، أما الضلع الرابع: فبحثت عن أي مسوغ لوجوده أو مشاركته، فما وجدت غير أنه صاحب الدعم السريع وولي أمره، والعضو المنتدب من قبل المستثمرين في حميدتي وعصابته.
المشهد الحالي في السودان يؤكد أن الدول العربية لا تملك قرارها، وأنها تتحرك في حدود المساحة الممنوحة لها فقط، وإلا فهل سمعتم عن أي تحرك عربي لإنقاذ أشقائهم من آلة الحرب والدمار وشبح التقسيم؟ وإن تحججوا بضعفهم أمام ترسانة المحتل النووية في فلسطين والدعم الغربي منقطع النظير، فأي شيء يمنعهم عن عون السودان الجريح؟
إن العالم لا يحترم إلا القوي.. ولن يأسف أحد على حميدتي إذا قضت على تمرده الدولة السودانية وكتائبها الشعبية المجاهدة، فعليهم الاستمرار في حرب الردة على منهج صدّيق هذه الأمة، فلا يوجد في العرب مَن يتسمَّى باسمه وكنيته كما يفعل أهل السودان الفريد، ويظهر هذا في أشعارهم ومدائحهم:
رضي الله عن ** أصحاب نبينا الأُوَلِي
صِدِيق وعمر ** عثمان وثمَّ علي




