
العدد الخامس والأربعون
فبراير 1, 2026
الاحتلال يعقّد إجراءات عبور العائدين إلى غزة من معبر رفح
فبراير 2, 2026بقلم: د. محمد الصغير
من الركائز الأساسية التي قامت عليها الدعوة الإسلامية من بدايتها الأولى نبذ العصبية، قال رسول الله ﷺ: “ليسَ منَّا من دعا إلى عصبيَّةٍ، وليس منَّا من قاتلَ على عصبيَّةٍ، وليس منَّا من ماتَ على عصبيَّةٍ”، وقال ﷺ: “مَن قُتِلَ تحتَ رَايَةٍ عِمِّيَّةٍ، يَغْضَبُ لِعَصَبَةٍ، أَوْ يَدْعُو إلى عَصَبَةٍ، أَوْ يَنْصُرُ عَصَبَةً، فَقِتْلَةٌ جَاهِلِيَّةٌ”. وقال ﷺ: “دعوها فإنها منتنة”.
وجعل ﷺ العصبية من معاني الجاهلية وآثارها، فعندما عيّر الصحابي الجليل أبو ذر الغفاري أخاه بلال بن رباح بلون أمه، قال له رسول الله ﷺ: “إنك امرؤ فيك جاهلية”.
ولعل من الإشارات القدرية أن تكون حاضنة النبي ﷺ الأولى امرأة حبشية هي السيدة أم أيمن رضي الله عنها، وظهر التنوع في حملة الدعوة من لحظاتها الأولى، فكما أحرز السبق أبو بكر القرشي، رافقه في الفضل بلال الحبشي، مما جعل عمر بن الخطاب رضي الله عنهم يقول: “أبو بكر سيدُنا، وأعتق سيدَنا!”
بل نقض رسول الله ﷺ بنيان العنصرية النسبية من أساسه، عندما قال: “سلمان منا آل البيت”، فجعل الفارسي الوافد إليه بحثاً عن الحقيقة، من آله وخاصته.
وكما نال شرف صحبة النبي ﷺ بلال الحبشي وسلمان الفارسي، كذلك حصلها ميمون الكردي رضي الله عنهم، وقد ذكره غير واحد من العلماء مثل ابن الأثير:” أبو ميمون، يقال اسمه جابان، سمع النبي ﷺ غير مرة، روى حديثه أبو خالد، عن ميمون بن جابان، عن أبيه”. وقال:” ميمون الكردي عن أبيه، قيل: اسمه جابان، أنه سمع النبي ﷺ يقول…” ثم ساق حديثاً .
وكذلك أبو نعيم رحمه الله:” مَيْمُونٌ الْكُرْدِيُّ، عَنْ أَبِيهِ وَقِيلَ: اسْمُهُ جَابَانُ “.
وكل من له اطلاع على تاريخ الأمم والشعوب، يعلم أن الكُرد أو الأكراد اسم جنس، كالعرب والفُرس، يطلق على خلق كثير، ولا يُحكم على الشعوب أو الأمم بحكم واحد، فإننا في الوقت الذي نقول فيه سيدنا بلال الحبشي، نقرأ ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ القرشي، وإن كان من شيء يميّز الأكراد عن غيرهم، فهو تحولهم جميعاً إلى الإسلام واعتناقهم له، إلا من فئات قليلة تفرقت على الملل والنِحل الأخرى، والنظر إلى الكتلة العامة في هذا الشعب المسلم، هي النظرة نفسها إلى غيره من الأمم والشعوب، فيهم البَر والفاجر والصالح والطالح.
ولكن الذي جعلني أضع هذه القضية الآن بين أيديكم، هو اشتعال الحرب بين الدولة السورية، وقوات (سوريا الديمقراطية) المعروفة بـ(قسد)، وخلاصة الأمر أن مجموعات قسد خلال فترة الثورة السورية، سيطرت على ثلث مساحة سوريا، واحتلت أماكن استراتيجية مهمة، مثل الرقة والحسكة ودير الزور، وأحياء في مدينة حلب مثل الشيخ مقصود والأشرفية، ومن الطبيعي أن تسعى الدولة لاستعادة وحدة التراب السوري، والقضاء على مشاريع الانفصال، والقضية هنا لا علاقة لها بعرقية (قسد) وإنما بجريمتها، ولو كانت (داعش) مكانها لوقع عليها الفعل نفسه.
وضربتُ المثل هنا بداعش تحديداً، لأبين أن التطرف والغلو موجود في كل الأجناس والأعراق، وأن المسلم الواعي لا يفرق بين قسد وداعش، فكلاهما خطر فاحش، وعلى حافة الطرف المقابل بعيداً عن وسطية الإسلام، فإن كانت داعش قامت على التكفير والاستحلال -واخترقتها كل مخابرات الأرض- فإن قسد قامت على الشيوعية والانحلال، وتحالفت سياسياً مع كل عدو للإسلام، وشاهدنا جرائمهم في تركيا في السنوات الماضية رأي عين، فهم نسخة واحدة من (حزب العمال الكردستاني) صاحب التاريخ الإجرامي، فإذا كان الدواعش لا يمثلون العرب المسلمين، فكذلك قسد لا تمثل المسلمين الكرد.
