
قيام إِسْـرَائِيلَ ونهايتها فِـي الْـقُرْآنِ الكريم
أبريل 5, 2026
في العلاقة مع إيران
أبريل 6, 2026أحمد هاني
كاتب وطالب بكلية الطب
تنويه
في عالم الحكم والسياسة، وهو العالم الذي تتحدد به مصائر شعوب وأقوام، وتُحفظ -أو تضيع- به دماء وأعراض وأموال.. يكاد المرء فيه لا يستطيع التفريق بين “الغفلة” وبين “الخيانة”. وقد رأينا جميعاً -منذ عقد وأكثر- أن نكبات بلادنا شارك فيها المخلص “المغفل” والخائن العميل.
ولكن في بعض الأحيان قد تتحول “الغفلة” إلى “خيانة”، بل وإلى خيانة عظمى، إذا كانت مقترنة -فيما أحصيت- بأمرين:
الأول: أن يكون ذلك الطريق قد سلكه من قبل “المغفلون الأوائل” واتضحت بعد ذلك عاقبته وبانت مصائبه التي جرها على الأمة. “كبعض” الذين انقلبوا على عبد الحميد الثاني -رحمه الله- أو الذين “ثاروا “ ضد الدولة العثمانية وشاركوا في “الثورة العربية الكبرى”. أو كالسلاطين العثمانيين الذين اتخذوا التغريب منهجاً لتجديد الخلافة العثمانية.
والثاني: أن تكون تلك الجماعة، أو تلك الحركة. قد حرصت على تلميع تاريخها وتنقيته من كل خطأ، وتنزيهه عن كل عيب. فنتج عن ذلك عمى تاريخي، أدى إلى تكرار نفس أخطاء الماضي حرفاً بحرف. وأدى إلى هلاك الحرث والنسل، ووقوع نفس النكبات بنفس السيناريوهات.
فها هنا لا تصبح هذه مجرد “غفلة” بل خيانة للأمة. بسبب عدم استقراء التاريخ والاعتبار من الأخطاء أو تزوير التاريخ ليبدو ملائكياً نضالياً -بدون أي أخطاء- وقد قال عليه الصلاة والسلام: “لا يُلدغ مؤمن من جُحر مرتين”.
إننا وإن عذرنا بعض “الأوائل“ الذين سلكوا طرقاً بان خطأها ووضح فشلها، وجعلناهم من عظماء الإسلام وترحمنا عليهم؛ فلا ينبغي أن يكون هذا تسويغاً لسلوك نفس هذه الطرق وإعادة نفس هذه التجارب. فليس الإعذار كالإقرار. و”المجنون هو من يكرر نفس التجربة بنفس الأدوات ويتوقع نتائج مختلفة”.
إن مسألة “الإعذار“ قد توسع فيها الكثيرون اليوم، ووضعوها في غير مواضعها، على أناس كرروا نفس الخطأ ودخلوا “جحر الضب” بإرادتهم (بسبب تأصيلات شرعية فاسدة أو نفوس ضعيفة خائفة)، على الرغم أن الكثير من ذوي البصائر بُحت أصواتهم في سبيل إعادتهم إلى رشدهم، وحذرتهم من الذئاب والثعالب. وحثتهم على أن “يدركوا اللحظة الفارقة”. فما استمعوا ولا أنصتوا وظلوا في غيهم يعمهون. ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئاً. فهؤلاء -والله- لا عذر لهم، لأنهم أسقطوا الشعوب والبلاد في مستنقع الاستبداد والاستعباد مرة أخرى. وضيعوا على الأمة فرصاً ذهبية لا تعوض ولا تكرر في أن تتحرر وأن تكون صاحبة قرار. فالله المستعان وإليه يرجع الأمر كله، بيده الخير وهو على كل شيء قدير.
