
معاني رمضان بأقلام المستشرقين
فبراير 13, 2026
وجدت الطريق!
فبراير 23, 2026روم لاندو
المستشرق الإنجليزي الشهير*
وواجبات المسلم الدينية الرئيسية تُدعى في بعض الأحيان ”أركان الإسلام الخمسة”، وهذا الإطار قوامه الإيمان، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت. وهذه الأركان الخمسة هي التي تؤلف شعائر الإسلام بالنسبة إلى المسلم العادي، ومن خلال التزامها يتوقع أن ينأى بنفسه عن مصير الكافرين.
- إعلان الإيمان يسير جداً
”لا إله إلا الله”، ومجرد النطق بهذه العبارة يجعل المرء في نظر الكثرة من المسلمين مسلماً. وفي إمكاننا أن نعزو جانباً كبيراً من قوة الإسلام إلى هذه العقيدة البسيطة، ولكن الحيوية، التي تقطع بضربة واحدة شجرة الوثنية الميتة وتؤكد وحدة الله. وإنما يظهر ما لهذه العبارة من سلطان على المسلم في الطرائق الكثيرة التي يصطنعها بها في حديثه اليومي وعبادته اليومية.
- والركن الثاني من أركان الإسلام هو: الصلاة
إن على المسلم أن يصلي، على الأقل، خمس مرات في اليوم، في ساعات مقررة، مصطنعاً في ذلك صِيغاً لفظية بعينها وأوضاعاً جسمانية بعينها.
وإنما يعلن حلول وقت الصلاة بصوت المؤذن مردداً هذه الكلمات: ”الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله، حي على الصلاة، حي على الفلاح، الله أكبر”. وفي أذان الصبح يضيف المؤذن نصيحة تقول بأن “الصلاة خير من النوم”.
ومهما يتلُ المسلم في صلواته فإنه يستهلها أبداً بالفاتحة -أُولى سور القرآن– التي تقول:
﴿ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَـٰلَمِینَ * ٱلرَّحۡمَـٰنِ ٱلرَّحِیمِ * مَـٰلِكِ یَوۡمِ ٱلدِّینِ * إِیَّاكَ نَعۡبُدُ وَإِیَّاكَ نَسۡتَعِینُ * ٱهۡدِنَا ٱلصِّرَ ٰطَ ٱلۡمُسۡتَقِیمَ * صِرَ ٰطَ ٱلَّذِینَ أَنۡعَمۡتَ عَلَیۡهِمۡ غَیۡرِ ٱلۡمَغۡضُوبِ عَلَیۡهِمۡ وَلَا ٱلضَّاۤلِّینَ﴾.
3- والركن الثالث هو: صوم رمضان
الشهر التاسع من السنة الإسلامية؛ فخلال ساعات النهار من ذلك الشهر يمتنع المسلمون عن الطعام والشراب والتبغ والاتصال الجنسي، وهم يعتبرون أن النهار يبدأ عندما يصبح في إمكان المرء أن يميز الخيط الأبيض من الخيط الأسود، وينتهي عندما يمسي ذلك أمراً متعذراً.
وبسبب أن التقويم الإسلامي القمري ينقل رمضان من فصل إلى فصل فإن المسلمين يصومونه في الصيف أحياناً، وحين يحدث ذلك في البلاد العربية الحارة يصبح الامتناع عن الطعام والشراب خلال ساعات النهار الطويلة امتحاناً حقيقياً للإيمان.
ويبدو أن من أغراض الصوم أن يدرك الغنيّ معنى الجوع، وبذلك يأخذه العطف على الفقير. ثم إن الصوم ولّد ضبطاً ذاتياً عند شعب كان بطبيعته انفعالياً شديد العناد.
4- والحج إلى مكة: رابع أركان الإيمان في الإسلام
مرة في العمر على الأقل، فإذا سمح الزمان بذلك للمسلم اتخذ سبيله إلى المدينة المقدسة في وقت بعينه، حتى إذا اجتمع شمل الحجيج، ارتدوا ثياباً بسيطة غير مخيطة، وأدوا مجموعة من الشعائر الدقيقة طوال بضعة أيام.