بل إن فقهاء الأكراد هم أكثر من رأيت تحذيراً من خطر هذه التنظيمات الإرهابية، وسعياً بكل وسيلة إلى كبح جماحها وتحجيم أخطارها، وما جهود (اتحاد العلماء والمدارس) في تركيا عنا ببعيد، وقد رأينا تحالفهم في الانتخابات الأخيرة مع حزب (العدالة والتنمية) الحاكم، ومواقف نوابهم في البرلمان من القضايا الإسلامية مواقف مشرفة ومتقدمة، لا سيما قضية القدس وفلسطين.
وأعود محذراً من خطورة التعميم، فالقاعدة تقول: “كل تعميم خطأ”. لأن البعض مع كشف المستور في الثغور التي كانت تسيطر عليها قسد، وظهور الأطفال والنساء في سجونها، بما أعاد للذاكرة مسالخ (صيدنايا) وسجون (الأسد)، جعلهم يخلطون بين هذه المليشيات العنصرية الشيوعية، وبين الشعب الكردي الذي هو مكون أساسي من مكونات الأمة السورية، فوقع جرّاء ذلك غَبْن على إخواننا الأكراد جراء هذا التعميم، كذلك عموم الشعب الكردي الذين يسكنون هذه المناطق، لماذا نحسبهم على فئة المجرمين ونحن أولى بإخواننا منهم؟! وهم جزء من ضحايا هذه العصابة المجرمة، وعلينا أن نستنقذهم ونمد يد العون لهم .
إن ما ظهر من التؤدة والأناة من الإدارة السورية الجديدة، وما صدر عن الحكومة من تطمينات وبيانات، تؤكد على حقوق متساوية لكل أبناء سوريا، يبشر بالخير والأمان الذي سينعم به الجميع في سوريا الموحدة، تحت راية الحقوق المتساوية لكل مواطنيها.
ولا يفوتني تذكير الأمة بحق الوفاء لمحرر بيت المقدس الناصر صلاح الدين الأيوبي، الذي خلص المسجد الأقصى من براثن الصليبيين، وما زالت الأمة تتنظر قائداً مثله يحرره من احتلال اليهود الغاصبين، فإن لأحفاد صلاح الدين في رقابنا مِنة، ونسأل الله أن يخرج منا ومنهم مَن يعيد أمجاد الأمة، في التحرير كصلاح الدين، وفي التنوير كابن الصلاح شيخ الإسلام الشهرزوري الموصلي، والإمام الحافظ زين الدين العراقي، والإمام الفقيه النحوي ابن الحاجب، وغيرهم من نجوم الأمة الذين أطلوا عليها من سماء الكرد.
ومن بركات الكتابة في هذا الشأن، أني وقعت قبيل كتابة المقال على رسالة تخصص “ماجستير” تقارن بين يوسف بن تاشفين وصلاح الدين الأيوبي.. دراسة تاريخية مقارنة في المنهج والأحداث والآثار، قُدمت من الباحث إسماعيل محمد رفعت إلى قسم التاريخ الإسلامي في كلية دار العلوم جامعة المنيا- مصر، وطالعت فيها من مناقب الناصر صلاح الدين ما ينبغي الوقوف عنده، بل واستماع الإنسانية جميعاً إليه، فتخيرت لكم هذه النقاط :
- معاملة “السلطان صلاح الدين” للعدو بالكرم عند ضعفه: أنه لما اشتد المرض بملك الإنكليز “ريتشارد”، بعث إلى السلطان يطلب فاكهة وثلجاً، فأمده بذلك، فضلاً وكرماً! و“ريتشارد” عدوه الذي كان يناصبه العداء، ويتحين الفرص للقضاء عليه !
- برغم شدة الحروب التي خاضها لم يهمِل “السلطان صلاح الدين” غرس الإنسانية في نفوس أبنائه، فلم يكن يسمح لأولاده برؤية مناظر الدم، وقال: “لا أريدهم أن يعتادوا سفك الدماء في حقدهم أو يسروا بالقتل”.
- تضرع نساء الفرنجة إلى السلطان صلاح الدين ألا يستعبد رجالهن يوم فتح القدس، فرقّ لهنّ وعفا عن رجالهن جميعاً، فبكت النساء فرحاً، وبكى صلاح الدين إشفاقاً، وكانت المواقف الإنسانية تهز أعماق قلبه الكبير، وكان يعامل أسراه بكرم، وأطلق سراحهم وقدم لهم بعض الهدايا، أما الجرحى فكانوا مدينين له بالعناية بهم!