أزمة التيار الإصلاحي
يروي الإمام حسن البنا في مذكراته قائلاً:
“وأذكر أن كان من أثر هذه الجمعية في نفوس أعضائها الناشئين أنني مررت ذات يوم على شاطئ نهر النيل، حيث يشتغل عدد كبير من العمال في بناء السفن الشراعية، وهي صناعة كانت منتشرة في محمودية البحيرة، فلاحظت أن أحد أصحاب هذه السفن المنشأة قد علّق في ساريتها تمثالاً خشبيًا عاريًا على صورة تتنافى مع الآداب، وبخاصة وأن هذا الجزء من الشاطئ يتردد عليه السيدات والفتيات يستقين منه الماء، فآلمني ما رأيت، وذهبت فورًا إلى ضابط النقطة -ولم تكن المحمودية قد صارت مركزًا إداريًا بعد- وقصصت عليه القصص، مستنكرًا هذا المنظر. وقد أكبر الرجل هذه الغيرة، وقام معي من فوره، حيث هدّد صاحب السفينة وأمره أن ينزل هذا التمثال في الحال، وقد كان، ولم يكتفِ بذلك، بل إنه حضر صباح اليوم التالي إلى المدرسة، وأخبر الناظر الخبر في إعجاب وسرور.”
نستطيع أن نحدد فترة هذه الحادثة ما بين الأعوام (١٩١٨ – ١٩٢٠) أي قبل مائة عام وأكثر من الآن. ونرى فيها كيف أن وضع “تمثال خشبي عاري“ شيئاً يتنافى مع الدين والآداب. ونرى فيها كيف أن “إنكار المنكر“ كان شيئاً عظيماً يثاب عليه الفتى.
واليوم أصبحت هذه التماثيل الخشبية العارية منتشرة في محلات الملابس (في القرى والمدن بلا استثناء) و(بصورة تتنافى مع آداب سنة ١٩١٨). ولم تعد مستنكرة أبداً، ويراها الرجال والنساء والأطفال فلا يتألمون كما تألم البنّا.
وأصبح “إنكار المنكر“ -وبعد مئة عام وأكثر- من الأشياء المستنكرة والقبيحة في الذهن العام وتدخلاً في الحياة الشخصية. وتشدداً وتطرفاً وإرهاباً!
وها هنا -ومن خلال هذه الفقرة الصغيرة- تتبين أزمة التيار الإصلاحي. ذلك التيار الذي نستطيع التماس بدايته عند الافتراق الذي حدث بين جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده -رحمهما الله- إذ قال محمد عبده:
“عرضت عليه حين كنا في باريس أن نترك السياسة ونذهب إلى مكان بعيد عن مراقبة الحكومات، ونعلِّم ونربي مَن نختار من التلاميذ على مَشْرَبنا، فلا تمضي عشر سنين إلا ويكون عندنا عدد من التلاميذ الذين يتبعونا في ترك أوطانهم، والسير في الأرض لنشر الإصلاح المطلوب، فينتشر أحسن الانتشار”.
فردّ عليه جمال الدين بقوله: “إنما أنت مثبط”.
وهنا نلاحظ بداية الانقسام في الحركة الإسلامية بين “التيار الذي يرى الإصلاح في السلطة”، و“التيار الذي يرى الإصلاح في المجتمع”. واصطُلح على الثانية بتعبير “المدرسة الإصلاحية”.
وهذه المدرسة الإصلاحية (بجميع الطوائف داخلها) شعارها هو: الانشغال بالعلم والتربية والانتشار في المجتمع وهذا المجتمع حينما يصلح سيخرج سلطة صالحة. رايتها مخطوط عليها: “كما تكونوا يُولَّى عليكم“. ودستورها: “لعن الله ساس يسوس”!
وقد تبين فشل هذا الخط الإصلاحي على مدار المائة عام الماضية (ولا داعي للتوضيح بأن الفشل إنما هو الفشل في تحقيق النتيجة المرجوة والهدف المنشود، مع وجود نجاحات جزئية في مسيرتها التاريخية) . ويتمثل هذا الفشل في نوعين:
النوع الأول: أن المدرسة الإصلاحية التي تفرغت للمجتمع وتربيته. لم تستطع أن تحافظ على أخلاق وقيم المجتمع الذي استلمته منذ مائة عام. بل على العكس انحدرت القيم والأخلاق يوماً بعد يوم. وتغيرت العادات والتقاليد وانتشر الفساد والانحلال، وكل ذلك لأن “السلطة“ كانت قادرة بقوتها وقدرتها على فرض كل هذا على المجتمع بقوة السلطة (النفسية) وقوة التعليم والإعلام والبطش. وقد رأينا في الفقرة التي ذكرناها آنفاً من مذكرات البنا مدى التباين بين مجتمع ١٩١٨ ومجتمع هذا اليوم!