والطواف بالكعبة، والسعي بين هضبتين صغيرتين مجاورتين [الصفا والمروة]، والشخوص إلى جبل عرفات الباعد اثني عشر ميلاً، إن هذه كلها تؤلف بعض عناصر الحج. والواقع أن كثيراً من العادات المتصلة باحتفال المسلمين بالحج يشبه في شكله طقوس العرب الدينية قبل الإسلام، ولكن الغرض قد تحول الآن من استرضاء الآلهة إلى عبادة الإله الواحد.
ولقد كان الحج ولا يزال قوة موحِدة في الإسلام؛ إذ يجتمع المسلمون في موسمه من بلدان متناثرة في أطراف الأرض، كالصين وأندونيسيا، وأميركا اللاتينية، لأداء شعيرة دينية مشتركة.
5- وآخر واجبات المسلم التقي التي لا يُقبل منه ما هو أقل منها: إيتاء الزكاة
ذلك بأن محمداً، وهو نفسه كان يتيماً، استشعر الحاجة إلى مدّ يد العون الجماعية إلى الفقير، ومن أجل العناية بأمر المعوز والمعدم شُرعت الزكاة. وكان مقدارها يبلغ عادة اثنين ونصف في المئة من رأس مال الفرد، وكانت في الأصل تُجمع على أيدي جباة رسميين يعودون بدورهم فيشرفون على إنفاقها وتوزيعها. أما في العصور الحديثة فقد أمست الزكاة هبة اختيارية تُعطى بالإضافة إلى أية ضريبة حكومية أخرى.
سبب قوة الإسلام
في هذه الأركان التي شرحنا نقع على سبب رئيسي من أسباب قوة الإسلام.. لقد مزج الإسلام ما بين الإصلاح الأخلاقي والعبادة الدينية، مزجاً ينسجم انسجاماً رائعاً مع أمزجة العرب وحاجاتهم.
وقد كان في مجرد محدودية هذه الالتزامات الدينية ما راق للوثنيين حيثما وجدهم الإسلام. وكان ثمة شيء مُرضٍ إلى أبعد الحدود في إدراك المرء أنه امتثل أوامرَ معتقده. وأياً ما كانت هذه الأوامر عسيرة من الناحية الجسدية، فإن في الإمكان امتثالها. ومن هنا فنادراً ما يكون المسلم عابداً مخيَّب الآمال غير واثق أبداً من أنه قد عمل بموجب أحكام شريعته الدينية الخاصة.
بين المعتقدات الإسلامية والمسيحية
والآن فلنقارن بين المعتقدات الإسلامية الرئيسية والمعتقدات المسيحية الرئيسية. والواقع أن وجوه الشبه التالية لا تحتاج إلى بسط أو تفصيل.
- ففي كلا الدينين إجلال واحترام لأنبياء العهد القديم ولحكاية الخلق التوراتية.
- ولكليهما وجهات نظر متشابهة حول الحياة الأخرى وحتمية حلول يوم الحساب أو الدينونة.
- وفي ما يتصل بالمسيح نجد قدراً مدهشاً من الاتفاق بين الإسلام والنصرانية؛ فالمسلم يشارك المسيحي توكيده على أن المسيح وُلد من أم عذراء، وأنه معصوم عن الخطأ… وأنه اجترح كثيراً من المعجزات وفيها إحياء الموتى، وأنه حي وفي السماء مع الله.
والواقع أن الخلاف الأساسي بين الإسلام والنصرانية ناشئ من:
- مفهومهما لله، فوحدانية الله المطلقة هي الأساس الذي بُني عليه الإسلام، ولكن هذه الوحدة تتخذ في النصرانية شكل التثليث: (الله الأب، والله الابن، والله الروح القدس).