- لما حاصر السلطان صلاح الدين حلب أخرجوا إليه ابنةً صغيرة لسيده “نور الدين محمود” فطلبت منه القلعة التي كاد يهلك في أثناء فتحها، فأجابها إلى ذلك، وترك لهم حلب ونزل لهم عن إعزاز إكراماً لابنة نور الدين، وأضاف هدايا ذات قيمة مراعاة لذكرى أبيها !
- كان إذا لقي صديقاً فرح حتى يبكي من شدة العاطفة !
- رغم اشتغاله رحمه اللَّه بالجهاد، لم تكن العسكرية طاغية على سلوكه، بل كان متحلياً بخلال كريمة، رُوي أنه وقف بين يديه أسير إفرنجي فهابه، وظهر عليه الخوف والجزع، فقال له الترجمان: “من أي شيء تخاف؟” فأجرى الله على لسانه أن قال: “كنت أخاف قبل أن أرى هذا الوجه، فبعد حضوري بين يديه، أيقنت أني ما أرى إلا الخير”. فرقّ له، ومَنّ عليه وأطلقه.
- كان يذهب إلى الإسكندرية مصطحبًا معه ولديه علي وعثمان لحضور مجلس الحافظ السِلفي، وكان من عادته في مجلسه أن يكون حَافلاً بأهل العلم يتذاكرون، وهو يحسن الاستماع إليهم ومشاركتهم، ويأتي بكل معنى بديع، وكان يحبّ سماع القرآن العظيم، ويؤثر سماع الحديث بالأسانيد ويواظب على سماعه، حتى إنه في بعض المصافات مع العدو سمع جزءاً، وهو بين الصفين، ويفخر بذلك فهذا موقف لم يسمع أحد في مثله حديثا، وكان ذلك بإشارة “العماد الكاتب”.
- كان رحمه اللَّه زاهدًا لم يُخلف أموالًا ولا أملاكًا لجوده وكرمه وإحسانه إلى أمرائه وحتى إلى أعدائه، مات وليس له دار، ولم ينَم تحت سقف يملكه !
- كان “السلطان صلاح الدين” متقللًا في ملبسه، ومأكله، ومركبه، متقشفاً لا يلبس إلا الكتان والقطن والصوف، ولا يعرف أنه تخطى مكروهاً بعد أن أنعم الله عليه بالمُلك.
- كان مواظباً على الصلوات في أوقاتها في الجماعة؛ لم تفُته صلاة الجماعة قبل وفاته بدهر طويل، حتى ولا في مرض موته، كان يدخل الإمام فيصلي به، وكان يتجشم القيام مع ضعفه.
- مات رحمه الله وله سبعة عشر ولداً ذكراً وابنة صغيرة، وليس في خزائنه الخاصة إلا (47 درهم) وديناراً وَاحِدًا هي كل تركته، لم يخلف مُلكاً وَلَا عقاراً ولا حتى داراُ !
- كان سريع الدمعة عند سماع القرآن الكريم والحديث الشريف، وكان مع ذلك ضحوك الوجه كثير البشر، لا يتضجر من خير يفعله، شديد المصابرة على الخيرات والطاعات.
- مات ولم يكن في خزانته الشخصية ما يكفي لجنازته، فكفنه صديقه القاضي الفاضل من ماله الخاص، وتولى أيضا غسله هو وخطيب دمشق !
- لم ينعم السلطان صلاح الدين بالدولة التي أسسها، فقضى عمره في جهاد مستمر، متنقلاً على صهوة جواده من مصر إلى الشام إلى الموصل، ثم يكر راجعاً، في حل وترحال وتنقل مستمر، وكان في انشغال تام بتحرير القدس قضية المسلمين الأولى.
- تقوست رِجلا السلطان صلاح الدين من مداومة ركوب الخيل، فلم يكن يحسن الترجل، ويكاد لم يُرَ إلا راكباً !
- بينما ظل العالم المسيحي يعترف بشهامة السلطان صلاح الدين، تشفى الجنرال البريطاني دموند هنري أللنبي الذي قاد الاستيلاء على فلسطين وسوريا عامي 1917 و1918م؛ فلما وصل لقبر السلطان الناصر ركل القبر وقال: “ها قد عدنا يا صلاح الدين” !
- على العكس فعل يلهلم الثاني إمبراطور ألمانيا الذي زار دمشق، فتوجه إلى مدفن صلاح الدين وصنعت زوجه الإمبراطورة إكليلاً من الزهر وضعاه على قبره، كتب عليه: “ملك بلا خوف ولا ملامة، علم خصومه الفروسية الحقيقية”، ومكث عنده برهة واقفاً ثم قال: “إنه كان الآية الكبرى في الشهامة والعدل والكرم”. وألقى الإمبراطور خطبة ذكر فيها أن من دواعي سروره وجوده في بلد عاش فيها من كان أعظم رجال عصره شجاعة وبسالة، وقدوة في الشهامة وهو السلطان صلاح الدين.