(وسائر العوامل التي قد يذكرها المنتقدون لكلامي من وجود استعمار، وغلبة ثقافية وعسكرية للغرب إلى غير ذلك، إنما هو داخل في العامل الذي سنتحدث عنه فيما بعد: أن السلطة سلطة فاسدة تحارب الإسلام)!
النوع الثاني: أن المدرسة الإصلاحية التي “لعنت ساس يسوس”، لم تتركها السلطة في شأنها تدعو وتربي وتزكي المجتمع. بل كانت دائماً إما أن تستخدمها كجماعة وظيفية للقضاء على الخصوم السياسيين الثوريين. ثم بعد ذلك تقوم بضربها وإيداعها في مكانها الطبيعي: المعتقلات والقبور. وكان ألينهم عريكة يتبع معها سياسة جذ العشب!
فانظر معي.. لم تستطع المدرسة الإصلاحية تحقيق هدفها الذي أعلنته وهو الإصلاح المجتمعي لإخراج سلطة صالحة. وفي نفس الوقت لم تستطع حماية نفسها من بطش هذه السلطة، فكانت دائماً تحت وطأة الظلم والطغيان. ولم تسلم من التعذيب والتنكيل الذي حل بإخوانهم “السياسيين”!
لسان حالها يذكرني بقول الشاعر:
وما كل من قال قولا وفى ** ولا كل من سيم خسفا أبى!
فما هو الحل؟
إن الحل الوحيد والفعال لتحرير الأمة وإعادة استئناف الحياة الإسلامية هو في التمكن من السلطة والحكم. هذا هو الحل الوحيد الأكيد وسائر ما عدا ذلك من مسارات وطرق ثبت فشلها بالتجربة -أو بالأحرى بالتجارب- وثبت بطلانها عند العقلاء الأوائل قبل أن يتم المسير فيها أصلاً. سائر المسارات التي لا تريد -أو لا تتطلع- للوصول إلى السلطة هي نوع من الهروب من المسئولية وحب السلامة.
حب السلامة يثني عزم صاحبه ** عن المعالي ويغري المرء بالكسل
فإن جنحت إليها فاتخذ نفقاً في ** الأرض أو سلماً في السما فاعتزل
السلطة -وخصوصاً في عصر الدولة المركزية الحديثة- هي أقوى وسائل الإصلاح وأقوى وسائل الإفساد. وتمتلك من الوسائل والقوى ما يجعلها تستطيع تشكيل المجتمع كيفما تريد -رغباً أو رهباً- وحتى إن قاوم هذا المجتمع فإنه سيظل يخسر في هذه الحرب -ولكن بمعدل بطيء- وقد ذكرنا آنفاً مسار التحول في المجتمع المصري على مدار مائة عام من الإفساد.
وإن امتلاك السلطة لمهمتي التعليم والإعلام فقط، لشئ مثير للرعب والفزع. فهي قادرة على تكوين الأجيال في المدارس كما تريد ووفق تصوراتها. وقادرة على مسخ الوعي الجمعي بواسطة وسائل الإعلام كما تريد أيضاً ووفق تصوراتها. وما تكرر تقرر!
وما أقوله ليس مجرد رأي شخصي، بل هو حقيقة تاريخية شرعية. “فالناس على دين ملوكهم”وليس “كما تكونوا يولى عليكم”. فحديث: كما تكونوا يولى عليكم. رواه الديلمي في مسند الفردوس عن أبي بكرة، ورواه البيهقي عن أبي إسحاق السبيعي مرسلاً. وقد ضعفه غير واحد من أهل العلم، منهم من المتقدمين الحافظ ابن حجر العسقلاني -رحمه الله- ومن المتأخرين الشيخ الألباني -رحمه الله- فقد جمع طرقه في سلسلة الأحاديث الضعيفة (1/490)، وحكم عليه بالضعف، ثم قال: “والواقع يكذبه، فإن التاريخ حدثنًا عن تولي حكام أخيار بعد حكام أشرار والشعب هو هو.”