- والإسلام هو وحي من الله في القرآن، ولكن النصرانية هي وحي من الله بواسطة ابنه يسوع المسيح. ومن ثم كان رمز الله الأرضي، عند المسلم، هو القرآن، ولكن الرمز الأساسي عند النصراني هو عناصر القربان المقدس التي تمثل المسيح وموته على الصليب تكفيراً عن خطايا العالم.
- والله عند المسلم هو المهيمن الذي يسيطر على مظاهر الحياة اليومية جميعاً. فالتواصل الاجتماعي، والعلاقات العائلية، والعمل، والسياسة، والأعراف، وعلم حفظ الصحة، وفي الواقع كل مظاهر الحياة خاضعة لسلطان الله. إن الإسلام رسالة اجتماعية تتمتع فيه مصلحة المجتمع الكلية بأهمية رئيسية. فالفرد، بما هو فرد، محجوب دائماً بالمجموع. أما المسيحيون فيشعرون أن الله هو المخلّص، والخلاص الفردي من خلال الإيمان بيسوع المسيح يلعب الدور الأساسي في صلة الله بمخلوقاته. إن التوكيد الأساسي في الإسلام منصب على قدرة الله. ومن هنا يذعن المسلم التقي له تعالى في غير تردد ولا مناقشة، أما في النصرانية فمحبة الله لا قدرته هي موضوع التوكيد. ومن هنا فإن النصراني لا يستشعر أن الإذعان شرط لتحقيق الخلاص. إن الإيمان وارتضاء محبة الله هما عند النصراني المساعدان الضروريان للاتحاد الله به تعالی.
- ولم يكد الإسلام يُولد حتى واكبه النجاح والفتح، في حين واجهت النصرانية عدة قرون من الاضطهاد القاسي. والحق أن التوكيد النصراني التاريخي على الألم وإماتة الجسد يكاد يكون مفقوداً بالكلية في الإسلام كما أراده الرسول. والثنائية المسيحية، ثنائية الجسد والروح، هي في نظر المسلم شيء غير معقول، أو في أحسن الأحوال شيء غير واقعي.
والزواج مثل على اختلاف الرأي بين الدينين في هذا المجال؛ فشعائر الزواج هي عند المسلم شعائر شرعية لا تنطوي على أيما مسحة من القداسة. أما المفهوم النصراني فروحي إلى حد بعيد، إنه صورة أرضية لاتحاد المسيح بكنيسته. ومن هنا فإن سر sacrament الزواج في المسيحية يجعل الاتصال الجنسي عملاً شرعياً ليس غير، أما في الإسلام فالحب وحده يطهر الجنس ويحيطه بهالة قدسية.
- والإسلام في أساسه دين عملي؛ فالقواعد والأنظمة التي ينصّ عليها القرآن ليست جامدة، ولقد كُيفت وفقاً لما قضت به الأحوال والظروف. وهذه السياسة إنما يؤيدها كثير من المسلمين عندما يستشهدون بالآية القرآنية التي مفادها أن الله يريد أن ييسر السبيل للناس. إن المسلم ليجد أن في ميسوره التزام أحكام دينه، وهكذا ينعم بالأمن وطمأنينة النفس.
أما العقيدة النصرانية كما وضعها المسيح والرسل الأولون في (العهد الجديد) فلا تحتمل أي تعديل، وهي واجبة الاتباع. إن هدف النصرانية الممعن في الروحية، ذلك الهدف الذي هو الانتصار على ضعف الجسد، يكاد يكون متعذر التحقيق في هذه الحياة، ولولا محبة الله إذن لكان خليقاً بحياة المسيحي أن تكون سلسلة من ضروب الإخفاق والخيبة التي لا سبيل إلى التغلب عليها. إن في إمكان المسلم أن يبلغ مَثَل دينه الأعلى هنا على سطح الأرض، ولكن النصراني يتطلع إلى الاتحاد بالمسيح في المستقبل بوصفه غاية الغايات في حياته الدينية.
ـــــــــــــــــــــ
* روم لاندو، الإسلام والعرب، ترجمة: منير البعلبكي، ط1 (بيروت: دار العلم للملايين، 1962م)، ص47 وما بعدها