ورُوي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قوله لزياد بن حدير: أتعرف ما يهدم الدين؟! فقال زياد: لا. فقال: “زلة عالم، وجدال المنافق بالكتاب، وحكم الأئمة المضلين”.
وعن عثمان بن عفان رضي الله عنه قوله: “إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن”.
وعن قيس بن أبي حازم قال: دخل أبو بكر على امرأة من أحمس يقال لها زينب، فرآها لا تكلم فقال: “ما لها لا تكلم”؟ قالوا: حجت مصمتة. قال لها: “تكلمي فإن هذا لا يحل، هذا من عمل الجاهلية”، فتكلمت فقالت: من أنت؟ قال: “امرؤ من المهاجرين”. قالت: أي المهاجرين؟ قال: “من قريش”. قالت: من أي قريش أنت؟ قال: “إنك لسئول أنا أبو بكر”. قالت: ما بقاؤنا على هذا الأمر الصالح الذي جاء الله به بعد الجاهلية؟! قال: “بقاؤكم عليه ما استقامت بكم أئمتكم”.
ورُوي عن حجة الإسلام أبي حامد الغزالي قوله: “الدين أصل والمُلك حارس، فما لا أصل له فمهدوم. وما لا حارس له فضائع”.
ولو أن الإسلام مجرد دعوة لا دعوة ودولة، ومجرد عصا تربية لا عصا تربية وسيف جهاد. لما دخل الرسول ﷺ المدينة حاكماً. ولكان دخلها كـ“لاجئ سياسي”! يدعو إلى دينه وسط الأنصار بينما تستمر مراسم تسليم الحكم لعبد الله بن أبي بن سلول!
ولقد فهم العرب دعوة الإسلام منذ اللحظة الأولى وعلموا أنها دعوة لابد أن تتولى الحكم والسلطة. وروي عن غير واحد من العرب قوله لرسول الله ﷺ: “إن ما جئت به يا أخا العرب مما تكرهه الملوك”. والملوك لا تكره إلا من ينازعها في سلطانها!
وروي عن عتبة بن ربيعة قوله لقريش: “خلوا بين هذا الرجل وما هو فيه. فإن تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم، وإن يظهر على العرب فعزه عزكم ومُلكه مُلككم وكنتم أسعد الناس به”. فانظر وتأمل كيف عرف عتبة أنه سيكون “قتال“ وأنه سيكون “مُلك”.
ومن المؤسف أن أغلب المسلمين اليوم ومنهم دعاة ومشايخ لا يدركون -أو بالأحرى لا يريدون ذلك- أن الإسلام هو نظام وليس مجرد دين.
بينما كنا نلعن ساس يسوس، كانت الإرساليات التنصيرية تخترق القرى المصرية بقوة السلطة، وتحت حراسة السلطة. وبينما كنا نلعن ساس يسوس، كانت الاتحادات الاشتراكية تقتحم القرى المصرية وتبشر بالشيوعية وتقنع الناس أن “الدين أفيون الشعوب”! حتى انتشر التبرج والسفور في القرى التي كانت إلى وقت قريب من ذلك العهد منبع العلم والعلماء! وقد حدثني أحد أصدقائي عن جده قال: “منذ ٦٠ سنة كان لا يصلي في مسجد قريتنا إلا شخص واحد، هو من يؤذن للصلاة ثم يقيمها ثم يصلي منفرداً. وكان رجال القرية في غدوه ورواحه للمسجد يسخرون منه ومن (دروشته)”.
إن لعن ساس يسوس لن يغير شيئاً في واقع الأمة، بل إنه يسلم الأمة إلى أعدائها. ومهما قاومت الأمة بدعاتها ومربيها فسيبقى تأثير السلطة أقوى وأعلى وستكون اليد العليا في التغيير لها.
الحل ليس: لعن ساس يسوس، بل الحل هو: ساس يسوس!





